احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 20:38
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
بعيدًا عن الروايات الرسمية التي تُقدّم اجتماع باكستان بين ج. د. فانس ورئيس البرلمان الإيراني كخطوة نحو التهدئة، فإن القراءة الأعمق تكشف أنه لم يكن اجتماعًا لإنهاء الصراع، بل لإعادة ضبطه.
هذه اللقاءات لا تُعقد لحل الأزمات، بل لتحديد سقفها. لا أحد يدخل غرفة التفاوض وهو يريد “نهاية اللعبة”، بل يريد ضمان استمرارها دون أن تخرج عن السيطرة. وهنا تحديدًا تظهر وظيفة هذا الاجتماع: تثبيت قواعد الفوضى، لا إلغاؤها.
فانس، الذي يُقدَّم كصوت عقل داخل الإدارة الأمريكية، لا يعمل خارج المنظومة، بل داخلها. اعتراضه ليس على وجود الصراع، بل على تحوله إلى حرب مفتوحة غير محسوبة. لذلك، فإن لقائه مع الجانب الإيراني لا يعني كسر العداء، بل تنظيمه. ضبط الإيقاع بين التصعيد والتهدئة، بحيث يبقى التوتر قائمًا… لكن دون انفجار شامل.
أما إيران، فهي تدرك هذه القواعد جيدًا. فهي لا تسعى إلى مواجهة شاملة تُهدد وجودها، ولا إلى تهدئة كاملة تُفقدها دورها الإقليمي. وجودها في هذه الاجتماعات ليس كطرف ضعيف يبحث عن مخرج، بل كعنصر أساسي في معادلة لا تكتمل بدونها.
وهنا تتضح الصورة التي يحاول الخطاب السياسي إخفاءها: هذا الاجتماع ليس استثناءً، بل جزء من آلية إدارة الفوضى. يتم فيه الاتفاق على ما يجب أن يستمر، لا ما يجب أن ينتهي. تحديد خطوط حمراء، توزيع أدوار، وضبط مستوى التوتر بحيث يظل “مفيدًا”.
النتيجة؟ استمرار حالة القلق في الخليج، بقاء الحاجة إلى الحماية الأمريكية، واستمرار تدفق الأموال في اتجاه واحد. لا حرب شاملة تُدمّر كل شيء، ولا سلام كامل يُنهي الحاجة إلى أحد. فقط منطقة معلّقة بين الاثنين… وهذا هو الهدف.
بكلمات أقل دبلوماسية: اجتماع باكستان لم يكن لكسر الصراع، بل لضمان بقائه في شكله المثالي. فوضى كافية للاستنزاف، واستقرار كافٍ للاستمرار.
وفي النهاية، بينما يُباع هذا النوع من اللقاءات كإنجاز سياسي، فهو في الحقيقة أقرب إلى صيانة دورية لنظام قائم على التوتر. نظام لا يريد أن ينهار… لأنه ببساطة، يعمل كما يجب.
هكذا لا يعود الاجتماع “تفصيلا”، بل مفتاحا لفهم اللعبة نفسها: لا أحد يسعى لإطفاء الحريق، بل الجميع منشغل بضبطه… ليحترق بالقدر الذي يخدم مصالحه،لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يفعل اللاعبون الكبار، بل: كيف يُقرأ هذا المشهد في الخليج؟،بين من يدرك أن ما يجري هو إدارة صراع لا إنهاؤه، وبين من لا يزال يراهن على وعود الحماية والتحالفات الصلبة، تتشكل فجوة في الفهم قبل أن تكون فجوة في المواقف. المشكلة ليست في غياب المعلومات، بل في طريقة تفسيرها: هل ما يحدث ضمان للأمن… أم إعادة تعريف دائمة لمصدر التهديد؟،في عالم تُدار فيه الأزمات بدل حلّها، يصبح أخطر وهم هو الاعتقاد بأن الاستقرار يُمنح، لا يُبنى. وأن الحريق الذي يُقال إنه تحت السيطرة… لن يمتد.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟