أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - احمد البهائي - فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة تمثيل نفسه















المزيد.....

فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة تمثيل نفسه


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 16:17
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


ليس كل صعود اقتصادي مجرد قصة نجاح تنموي، وليس كل تنافس بين قوتين عظميين مجرد خلاف تجاري قابلًا للاحتواء عبر جولات تفاوض أو اتفاقات مرحلية. أحيانًا يكون ما يجري أمام العالم هو إعادة تشكل عميقة لبنية النظام الدولي، لحظة انتقال تاريخية يتداخل فيها الاقتصاد بالجغرافيا السياسية، ويتحول فيها الصراع من منافسة على الحصص إلى مواجهة على تعريف من يملك حق صياغة قواعد اللعبة نفسها. هذا هو السياق الذي يجعل مفهوم Thucydides Trap حاضرًا بقوة في قراءة العلاقة بين United States وChina، لا بوصفه نبوءة حتمية، بل بوصفه تحذيرًا استراتيجيًا من أن التاريخ حين يختل فيه ميزان القوة يصبح أكثر ميلًا إلى إنتاج الصدام مما يتصور الساسة.
حين استعاد Graham Allison هذا المفهوم، لم يكن يقصد أن الحرب قدر محتوم بين الصين وأمريكا، بل كان يشير إلى حقيقة أكثر تعقيدًا وخطورة: أن صعود قوة جديدة يزرع في وعي القوة المهيمنة شعورًا متزايدًا بالقلق، وهذا القلق لا يحتاج إلى نية عدوانية كي يتحول إلى توتر بنيوي. يكفي أن ترى القوة القائمة أن استمرار صعود منافسها سيجعل احتواءه مستحيلًا في المستقبل، حتى يبدأ التفكير في كبحه قبل فوات الأوان. وهنا يبدأ الفخ في التشكل.
في هذا المشهد تبدو الصين هي "أثينا" الحديثة بالمعنى الثوسيديدي الكلاسيكي. لقد انتقلت خلال عقود قليلة من هامش الاقتصاد العالمي إلى مركزه، وتحولت من مصنع منخفض الكلفة إلى لاعب ينازع على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والنفوذ المالي وسلاسل التوريد. لم يعد صعود بكين مجرد زيادة في الناتج المحلي أو طفرة تصديرية عابرة، بل أصبح مشروعًا متكاملًا لإعادة تموضعها كقوة كبرى قادرة على التأثير في بنية النظام العالمي نفسه.
هذا الصعود لم يكن ارتجاليًا، ولم تتعامل معه الصين باعتباره مفاجأة تاريخية. أدركت بكين منذ وقت مبكر أن أي قوة صاعدة بهذا الحجم ستواجه مقاومة من القوة المهيمنة، ولذلك تصرفت كما لو أن احتمال الوقوع في الفخ قائم بالفعل. استثمرت في الاكتفاء التكنولوجي عبر مبادرة Made in China 2025، ووسعت عمقها الاقتصادي والجيوسياسي عبر Belt and Road Initiative، وطورت قدراتها العسكرية والردعية، خصوصًا في محيط Taiwan Strait، وبنت استراتيجيتها على الصبر الطويل بدل الحسم السريع. الصين لم تستعد فقط لصعودها، بل استعدت أيضًا لرد الفعل الأميركي عليه.
لكن المفارقة أن الاستعداد للفخ قد يسرّع الوقوع فيه. حين تعزز بكين قدراتها التقنية والعسكرية لتأمين نفسها، ترى واشنطن في ذلك دليلًا إضافيًا على وجود مشروع صيني لإزاحتها عن موقع القيادة. فترد بسياسات احتواء تشمل القيود على الرقائق الإلكترونية والعقوبات التقنية ومحاولات إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين. فتقرأ بكين هذه الإجراءات باعتبارها تأكيدًا على أن واشنطن تسعى لخنقها قبل اكتمال صعودها. وهكذا يدخل الطرفان في حلقة تغذية متبادلة، حيث يصبح كل إجراء دفاعي من طرف دليلًا هجوميًا في نظر الطرف الآخر.
لقد تجاوزت العلاقة الأمريكية الصينية بالفعل مرحلة التنافس التقليدي، ودخلت طور الاحتواء البنيوي المتبادل، وهو الطور الذي يسبق تاريخيًا لحظات الاختبار الحاد. لم يعد الأمر مجرد تنافس اقتصادي أو نزاع تجاري قابلًا للاحتواء عبر التفاوض، بل أصبح صراعًا على الزمن نفسه: من يفرض توقيت المواجهة، ومن يملك القدرة على إعادة تشكيل البيئة الدولية قبل لحظة الحسم.
هنا يظهر الدور الحاسم للاقتصاد. المفترض نظريًا أن التشابك الاقتصادي الهائل بين البلدين يشكل صمام أمان يمنع الانزلاق نحو الصدام، لكن الواقع يكشف أن الاقتصاد نفسه يتحول تدريجيًا إلى ميدان المواجهة الأساسي. الرقائق الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، المعادن النادرة، سلاسل الإمداد، العقوبات، وقيود الاستثمار، كلها أدوات صراع لا تقل تأثيرًا عن الأسلحة التقليدية. القرن الحادي والعشرون قد يثبت أن الحروب الكبرى لا تبدأ بصاروخ، بل بقرار اقتصادي مكتوب بلغة بيروقراطية جافة، قبل أن يكتشف العالم لاحقًا أن ذلك القرار كان الشرارة الأولى.
غير أن المشكلة ليست في التنافس الاقتصادي ذاته، بل في وجود نقطة تماس جيوسياسي قابلة للتحول إلى اختبار سيادي مباشر، وتمثل Taiwan هنا أخطر مفصل في المشهد. فهي ليست ملفًا تفاوضيًا بالنسبة لبكين، بل جزء من اكتمال مشروعها القومي، وليست مجرد جزيرة بالنسبة لواشنطن، بل اختبار مباشر لمصداقية الردع الأمريكي في آسيا. ولهذا فإن أي خطأ في الحسابات حول تايوان قد يحول التوتر البنيوي إلى مواجهة صريحة تتجاوز حدود الإقليم.
والأخطر أن العالم لم يعد يشهد تنافسًا ثنائيًا مجردًا، بل تشكلًا متزايدًا لمحاور واستقطابات جديدة. التمدد الصيني، التقارب مع Russia، صعود أطر مثل BRICS، في مقابل تحالفات واشنطن في المحيطين الهندي والهادئ، كلها مؤشرات على إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. ومع كل اصطفاف جديد، تتقلص المساحات الرمادية وتزداد احتمالات أن تتحول الأزمات الموضعية إلى اختبارات شاملة للهيبة والردع.
ومع ذلك، فإن الحديث عن حتمية الحرب يبقى قراءة متسرعة. هناك عناصر ردع قوية ما زالت تؤجل لحظة الانفجار، من بينها التشابك الاقتصادي الذي لم ينكسر بالكامل، والردع النووي، والإدراك المتبادل لحجم الكارثة التي قد تنتج عن مواجهة مباشرة. لهذا فإن المشهد الأدق ليس أننا على أعتاب الحرب، بل أننا داخل ممرها البنيوي، حيث يصبح كل قرار تكتيكي صغير قادرًا على تسريع الوصول إلى لحظة الاختبار.
وهنا تتضح المفارقة الاستراتيجية الكبرى: تفوق الصين استراتيجيًا مشروط بالزمن، بينما تفوق أمريكا تكتيكيًا قائم على استعجال لحظة الاختبار. فبكين تملك الكتلة الصناعية، والنفس الطويل، والمركزية السياسية، والقدرة على امتصاص الكلفة، لكنها تحتاج إلى الوقت لتحويل هذه المقومات إلى تفوق شامل. في المقابل، تمتلك واشنطن شبكة التحالفات، والتفوق العسكري، والهيمنة المالية، والقدرة على فرض اختبارات مبكرة قد تربك المسار الصيني قبل اكتماله.
السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الصين تصعد، فهذا واقع محسوم، ولا ما إذا كانت أمريكا قلقة، فهذا ظاهر في كل سياساتها. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت بكين ستنجح في تحويل صبرها الاستراتيجي إلى تفوق فعلي قبل أن تفرض واشنطن لحظة اختبار مبكر، وما إذا كانت واشنطن قادرة على إدارة قلقها من الصعود الصيني دون أن يتحول هذا القلق إلى سلوك يدفعها هي نفسها إلى إنتاج الصدام الذي تخشاه.
هنا تكمن خطورة اللحظة التاريخية. فخ ثوسيديديس لا يصنعه طرف شرير وآخر بريء، ولا يولده قرار واعٍ بإشعال الحرب. إنه يتشكل حين يتراكم الخوف وسوء التقدير وسوء قراءة النوايا حتى يصبح الانزلاق نتيجة طبيعية لبنية التنافس نفسها. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن القوى الكبرى غالبًا ما تدرك الفخ نظريًا، ثم تمضي نحوه بثقة بيروقراطية مدهشة، وكأن قراءة كتب التاريخ كانت مجرد نشاط ثقافي أنيق لا أكثر.
العالم اليوم لا يقف أمام سؤال من سيربح الصراع بين واشنطن وبكين، بل أمام سؤال أكثر خطورة: هل تملك القوتان من الحكمة ما يكفي لكسر منطق التاريخ قبل أن يعيد تمثيل نفسه بصورة أكثر كلفة ووحشية؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيكون قرن إعادة التوازن العالمي، أم قرن الانفجار الكبير الذي يبدأ اقتصاديًا وينتهي جيوسياسيًا.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل
- وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى ...
- ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة
- من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة
- حين يتقمّص ترامب دور القديس… ويتعثر في أبسط معاني السلام
- 2-اجتماع باكستان وتثبيت المعادلة: إيران كركيزة جيوسياسية… وا ...
- اجتماع باكستان: حين تُدار الفوضى على الطاولة… لا في الميدان
- عبد الخالق عبد الله… عندما يسقط الأكاديمي في حفرة القوة بعد ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- (1)سقوط عبدالله عبدالخالق:الغرور الخليجي ووهم القيادة..حين ي ...
- تصنيف موديز ومشكلة الاقتصاد المصري: الحكومة التي تعيش على ال ...
- السياسة النقدية المصرية بين التضخم والأزمات الخارجية: رفع ال ...
- ___35 ألف رغيف وكذبة الوزير: السخرية الرسمية على الهواء
- حين تدار السياسة بالإهانة… وحين تشترى الحماية بالمال
- جي دي فانس ومستقبل أمريكا بعد مستنقع حرب إيران: العبث الترمب ...
- الخليج بعد انكشاف السماء: نهاية أسطورة الحماية الأمريكية


المزيد.....




- إيران أعدت آلية لإدارة حركة المرور في مضيق هرمز، وغارات إسرا ...
- هل يعود ملف خاشقجي إلى الواجهة الدولية؟ خطوة قضائية فرنسية ت ...
- مداهمات وتفتيش منازل المدنيين: توغلات إسرائيلية جديدة بريف ا ...
- إقامة نهائي يوروفيجن في فيينا وسط مقاطعة واحتجاجات بسبب غزة ...
- رفضاً لإسقاطها من الوعي.. فلسطينيو 48 يعودون إلى القرى المهج ...
- زواجك الهادئ لا يعني أن علاقتك بخير.. ما الذي يقوله علم النف ...
- الحرب القذرة في البلديات.. هل تنجح فرنسا في ردع أدوات التأثي ...
- بينها قوات برية لاستخراج اليورانيوم.. خطط أمريكية للعودة لقص ...
- استنفار أمني بلندن.. مسيرة لليمين تقابلها مظاهرة مؤيدة لفلسط ...
- نحن في قبضة الأرض ولا شيء يهزم الجغرافيا


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - احمد البهائي - فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة تمثيل نفسه