أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود تضخمي مقنّع؟















المزيد.....

عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود تضخمي مقنّع؟


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 14:07
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


يواصل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الحديث عن معدلات النمو والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية الإيجابية، بينما يواصل المواطن المصري مواجهة واقع مختلف تمامًا؛ واقع تتراجع فيه القوة الشرائية، وتتآكل فيه الدخول الحقيقية، وتتسارع فيه أسعار السلع والخدمات بوتيرة تفوق قدرة أغلب الأسر على الاحتمال. وبين ما تقوله الأرقام الرسمية وما يشعر به المواطن في حياته اليومية، تتسع فجوة تطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان الاقتصاد ينمو فعلًا، فلماذا يزداد المواطن فقرًا؟
وكان آخر حلقات هذه السياسات الزيادات المتتالية في أسعار الوقود والكهرباء والمياه والخدمات العامة، وقبلها قرار رفع سعر رغيف الخبز المدعم بنسبة 300%، وتقليص الدعم على السلع الأساسية. ومن المؤكد أن تلك ليست آخر هذه السياسات. وهي إجراءات جاءت في إطار برنامج اقتصادي واسع بدأ منذ عام 2016، استند إلى تخفيض قيمة العملة ورفع الدعم والاعتماد المكثف على الاقتراض الخارجي، تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي.
لكن بعد مرور سنوات على تلك السياسات، يصبح من حق المواطن أن يسأل: أين نتائج هذا الإصلاح؟ وأين انعكاساته على مستوى المعيشة؟ فالإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الكلية أو بزيادة الاحتياطي النقدي أو بارتفاع معدلات النمو المسجلة في التقارير الرسمية، بل يقاس قبل كل شيء بمدى تحسن حياة المواطنين وقدرتهم على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
صحيح أن الأجور الاسمية ارتفعت خلال السنوات الماضية، لكن المواطن لا يعيش بالأرقام الاسمية، وإنما بما يستطيع شراءه بهذه الأجور. فما قيمة ارتفاع الراتب إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع؟ وما جدوى مضاعفة الدخول الاسمية إذا كانت القوة الشرائية تتراجع عامًا بعد عام؟
ففي الوقت الذي ارتفع فيه متوسط الأجر الاسمي من نحو 2000 جنيه شهريًا عام 2016 إلى ما يقارب 6000 جنيه خلال السنوات الأخيرة، تراجعت القيمة الحقيقية لهذا الأجر بصورة حادة نتيجة التضخم والانخفاض المستمر في قيمة العملة. كما انخفض متوسط الأجر مقومًا بالدولار من نحو 285 دولارًا شهريًا عام 2016 إلى ما يقارب 126 دولارًا فقط، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في القوة الشرائية ومستوى المعيشة الحقيقي للمواطن.
ولا تقتصر المشكلة على تآكل الأجور الحقيقية فحسب، بل تمتد إلى طبيعة النمو الاقتصادي ذاته. فمن أبرز المؤشرات التي تثير التساؤل حول حقيقة هذا النمو الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري خلال السنوات الأخيرة. فالدولار الذي كان يدور حول 9 جنيهات عام 2016، ثم استقر لسنوات حول 18 جنيهًا تقريبًا، تجاوز لاحقًا حاجز 50 جنيهًا. وفي مثل هذه الظروف تصبح قراءة أرقام النمو بالجنيه المصري وحدها قراءة ناقصة، لأن جزءًا من الزيادة الظاهرة في المؤشرات الاقتصادية قد يكون ناتجًا عن التضخم وانخفاض قيمة العملة، لا عن توسع حقيقي في الإنتاج أو تحسن فعلي في مستوى المعيشة. والدليل على ذلك أن المواطن لم يلمس تحسنًا يتناسب مع معدلات النمو المعلنة، بل واجه تراجعًا مستمرًا في القوة الشرائية وارتفاعًا متواصلاً في تكاليف الحياة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى. ففي الظروف الاقتصادية الطبيعية، عندما تنخفض القوة الشرائية للمواطنين ويتراجع الطلب، يفترض أن تتعرض الأسعار لضغوط تدفعها إلى الانخفاض أو على الأقل إلى التباطؤ. لكن ما حدث في مصر كان العكس تمامًا؛ فقد تراجعت القوة الشرائية بصورة حادة، بينما واصلت الأسعار ارتفاعها بلا توقف. والسبب أن الاقتصاد لم يكن يواجه أزمة طلب فقط، بل كان يواجه أيضًا تضخمًا مدفوعًا بارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد والطاقة والنقل، نتيجة تخفيض قيمة العملة ورفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات العامة.
وهكذا وجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: دخل حقيقي يتراجع باستمرار، وأسعار لا تتوقف عن الارتفاع. وهذه واحدة من أهم السمات التي تقترب بالاقتصاد من حالة الركود التضخمي؛ حيث يتزامن التضخم المرتفع مع تراجع القوة الشرائية وضعف النشاط الاقتصادي الحقيقي.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما نشهده هو نمو اقتصادي حقيقي أم نمو تضخمي؟ فالنمو الحقيقي هو الذي ينعكس على حياة المواطنين في صورة وظائف منتجة وأجور حقيقية أعلى ومستويات معيشية أفضل. أما عندما ترتفع المؤشرات الكلية بالتزامن مع تراجع الأجور الحقيقية وتآكل الدخول وارتفاع معدلات الفقر والضغوط المعيشية، فإن جزءًا مهمًا من هذا النمو يبدو أقرب إلى النمو التضخمي منه إلى النمو التنموي.
إن المشكلة ليست في وجود نمو مسجل في البيانات الرسمية، بل في طبيعة هذا النمو وجودته. فالنمو الذي لا يخلق تحسنًا ملموسًا في حياة المواطنين، ولا يزيد قدرتهم على الاستهلاك والادخار، ولا يحسن مستوى معيشتهم، يتحول إلى رقم محاسبي أكثر منه إنجازًا اقتصاديًا حقيقيًا.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نعلم أن الحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ اليوم 7000 جنيه شهريًا، أي ما يعادل نحو 130 دولارًا فقط وفق أسعار الصرف الحالية. فبعد سنوات من برامج الإصلاح الاقتصادي، وخفض قيمة العملة، ورفع الدعم، وزيادة الأسعار، أصبح الحد الأدنى للأجر في مصر يقترب من القيمة الدولارية التي تعكس حجم التراجع في القوة الشرائية لا حجم التقدم الاقتصادي. فالقضية لم تعد كم جنيهًا يتقاضى المواطن، بل ماذا يستطيع أن يشتري بهذا الجنيه. وعندما يصبح أجر العمل لشهر كامل عاجزًا عن ملاحقة الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة، فإن الحديث عن نجاحات اقتصادية كبرى يفقد كثيرًا من معناه لدى المواطن الذي يقيس الاقتصاد من سلة غذائه وفاتورة كهربائه وإيجار مسكنه، لا من المؤشرات المعلنة في التقارير الرسمية.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد المصري اليوم لا يتمثل في رفع معدلات النمو على الورق، بل في تحويل هذا النمو إلى تحسن فعلي يشعر به المواطن. فالتنمية ليست ما يكتب في التقارير أو يعلن في المؤتمرات الصحفية، وإنما ما ينعكس على قدرة الناس على العيش الكريم.
وعندما ترتفع معدلات النمو المعلنة في الوقت الذي تتراجع فيه الأجور الحقيقية، وتنهار القوة الشرائية، ويقفز الدولار من 9 جنيهات إلى أكثر من 50 جنيهًا، وتستمر الأسعار في الارتفاع رغم ضعف الطلب، فإن السؤال لم يعد عن حجم النمو، بل عن حقيقته. فالنمو الذي يجعل الأرقام أكثر ازدهارًا بينما يجعل المواطن أكثر فقرًا، قد يكون صحيحًا في دفاتر الحسابات، لكنه يبقى فاقدًا لقيمته في ميزان الواقع. وإذا كان المواطن لا يشعر بثمار النمو، ولا يرى أثره في دخله أو مستوى معيشته أو قدرته على تأمين احتياجات أسرته، فإن المشكلة لا تكون في إدراك المواطن لمعنى النمو، بل في طبيعة النمو نفسه، وفي السياسات التي جعلت الأرقام تزدهر بينما تراجعت أحوال الناس. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بما تكسبه الدولة في جداول الحسابات، وإنما بما يكسبه المواطن في حياته اليومية.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ترتفع عوائد السندات ويصمت الذهب: هل بدأ العالم يسمع صوت ...
- العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالك ...
- تصريحات متضاربة اقتصاد ينتج فيستدين... واقتصاد يستدين لأنه ل ...
- بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية ...
- حين تسبق السندات الفيدرالي... ماذا يقول اختراق عائد الثلاثين ...
- فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة ت ...
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل
- وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى ...
- ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة
- من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة
- حين يتقمّص ترامب دور القديس… ويتعثر في أبسط معاني السلام
- 2-اجتماع باكستان وتثبيت المعادلة: إيران كركيزة جيوسياسية… وا ...
- اجتماع باكستان: حين تُدار الفوضى على الطاولة… لا في الميدان
- عبد الخالق عبد الله… عندما يسقط الأكاديمي في حفرة القوة بعد ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- (1)سقوط عبدالله عبدالخالق:الغرور الخليجي ووهم القيادة..حين ي ...


المزيد.....




- تحويل مسارات الطيران يرفع حركة العبور فوق سوريا بـ375%
- رويترز: طهران تسعى لاتفاق محدود لكسب الوقت وإنعاش الاقتصاد د ...
- صناعة الدواء في العراق.. سوق بمليارات الدولارات وهيمنة للمست ...
- حرب أوكرانيا تستنزف خزينة روسيا.. ضغوط متصاعدة على بوتين لخف ...
- الاقتصاد التركي ينمو 2.5% في الربع الأول رغم تراجع الصادرات ...
- تحويلات المصريين بالخارج تقفز 32% في 9 أشهر
- صادرات زيت الزيتون التونسي تقفز 64% في النصف الأول من الموسم ...
- كيف تحركت أسعار النفط بعد حديث وسائل إعلام إيرانية عن تعليق ...
- تراجع أسعار الذهب عالمياً وسط تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران ...
- الاقتصاد والسلم الأهلي في مقدمة البرامج الانتخابية في إثيوبي ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود تضخمي مقنّع؟