أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - احمد البهائي - العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة














المزيد.....

العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 22:16
المحور: المجتمع المدني
    


العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة...
ليس هناك ما هو أكثر راحة للعقل الكسول من اختزال العدالة الاجتماعية في جملة واحدة: “تأخذ من الغني وتعطي للفقير”، وكأن الاقتصاد مجرد جيب كبير نفتح سحّابَه عند الحاجة ونغلقه عند انتهاء الشعور بالإنسانية. وفي المقابل، هناك من يفرغ المفهوم من أي معنى عملي عبر تعقيد لغوي لا ينتهي، فيجلس يتحدث ساعة كاملة عن تعريف العدالة الاجتماعية دون أن يقترب من حياة الناس قيد أنملة، لنجد أنفسنا في النهاية أمام طرفين متناقضين في الشكل، متشابهين في النتيجة: ضياع الفكرة بين تبسيط مخل وتعقيد بلا روح.
الحقيقة أن العدالة الاجتماعية ليست عملية سحب عشوائي من جيب “الغني” إلى جيب “الفقير”، لأنها بهذا الشكل تتحول إلى عقاب للإنتاج وتشجيع على التواكل، وليست أيضًا متاهة فكرية لا تُفهم إلا في المؤتمرات المغلقة. هي في جوهرها نظام توزيع للفرص قبل أن تكون توزيعًا للنتائج، وضمانة حد أدنى من الكرامة عبر التعليم والصحة والبنية الأساسية والعمل، بحيث لا يتحول الفقر إلى قدر دائم ولا يصبح الغنى امتيازًا مغلقًا بلا مسؤولية.
لكن حين تغيب هذه البنية، يظهر بديل آخر أكثر ضجيجًا وأقل كلفة سياسية: الإحسان الممول إعلاميًا. نرى مستشفيات تُبنى في الإعلانات قبل أن تُبنى في الواقع، وآبارًا تُحفر في دقائق مونتاج، وكراتين طعام تُوزع على إيقاع موسيقى حزينة، وأضاحي تُسجل تحت عدسات عالية الجودة، وكأننا أمام دولة تُدار بالتصوير لا بالسياسات. هنا يتحول الفقر من مشكلة إلى محتوى، ومن أزمة إلى حملة، ومن مسؤولية عامة إلى لحظة عاطفية موسمية تنتهي بانتهاء الإعلان.
لا يمكن إنكار أن بعض هذه الجهود تنقذ حياة أو تسد فجوة حقيقية، لكن الخلل يبدأ حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يُستبدل الحق بالمنحة، والبنية المستدامة بالحلول الموسمية. فالمريض الذي يُعالج عبر حملة تبرع، والماء الذي يصل عبر إعلان، والغذاء الذي يأتي في كرتونة موسمية، كلها مؤشرات على أن النظام الأساسي إما غائب أو غير كافٍ، وأن المجتمع يُدار بمنطق الإطفاء لا البناء.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الحملات قد تتحول إلى مساحة رمادية بين الخير والاستغلال، حيث تغيب الشفافية عن حجم الأموال المصروفة، وتختفي البيانات الدقيقة عن الأثر الحقيقي، ويُستخدم الألم الإنساني كأداة جذب تمويل، بينما تبقى الأسئلة الصعبة بلا إجابة: أين ذهب المال؟ كم من المشروع تحقق فعليًا؟ وما نسبة ما صُرف على الإعلان مقارنة بما وصل للمحتاج؟
وهنا يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: أين الدولة من كل هذا؟ في النموذج الطبيعي، لا تكون العدالة الاجتماعية مشروعًا دعائيًا، بل سياسة عامة. التعليم والصحة والمياه والحماية الاجتماعية ليست مناسبات للتبرع، بل حقوقًا تُمول من نظام ضريبي واضح ومؤسسات تعمل بكفاءة. أما حين يصبح المجتمع المدني والإعلانات الخيرية لاعبًا رئيسيًا في سد الاحتياجات الأساسية، فهذا يعني أن هناك فراغًا في الدور العام، أو على الأقل اختلالًا في أولوية الدولة بين ما يجب أن يكون حقًا وما يُترك لرحمة الحملات.
وقد لا يكون الأمر دائمًا هروبًا مباشرًا من المسؤولية، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى نوع من إدارة الأزمة بالحد الأدنى: ترك الفجوات مفتوحة، ثم السماح للخير الإعلامي أن يملأ الصورة، فيبدو المشهد أقل سوءًا مما هو عليه فعليًا. وهكذا لا تُحل المشكلة، بل يُعاد تغليفها كل موسم في إعلان جديد، ويستمر الفقر في دورته بينما تتغير فقط الموسيقى الخلفية.
اذا،العدالة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع، ولا إعلانًا يُبث، ولا تعريفًا يُلقى في محاضرة طويلة، بل هي بنية كاملة من السياسات والمؤسسات التي تجعل الحاجة إلى هذه الإعلانات أقل ما يمكن. أما حين تصبح الكاميرا جزءًا من إدارة الفقر، فنحن لا نتحدث عن عدالة اجتماعية، بل عن واقع يُدار بالتصوير، ويُقاس بعدد المشاهدات، لا بعدد الحلول.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصريحات متضاربة اقتصاد ينتج فيستدين... واقتصاد يستدين لأنه ل ...
- بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية ...
- حين تسبق السندات الفيدرالي... ماذا يقول اختراق عائد الثلاثين ...
- فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة ت ...
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل
- وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى ...
- ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة
- من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة
- حين يتقمّص ترامب دور القديس… ويتعثر في أبسط معاني السلام
- 2-اجتماع باكستان وتثبيت المعادلة: إيران كركيزة جيوسياسية… وا ...
- اجتماع باكستان: حين تُدار الفوضى على الطاولة… لا في الميدان
- عبد الخالق عبد الله… عندما يسقط الأكاديمي في حفرة القوة بعد ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- (1)سقوط عبدالله عبدالخالق:الغرور الخليجي ووهم القيادة..حين ي ...
- تصنيف موديز ومشكلة الاقتصاد المصري: الحكومة التي تعيش على ال ...
- السياسة النقدية المصرية بين التضخم والأزمات الخارجية: رفع ال ...


المزيد.....




- غريب‌ آبادي: عمليات القتل خارج نطاق القضاء تسقط قناع حقوق ال ...
- 3 شهداء و17 جريحاً في قصف مروحي استهدف خيام النازحين بخان يو ...
- آلاف الأسرى يتعرضون للقتل البطيء: رواية ناج من وحشية سجون ال ...
- تعذيب وتحرش.. عائدون من أسطول الصمود يروون معاناتهم في سجون ...
- مجريات مذكرة تفاهم بين ايران وأمريكا ومعوقاتها
- شهداء وجرحى في مجزرة جديدة استهدفت خيام النازحين بمواصي خاني ...
- سجناء يزعمون تعرضهم للتعذيب يسيطرون على سجن في فنزويلا
- شاهد.. روايات سكان كاليفورنيا النازحين بسبب تسرب مواد كيميائ ...
- إنفوجراف | أحكام الإعدام في مصر لشهر أبريل 2026
- أعمال نقل وتنظيم واسعة لخيم النازحين في منطقة الواجهة البحري ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - احمد البهائي - العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة