احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 16:18
المحور:
الادارة و الاقتصاد
شاهدت أمس الحوار الذي أجراه عمرو أديب مع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فايد، ذلك الحوار الذي يمكن أن يندرج تحت تلك العناوين:*وزير الاستثمار أم مطوّر عقاري على مقعد الوزارة.*وزير الاستثمار أم مندوب العقارات؟.*وزير الاستثمار..عقارات وشحنات خضار و«سيادتك تؤسس شركتك إزاي»! .حيث خرجت منه بانطباع أكثر خطورة من مجرد أن الحوار كان بعيدًا عن المهنية المطلوبة في مناقشة ملف اقتصادي بهذا الحجم. المشكلة الحقيقية أن الحوار كشف، أو على الأقل أعطى انطباعًا شديد القسوة، بأننا أمام وزير يحمل واحدة من أهم الحقائب الاقتصادية في الدولة، لكنه لا يقدم رؤية واضحة لما تعنيه هذه الحقيبة، ولا كيف يمكن استخدامها للنهوض بالاقتصاد المصري.
لم نسمع خطة متكاملة للاستثمار، ولا استراتيجية واضحة للتجارة الخارجية، ولا تصورًا لكيفية زيادة الصادرات، ولا حديثًا جادًا عن الصناعة، ولا عن الصناعات التحويلية، ولا عن نقل التكنولوجيا، ولا عن رفع القيمة المضافة للمنتج المصري، ولا عن فتح أسواق جديدة للسلع المصرية.
بدلًا من ذلك، بدا الحديث في أجزاء كبيرة منه أقرب إلى شرح إجراءات تأسيس الشركات وإنهاء المعاملات.
وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يبدو أن أحدًا لم يطرحه: هل وزير الاستثمار وظيفته أن يشرح للمواطن كيف يؤسس شركة، أم أن يضع السياسة التي تجعل تأسيس الشركة واستمرارها ونموها وتصدير منتجاتها جزءًا من استراتيجية اقتصادية وطنية؟
هناك فارق هائل بين الأمرين.
شرح الإجراءات يمكن أن يقوم به موظف في جهاز حكومي أو هيئة استثمار، أما الوزير فالمفترض أن يكون مسؤولًا عن الرؤية والسياسة والنتائج.
والأغرب أن الوزير عندما تحدث عن القطاع العقاري والإنشاءات، لم يكن يتحدث كوزير للاستثمار والتجارة الخارجية بقدر ما كان يتحدث كمطور عقاري يدافع عن القطاع ويشرح مزاياه وفرصه.
كنت أنتظر من وزير الاستثمار أن ينظر إلى الاقتصاد من أعلى، أن يتحدث عن القطاعات التي تحتاجها مصر، وعن الصناعة التي تستطيع أن تقلل الواردات وتزيد الصادرات، وعن الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة حقيقية للموارد المصرية، وعن الزراعة الحديثة وسلاسل القيمة المرتبطة بها، وعن التكنولوجيا، وعن الاستثمار الذي يخلق إنتاجًا جديدًا.
لكنني وجدت نفسي أمام حديث يمكن أن تسمعه في مؤتمر لمطوري العقارات عن أهمية الإنشاءات وحجم السوق وفرص القطاع.
وهنا تكمن المفارقة: المطور العقاري يبحث عن المشروع الأكثر ربحية له، أما وزير الاستثمار فعليه أن يبحث عن الاستثمار الأكثر فائدة للاقتصاد الوطني.
وهما ليسا الشيء نفسه.
من حق المطور العقاري أن يرى في العقار فرصة ذهبية، فهذا عمله ومصلحته، لكن عندما يتحدث وزير الاستثمار بالطريقة نفسها، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام سياسة استثمارية للدولة، أم أمام رؤية قطاع خاص لأحد أكثر القطاعات ربحية؟
الدولة لا تحتاج وزيرًا يشرح لنا لماذا العقارات مربحة، فالسوق يعرف ذلك جيدًا، والمطورون لا يحتاجون إلى وزير كي يكتشفوا قيمة الأرض.
الدولة تحتاج وزيرًا يسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا: كيف نجعل رأس المال يتجه إلى الاستثمار الذي يزيد القدرة الإنتاجية لمصر؟
كيف نبني مصانع بدلًا من المزيد من الأبراج؟
كيف نحول المواد الخام إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة؟
كيف نجعل الاستثمار الأجنبي ينشئ خطوط إنتاج ويصدر من مصر؟
كيف نخلق شركات مصرية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا؟
وكيف يصبح العقار في خدمة الاقتصاد والإنتاج، وليس الاقتصاد في خدمة العقار؟
فالاقتصاد الذي يضع العقار في مركز اهتمامه قد يحقق أرقامًا كبيرة في قيمة التداولات والمبيعات، لكنه لا يضمن بالضرورة اقتصادًا أكثر إنتاجًا أو قدرة أكبر على التصدير أو استقلالًا عن الاستيراد.
أما أن يأتي وزير الاستثمار ويتحدث عن العقار وكأنه مطور عقاري يرتدي بدلة وزير، فهذه وحدها تختصر جانبًا كبيرًا من أزمة التفكير الاقتصادي لدينا.
الأكثر إثارة للقلق كان حديث الوزير عن الاستثمار الأجنبي، وكأن مجرد قدوم رأس المال من الخارج يمثل نجاحًا في حد ذاته.
وهنا أيضًا يجب أن نتوقف.
ليس كل استثمار أجنبي استثمارًا جيدًا بالضرورة.
هناك فرق بين أن يأتي مستثمر أجنبي لإنشاء مصنع جديد، ويضيف طاقة إنتاجية، ويوظف العمالة، وينقل التكنولوجيا، ويستخدم مدخلات محلية، ويصدر إلى الخارج، وبين أن يأتي رأس المال لشراء أصل قائم، أو شركة قائمة، أو مرفق استراتيجي، ثم يصبح هدفه الأساسي تحقيق عائد من الأصل نفسه.
الأول يمكن أن يمثل إضافة حقيقية للاقتصاد.
أما الثاني فقد يكون مجرد انتقال للملكية.
والاقتصاد الوطني لا يقاس فقط بحجم الأموال التي دخلت إليه، وإنما بما أضافته هذه الأموال إلى قدرته الإنتاجية.
قد يدخل مليار دولار إلى الاقتصاد ولا يخلق مصنعًا واحدًا جديدًا، وقد يدخل نصف هذا المبلغ في مشروع صناعي واحد، لكنه يخلق آلاف الوظائف، ويولد صادرات، وينقل تكنولوجيا، ويخفض فاتورة الاستيراد، ويخلق شبكة من الموردين المحليين.
فأي الاستثمارين أكثر أهمية للاقتصاد؟
هذه هي الأسئلة التي كان يجب أن يناقشها وزير الاستثمار.
ولم تكن مشكلة الحوار في ملف الاستثمار وحده.
عندما جاء الحديث عن التصدير، شعرت أن مفهوم التصدير نفسه اختُزل إلى عملية نقل سلعة من مكان إلى آخر.
وكأن التحدي المصري هو أن نعرف كيف نرسل شحنة خضار أو فاكهة من مصر إلى الخارج، وليس كيف نبني قطاعًا تصديريًا قادرًا على المنافسة.
التصدير ليس مجرد شاحنة تصل إلى الميناء.
التصدير يبدأ من المصنع والمزرعة والتكنولوجيا والتمويل والجودة وسلاسل الإمداد والنقل واللوجستيات وسعر الصرف والقدرة على المنافسة، وينتهي بعقد طويل الأجل مع مستورد في سوق خارجية.
التصدير سياسة اقتصادية متكاملة، وليس مجرد حركة بضائع.
والسؤال الذي كان يجب أن يجيب عنه الوزير هو: لماذا لا تستطيع مصر حتى الآن تحقيق طفرة مستدامة في الصادرات الصناعية رغم حجم السوق والعمالة والموقع الجغرافي والبنية الأساسية التي أنفقت عليها الدولة مليارات؟
لماذا لا تتحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعات التحويلية؟
لماذا لا نرى سياسة واضحة لإحلال الواردات بالتصنيع المحلي عندما يكون ذلك اقتصاديًا منطقيًا؟
كيف نزيد القيمة المضافة للصادرات بدلًا من تصدير المواد والمنتجات منخفضة القيمة؟
كيف نجذب الشركات العالمية إلى مصر لكي تنتج هنا وتصدر من هنا، بدلًا من أن تأتي فقط لشراء أصول موجودة بالفعل؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون على طاولة وزير الاستثمار.
أما الحديث عن كيفية تأسيس شركة، فهو أمر مهم، لكنه ليس استراتيجية اقتصادية.
والأكثر غرابة أن الحوار لم يقدم للمشاهد إجابة واضحة عن السؤال الأكبر: ما هي رؤية وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية للاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة؟
ما القطاعات التي تريد الوزارة أن تقود النمو؟
ما الصناعات التي تريد مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا فيها؟
ما الأسواق التي تستهدفها الصادرات المصرية؟
ما حجم الاستثمارات الإنتاجية المستهدف؟
ما نسبة الاستثمار الصناعي من إجمالي الاستثمار؟
ما الذي ستفعله الوزارة لربط الاستثمار الأجنبي بسلاسل الإنتاج المحلية؟
كيف ستضمن أن الاستثمار الأجنبي يضيف إلى الاقتصاد بدلًا من مجرد تغيير ملكية الأصول؟
وكيف ستقيس الوزارة نجاحها؟
هذه ليست أسئلة ترفية.
هذه هي صميم مهمة وزير الاستثمار والتجارة الخارجية.
لكن بدلًا من ذلك، انتهى الحوار تقريبًا إلى صورة وزير يشرح للمشاهد خطوات تأسيس الشركات وإجراءات الاستثمار.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الوزير نفسه.
هل هؤلاء فعلًا هم صفوة الخبرة الاقتصادية التي تتولى إدارة الاقتصاد المصري؟
هل اختيار الوزراء والمسؤولين يتم على أساس القدرة على صياغة السياسات وإدارة الملفات المعقدة، أم على أساس القدرة على الحديث أمام الكاميرات وتكرار عبارات عامة عن جذب الاستثمار وتحسين المناخ الاستثماري؟
لأن الاقتصاد المصري لا يحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يخبر المستثمر أين يذهب لتقديم أوراقه.
مصر تحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يخبر المستثمر لماذا مصر؟ وماذا ستنتج مصر؟ وماذا ستصدر مصر؟ وأين ستكون مصر في خريطة الإنتاج العالمية بعد عشر سنوات؟
نحن لا نعاني نقصًا في الحديث عن الاستثمار.
نعاني نقصًا في الاستثمار المنتج.
ولا نعاني نقصًا في الحديث عن التصدير.
نعاني نقصًا في القدرة التنافسية التي تجعل العالم يريد شراء منتجاتنا.
ولا نعاني نقصًا في المؤتمرات والمنتديات والعبارات الرنانة عن تحسين مناخ الأعمال.
نعاني من فجوة بين هذه الشعارات وبين الواقع الذي يواجهه المستثمر والصانع والمصدر.
والأخطر من ذلك كله أن الدولة في لحظة أزمة اقتصادية تحتاج إلى وزراء يعرفون أن المهمة ليست إدارة الأزمة يومًا بيوم، وإنما إعادة بناء الاقتصاد من الداخل.
اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك.
ويصدر أكثر مما يستورد.
ويخلق قيمة مضافة بدلًا من الاعتماد على بيع الأصول.
ويجذب استثمارات تضيف إلى الطاقة الإنتاجية بدلًا من الاكتفاء بشراء ما هو قائم.
ويحول موقع مصر الجغرافي إلى ميزة صناعية وتجارية حقيقية، لا مجرد عبارة تتكرر في المؤتمرات.
أما إذا كانت هذه هي نوعية التفكير التي تقدمها الحكومة باعتبارها خبرتها الاقتصادية، فالمشكلة ليست في وزير واحد.
المشكلة في المنظومة التي أنتجت هذا الوزير، والتي ما زالت تتعامل مع الاقتصاد وكأنه مجموعة ملفات إدارية منفصلة، بينما الاقتصاد في الحقيقة منظومة واحدة مترابطة.
وزير الاستثمار يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني للإنتاج والتصدير والتصنيع.
وزير الصناعة يجب أن يعرف ماذا نريد أن نصنع.
وزير الزراعة يجب أن يعرف ماذا نريد أن نزرع وماذا نريد أن نصدر.
وزارة المالية يجب أن تعرف كيف تستخدم السياسة المالية لدعم الإنتاج لا مجرد زيادة الإيرادات.
والبنك المركزي يجب أن يعمل داخل منظومة اقتصادية أوسع، لا أن يتحول وحده إلى عنوان لكل أزمة اقتصادية.
أما أن يأتي وزير الاستثمار إلى شاشة التلفزيون فلا نسمع منه رؤية واضحة للاستثمار، ولا للصناعة، ولا للتجارة الخارجية، ولا للتصدير، ولا للقيمة المضافة، ثم نكتشف في نهاية الحوار أنه يجيد شرح إجراءات تأسيس الشركات، فهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل:
إذا كان هذا هو مستوى التفكير لدى من يتخذون القرارات الاقتصادية، فمن الذي سيضع لمصر استراتيجية للخروج من أزمتها؟
مصر لا ينقصها المال وحده.
ولا ينقصها الموقع.
ولا ينقصها البشر.
ولا تنقصها الفرص.
ما ينقصها هو إدارة اقتصادية تعرف كيف تحول هذه الإمكانات إلى إنتاج وقيمة مضافة وصادرات وفرص عمل حقيقية.
أما أن نظل نحتفل بكل دولار يدخل البلاد باعتباره انتصارًا، وبكل مشروع عقاري باعتباره استثمارًا، وبكل شركة جديدة باعتبارها إنجازًا، وبكل شحنة تصدير باعتبارها طفرة، بينما لا نسأل ماذا أنتج الاقتصاد وماذا أضاف إلى قدرته الإنتاجية، فسنظل ندور في الحلقة نفسها.
الأمر لا يحتاج إلى خبير خارق.
يحتاج فقط إلى أن نعرف الفرق بين إدارة إجراءات الاستثمار وإدارة سياسة الاستثمار، وبين الاثنين، كما يبدو، مسافة أكبر بكثير من مسافة الاستوديو إلى مقر الوزارة.
لك الله يا مصر.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟