أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية في مواجهة التضخم المركب؟















المزيد.....

بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية في مواجهة التضخم المركب؟


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 13:47
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


استكمالًا للمقال السابق حول السياسة النقدية في مصر بين التضخم وقياس الفجوة التضخمية، والذي تناولنا فيه العوامل المسببة لارتفاع معدلات التضخم، ومؤشرات قياس التغيرات في المستوى العام للأسعار، وتحليل الفجوة التضخمية باعتبارها مؤشرًا كاشفًا لما إذا كانت الضغوط السعرية ناتجة عن الإفراط في الطلب الكلي، أو عن التوسع المفرط في المعروض النقدي، أو عن تفاعل العاملين معًا، يصبح من الضروري الانتقال إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما تزال أدوات السياسة النقدية الحالية كافية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة؟
تشير القراءة الأولية للمشهد النقدي إلى أن أسعار الفائدة على الودائع، رغم مستوياتها المرتفعة نسبيًا، ما تزال في كثير من الأحيان عاجزة عن تحقيق عائد حقيقي موجب إذا ما قورنت بمعدلات التضخم الفعلية وتآكل القوة الشرائية للجنيه، وهو ما يترتب عليه فقدان المدخرات لجزء معتبر من قيمتها الحقيقية، ودفع الأفراد والمؤسسات إلى البحث عن ملاذات بديلة للحفاظ على القيمة، سواء عبر اقتناء الأصول العينية، أو المضاربة العقارية، أو التحول إلى العملات الأجنبية.
وتترتب على هذه السلوكيات آثار نقدية بالغة الخطورة، أبرزها ارتفاع سرعة دوران النقود داخل الاقتصاد، بما يعمق الضغوط التضخمية ويخلق حلقة تغذية ذاتية بين التوقعات التضخمية والارتفاع الفعلي للأسعار.
ومن هنا، تظل أسعار الفائدة إحدى الأدوات الأساسية لامتصاص السيولة الزائدة، وإعادة التوازن بين الادخار والاستهلاك، ودعم الاستقرار النقدي، غير أن فعاليتها تظل مشروطة بطبيعة التضخم القائم.
فالتضخم في الاقتصاد المصري لم يعد مجرد تضخم نقدي تقليدي، بل أصبح تضخمًا مركبًا تتداخل فيه أنماط متعددة تشمل تضخم الطلب، والتضخم النقدي، وتضخم التكاليف، وتضخم الأرصدة النقدية، وتضخم الدين، فضلًا عن الضغوط الهيكلية المرتبطة بضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد الكبير على الواردات، واتساع فجوة الموارد المحلية.
ويكشف قياس الفجوة التضخمية باستخدام معامل الاستقرار النقدي عن استمرار اختلال العلاقة بين معدل نمو السيولة المحلية ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بما يعكس وجود قوة شرائية نقدية تفوق الطاقة الإنتاجية الحقيقية للاقتصاد.
فخلال السنوات الماضية، نما المعروض النقدي بوتيرة تجاوزت معدلات نمو الناتج الحقيقي، وهو ما تؤكده أيضًا نظرية كمية النقود التي ترى أن زيادة كمية النقود دون زيادة موازية في الناتج الحقيقي تؤدي حتمًا إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.
غير أن هذه النتيجة، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن رفع أسعار الفائدة الإضافي هو الخيار الأمثل بصورة تلقائية.
وهنا يفرض الواقع الاقتصادي الراهن سؤالًا حاسمًا:
هل يصبح رفع أسعار الفائدة هو الخيار الأفضل، أم أن الإبقاء عليها عند مستوياتها الحالية يمثل القرار الأكثر اتزانًا؟
الإجابة الموضوعية تقتضي الابتعاد عن التصورات التقليدية التي تفترض أن رفع الفائدة يمثل العلاج التلقائي لكل موجة تضخمية.
صحيح أن رفع الفائدة يمكن أن يسهم في امتصاص السيولة الزائدة، وتعزيز جاذبية الادخار بالجنيه، وتقليل الضغوط على سوق الصرف، لكنه في المقابل يفرض تكلفة مرتفعة، تتمثل في زيادة أعباء خدمة الدين العام، ورفع تكلفة التمويل على القطاع الخاص، وإبطاء النشاط الاستثماري، وربما تعميق الضغوط على الاقتصاد الحقيقي.
كما أن جزءًا معتبرًا من الضغوط التضخمية الحالية يرتبط بعوامل تكلفة واختناقات عرض وتشوهات هيكلية، وهي عوامل لا تستجيب مباشرة لزيادات إضافية في سعر الفائدة.
ومن ثم، فإن القراءة الأكثر اتزانًا تشير إلى أن الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية يبدو الخيار الأقرب للصواب في هذه المرحلة، شريطة أن يصاحبه خطاب نقدي واضح يؤكد استعداد البنك المركزي للتحرك السريع إذا ما ظهرت مؤشرات جديدة على تسارع التضخم أو اتساع الضغوط النقدية.
فالتثبيت هنا لا يعني التراخي، بل يعكس إدراكًا بأن أثر التشديد النقدي السابق لم يكتمل انتقاله بعد إلى الاقتصاد الحقيقي، وأن منح السوق فرصة لاستيعاب أثر القرارات السابقة قد يكون أكثر فاعلية من اللجوء إلى جرعة تشديد إضافية.
غير أن تريث البنك المركزي في اللجوء إلى رفع جديد لأسعار الفائدة لا يمكن تفسيره باعتباره تجاهلًا لمخاطر التضخم، بل باعتباره محاولة للموازنة بين مخاطر متعددة ومتعارضة في وقت واحد، فصانع السياسة النقدية لا يتحرك داخل بيئة نظرية معزولة، وإنما داخل اقتصاد يواجه ضغوطًا مركبة تشمل التضخم، وارتفاع أعباء الدين، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، وضعف القدرة الإنتاجية.
وتأتي في مقدمة الأسباب التي تدفع البنك المركزي إلى التريث، الارتفاع الكبير في تكلفة خدمة الدين العام، إذ إن أي زيادة إضافية في أسعار الفائدة تعني تلقائيًا ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي، بما يفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة ويؤدي إلى اتساع بند الفوائد بصورة أكبر.
كما أن التشديد النقدي المفرط قد يؤدي إلى إبطاء النشاط الاقتصادي، عبر رفع تكلفة التمويل على القطاع الخاص، وتقليص التوسع الاستثماري والإنتاجي، وهو ما قد ينعكس سلبًا على معدلات النمو وفرص العمل.
ويزداد الأمر تعقيدًا في ظل حقيقة أن جزءًا معتبرًا من التضخم الحالي لا يرجع فقط إلى فائض الطلب النقدي، وإنما يرتبط أيضًا بعوامل هيكلية تشمل ارتفاع تكلفة الواردات، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، وهي عوامل لا تستجيب بصورة مباشرة لرفع أسعار الفائدة.
كذلك يدرك البنك المركزي أن أثر موجات التشديد النقدي السابقة لم يكتمل انتقاله بعد إلى الاقتصاد الحقيقي، نظرًا للطبيعة الزمنية التي تعمل بها أدوات السياسة النقدية، الأمر الذي يجعل التسرع في رفع إضافي للفائدة قبل تقييم النتائج الفعلية للقرارات السابقة خطوة قد تحمل مخاطر تفوق مكاسبها المحتملة.
ومن ثم، فإن التريث الحالي لا يعكس غياب القلق من التضخم، وإنما يعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء الضغوط التضخمية من ناحية، والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والاستقرار المالي من ناحية أخرى.
وفي لحظة تتطلب دقة الجراح لا اندفاع رجل الإطفاء، يصبح التثبيت المشروط أكثر حكمة من رفع قد يستهلك ما تبقى من قدرة الاقتصاد على التقاط أنفاسه.
والخلاصة أن المعركة ضد التضخم في مصر لن تُحسم عبر سعر الفائدة وحده، بل عبر رؤية اقتصادية متكاملة تستهدف توسيع الإنتاج الحقيقي، وتقليص الاعتماد على الخارج، وإعادة بناء العلاقة الصحية بين النمو النقدي والنمو الإنتاجي.
هكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس:
هل نرفع الفائدة أم نثبتها؟
بل:
كيف نعيد بناء اقتصاد قادر على امتصاص السيولة وتحويلها إلى إنتاج، بدلًا من تحويلها إلى موجات متلاحقة من التضخم؟
مصر اليوم لا تواجه مجرد أزمة أسعار، بل تواجه اختبارًا لقدرتها على الانتقال من اقتصاد يستهلك النمو النقدي إلى اقتصاد يصنع نموًا حقيقيًا. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين دولة تطارد التضخم كل عام، ودولة تكسر دائرته من الأساس. البشرية، كعادتها، تؤجل إصلاح الهيكل ثم تدخل في نقاشات طويلة حول سعر الفائدة وكأن المشكلة كلها في زر داخل البنك المركزي.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تسبق السندات الفيدرالي... ماذا يقول اختراق عائد الثلاثين ...
- فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة ت ...
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل
- وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى ...
- ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة
- من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة
- حين يتقمّص ترامب دور القديس… ويتعثر في أبسط معاني السلام
- 2-اجتماع باكستان وتثبيت المعادلة: إيران كركيزة جيوسياسية… وا ...
- اجتماع باكستان: حين تُدار الفوضى على الطاولة… لا في الميدان
- عبد الخالق عبد الله… عندما يسقط الأكاديمي في حفرة القوة بعد ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- (1)سقوط عبدالله عبدالخالق:الغرور الخليجي ووهم القيادة..حين ي ...
- تصنيف موديز ومشكلة الاقتصاد المصري: الحكومة التي تعيش على ال ...
- السياسة النقدية المصرية بين التضخم والأزمات الخارجية: رفع ال ...
- ___35 ألف رغيف وكذبة الوزير: السخرية الرسمية على الهواء
- حين تدار السياسة بالإهانة… وحين تشترى الحماية بالمال


المزيد.....




- إنبي المصرية تفوز بأول مشروع نفطي في عُمان
- إيزي جيت: تراجع حجوزات الصيف بسبب الحرب ولا أزمة بالوقود
- تقارير استخباراتية: إيران تستأنف إنتاج المسيّرات وتعيد بناء ...
- دول الخليج قلقة من التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للح ...
- هجمات أوكرانية توقف تكرير النفط في روسيا
- اتفاقية بريطانية خليجية لتعزيز التجارة والاستثمار
- انطلاق قمة -إيكونومي ميدل إيست 2026- في أبوظبي
- شبح هرمز في طوكيو: -التغليف بالأبيض والأسود- يغزو الأسواق
- -علي بابا- تتحدى إنفيديا بشريحة ذكاء اصطناعي جديدة
- -الفاو- تحذر من-صدمة زراعية غذائية- جراء إغلاق مضيق هرمز


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية في مواجهة التضخم المركب؟