أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري















المزيد.....

القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ظننا أن الشكل الذي انتهى به نظام الأسد في سوريا، كان أحد أسوأ السيناريوهات الممكنة، لأنه أفضى إلى انتصار تام لمنظمة عسكرية سياسية محددة سوف تعيد، بحكم الضرورات السلطوية والأمنية، سيرة من سبقها من جماعات انقلابية وجدت السلطة كاملة بين يديها، ومنها جماعة الأسد نفسه. والحق إن سرعة التطور "الأسدي" الذي تبديه جماعة هيئة تحرير الشام، لا سابق لها. ولا غرابة في ذلك، لأنها تسير في طريق مطروق ومكنوس العقبات، بعد أن هلل لها المجتمع الدولي، وهلل واستسلم لها المجتمع السوري.
الجماعة التي تصل إلى كامل السلطة بالعنف، تجد نفسها في مسار لا يمكنها الهروب منه، مهما بلغت شعبيتها، مسار تفرضه ضرورات "أمنية" للحفاظ على سلامة نخبتها الحاكمة في وجه الأطراف الداخلية المهزومة. يصح هذا أكثر كلما كان الطريق إلى السلطة أكثر عنفاً واكتظاظاً بالانتهاكات والجرائم التي تفاقم مشاعر العداء المتبادل بين أطراف الصراع. تصبح الجماعة المنتصرة، والحال هذه، محكومة لمهمة ضمان سلامتها قبل كل شيء، وتصبح هذه المهمة هي المعيار والموجه الأول في إدارة الدولة.
المعنى أو المضمون الجلي لهذه الوضعية المتكررة في تاريخنا السياسي، هو الاحتفاظ اللانهائي بالسلطة بوصفها درع الحماية الوحيد لنخبة الحكم. ومن المفهوم أن الخطر على أفراد النخبة الحاكمة يكبر كلما علا موقع الشخص في التشكيلة، وهكذا يكون الخطر الأكبر من نصيب المسؤول الأكبر أو "القائد"، ومن الطبيعي أن يكون الزعيم هو الدينمو الأقوى للأبدية في النظام، بكل ما يقتضيه ذلك من استعدادات إقصائية وتدميرية وجرمية، ذلك أن الدفاع عن السلطة، في أحوالنا السياسية المليئة بالنهايات الدموية للحكام، يعادل بالنسبة للزعيم الدفاع الشخصي عن النفس. ويزداد تأثير هذا التداخل بين السياسي والشخصي سوءاً كلما طال أمد الحكم، لأنه لا سبيل سياسياً إلى تصريف المظالم والمرارات التي يولدها النمط الأبدي من الحكم، فتتراكم لدى نسبة متزايدة من المحكومين مشاعر الانتقام الشخصية ضد نخبة الحكم، الأمر الذي يدفع هذه إلى المزيد من تسخير قدرات الدولة لحماية سلطتها، فتُخصص نسبة لا تني تكبر، من موارد الدولة لحماية أفرادها وحماية السلطة من "الطامعين" بالحكم. كل من يفكر بالوصول إلى السلطة سوف يبدو في نظر هؤلاء الحاكمين جلادهم القادم، سوف يبدو خطراً شخصياً قبل أن يكون خطراً سياسياً، وسوف تُسخر بالتالي كل الوسائل، مهما بلغت من السوء والإجرام، لسد الطريق إلى السلطة.
لا يمكن لحائزي سلطة بالعنف، وبصورة خاصة حين تسير خطوط العنف على مسارات طائفية أو عرقية أو قومية ... الخ، وحين تملأ المجازر ذواكر الناس، كما هو الحال في سوريا، أن يؤسسوا لآلية تفضي إلى تداول سلمي للسلطة حتى لو كانوا يلهجون بالديموقراطية ليل نهار. من الطبيعي أن يتمسك هؤلاء بالسلطة ويلوذون بها، مستخدمين شتى المناورات السياسية وشتى صنوف البطش وشتى صنوف علاقات الحماية الخارجية، ليس فقط حباً بالسلطة أو إدماناً عليها، بل أيضاً خوفاً من مصير شخصي شنيع ينتظرهم إذا ما خسروا السلطة.
إذا خسر "الزعيم" السلطة قبل موته، فإنه سوف يُقتل ما لم يلجأ إلى حماية أجنبية تعيضه عن حماية السلطة التي خسرها، أو، في أحسن الحالات، سوف يهان ويكمل حياته في السجون. البهدلة الشخصية مضمونة لأمثال هؤلاء الزعماء في حال خسارتهم السلطة. هذا هو قانون السلطة عندنا، باستقلال كامل عن معتقدات وأفكار وإيديولوجية ومذهب وعرق ولون الجماعة المنتصرة، التي يدرك أفرادها بالغريزة أنه لا سبيل أمامهم سوى بناء الدولة بطريقة تكون حصناً لاستمرارهم في الحكم كي تكون حصناً لأمانهم الشخصي. على هذا، فإن كل كلام عن اتجاه هذا النوع من نخب الحكم إلى مشاركة أو انفتاح سياسي أو توسيع لقاعدة الحكم، يبقى محكوماً لهذه الضرورة التي تعني استحالة تخليها السلمي عن الحكم. سوف تبقى الجماعة التي تستولي على السلطة بالعنف، جاهزة للدفاع عن سلطتها بكل ما تملك، بما في ذلك تقسيم المجتمع وتدميره، إدراكاً منها أنها في معركة حياة أو موت.
المبدأ الموجه للسياسات الداخلية والخارجية للجماعة المنتصرة بالعنف هو تعزيز سلطتها عبر التمكن التام من جهاز الدولة وبصورة خاصة قوى الجيش والأمن من خلال بناء هذه القوى بناء ولائياً بأقصى قدر ممكن. وللمزيد من الأمان تُبنى وحدات حماية خاصة تتمتع بتسليح متميز وتدريب ممتاز وولاء سلطوي لا ريب فيه. جماعات الحكم التي نشهدها في بلداننا متشابهة من هذه الناحية، فهي لا تعمل على إدارة الدولة بل تعمل على الحلول فيها بحيث يغدو من العسير العثور على خط فاصل بين السلطة والدولة، ويغدو الصراع ضد السلطة صراعاً ضد الدولة، ويغدو تحطيم الدولة وكأنه الممر الضروري إلى تحطيم السلطة. الحلول في الدولة وتفتيت المجتمع وزرع الرعب في جنباته، هو وسيلة هذا النوع من النخب الحاكمة لضمان استمرارهم في الحكم، وهو نفسه سبيلهم لضمان أمانهم الشخصي، في تداخل وثيق بين الشخصي والسياسي. ويستمد هذا التداخل خطورته من السلطة الواسعة وغير المقيدة التي يتمتع بها المسؤول الأول ومن سطوته على كامل جهاز الدولة، وهو المعرض للخطر الأكبر في حال خسارة الحكم.
بات من الصعب، في سوريا اليوم، الخلاص من هذا الترابط الخطير بين الشخصي والسياسي. فقد جرى توريط جماعة الحكم ما بعد الأسد، أو أنها ورطت نفسها، في مجازر طائفية صريحة زادت من شعور أفراد نخبة الحكم بانعدام الأمان إذا باتوا خارج الحكم، فهم يرون مصائر من خسروا السلطة بعد أن سبقوهم إلى النمط نفسه من الحكم، ولذلك فإنه من الوهم أن ننتظر من هذه النخبة أي مقدمات جدية لشكل حكم ينفتح على نسبة معقولة من العدالة، أو يقوم على فصل السلطات، أو يفتح المجال العام للتنافس السياسي، أو يتيح مجالاً للنشاطات المدنية والسياسية التي يمكن أن تحد من السيطرة التامة واللانهائية لنخبة الحكم على جهاز الدولة.
يستمد "القائد" السوري الجديد شعبيته من بروزه على أنه الرجل الذي خلص السوريين من استبداد مزمن حطم البلاد وأهلها، فيما يراقبه السوريون دون رد فعل يذكر، وهو يسير على الطريق نفسه الذي جربه سابقوه. تلك هي المفارقة السورية الكئيبة. جمهور واسع مقتنع أن "القائد" الجديد يعمل على تحرير سوريا من الاستبداد، ونشك أن الرجل نفسه يشاركهم هذه القناعة.
في كل حال، لا يُنتظر من أي سلطة أن تتكرم على منافسيها وتمنحهم مجالاً للحركة والتأثير المضاد لإرادتها، هذا ما ينبغي انتزاعه من السلطة بالضغط المستمر بكل أشكال الاحتجاج، وعدم إعطائها الوقت كي تتحصن أكثر وتكسر أقدام منافسيها وتسد السبل في وجوههم. لا محيد عن تكريس آلية سلمية للوصول والخروج من السلطة، كي لا تبقى معركة السلطة، معركة حياة أو موت يدفع المجتمع ثمنها دون أي جدوى سياسية.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا
- عن -علوية- نظام الأسد
- عن الموقف الجذري من سلطة دمشق
- امتناع العدالة في سوريا
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار
- عيد الشارع


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري