احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 23:22
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في لحظة نادرة من الصدام بين الأخلاق والسياسة، خرج صوت الكنيسة من قلب الكرسي الرسولي ليقول ما يتجنبه كثيرون: السلام ليس خيارًا تكتيكيًا، بل مبدأ. لكن المشكلة أن هذا الصوت اصطدم برجل لا يؤمن إلا بلغة القوة، رجل اسمه دونالد ترامب، الذي يبدو أنه لم يعد يكتفي بإدارة السياسة، بل يحاول إعادة تعريفها على صورته.
الخلاف لم يكن دبلوماسيًا عابرًا، بل كاشفًا لعقلية كاملة. عندما يهاجم ترامب رأس الكنيسة الكاثوليكية، متهمًا إياه باللين أو “الليبرالية المفرطة”، فهو لا يناقش موقفًا، بل يرفض فكرة أن تكون الأخلاق جزءًا من القرار السياسي أصلًا. بالنسبة له، العالم ساحة صراع، ومن لا يتحدث بلغة الردع والقوة، يُصنف فورًا في خانة الضعف.
لكن ما يجعل هذا المشهد أكثر إثارة للسخرية من القلق، هو التحول الغريب في صورة الرجل نفسه. من خطاب “القوة المنقذة” إلى ما يشبه محاولة ارتداء عباءة القداسة، وكأن السياسة لم تعد تكفيه، فقرر أن يلعب دور المخلّص. هنا لا نتحدث عن خلاف مع بابا، بل عن تضخم في تصور الذات يصل حد التماهي مع فكرة “المنقذ”.
المفارقة أن هذا التصادم يضع ملايين المؤمنين أمام سؤال بسيط ومحرج: هل يمكن أن تُدار السياسة بمنطق أخلاقي في عالم يزداد خشونة؟ أم أن خطاب القوة، مهما كان فظًا، هو اللغة الوحيدة التي تُفهم؟
الكنيسة، عبر مواقفها، تحاول التمسك بفكرة أن السلام ليس سذاجة، وأن رفض الحروب ليس ضعفًا، بل موقف أخلاقي متماسك. أما ترامب، فيقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا: حيث تصبح القوة معيارًا وحيدًا، والتشكيك في الحرب نوعًا من الخيانة للمنطق السياسي.
لكن الخطير هنا ليس فقط في هذا التصادم، بل في الرسالة التي يبعثها: أن العالم يمكن أن يُدار بمنطق “إما معي أو ضدي”، حتى لو كان الطرف الآخر هو مؤسسة دينية تمثل مئات الملايين.
في النهاية، لا يبدو أن المشكلة في اختلاف وجهات النظر، بل في تصور كل طرف لدوره. الكنيسة ترى نفسها صوت ضمير، بينما يرى ترامب نفسه صانع واقع لا يحتاج إلى ضمير يراجعه.
وهنا تحديدًا تكمن الأزمة: حين يتحول السياسي من صانع قرار إلى من يظن نفسه فوق كل مرجعية، حتى الأخلاقية منها، لا يعود الصراع سياسيًا فقط… بل يصبح صراعًا على معنى العالم نفسه.
وبين “دبلوماسية السلام” و”عقيدة القوة”، لا يقف العالم حائرًا بقدر ما يقف مكشوفًا، أمام نموذجين: أحدهما يذكّره بإنسانيته، والآخر يختبر إلى أي مدى يمكن أن يتخلى عنها.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟