أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن الواقع السوري الهجين














المزيد.....

عن الواقع السوري الهجين


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 12:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمر الكلام في سوريا اليوم عن حقوق المكونات، وعن ضرورة مشاركتها وتمثيلها في الحكم، وعن سيطرة لون واحد على جهاز الدولة ... الخ، على أنه الكلام الوطني الحريص، في وجه الكلام الطائفي الاحتكاري غير الوطني. لكن الحقيقة أن هذين القولين (التشاركي والاحتكاري) محكومان لمنطق مكوناتي واحد، ينظر إلى انتماء الفرد إلى مكون ما، على أنه أهم من انتمائه إلى وطنه. هذا منطق ضار بالسوريين من حيث أنه يهبط بهم إلى أدنى من مستوى شعب، ويفتت أرضيتهم الوطنية.
مشاركة المكونات في الحكم، بحسب هذا الكلام، تعني وجود أفراد ينتمون إلى هذ المكون أو ذاك في مناصب في الدولة. ومن الطبيعي، وفق الحال السورية هذه، أن تكون المشاركة متناسبة، وإن بشكل ضمني غير رسمي، مع النسبة العددية للمكون من السكان. هناك أسئلة بسيطة تطرح في وجه هذا الكلام: كيف لنا أن نعتقد أن وجود شخص في الحكم يعني أن المكون الذي ينحدر منه، مشارك في الحكم؟ وقبل ذلك، هل يمكن أن يكون لأي مكون مصالح واحدة وهوية سياسية واحدة، تسمح بوجود ممثل أو ممثلين له؟ وحتى إذا افترضنا ذلك، تجاوزاً، فما الذي يلزم "ممثل" المكون بأن يكون مخلصاً لهذه الهوية السياسية ولهذه المصالح؟ أليس من المعقول أن يكون مخلصاً أكثر للسلطة التي اختارته ووظفته مهما كانت سياسات هذه السلطة؟ ما الذي يمنع وجود أشخاص واسعي الأفق ونزيهين في الحكم وينحازون إلى الصالح العام الذي يخدم مصلحة المكون المعني مع غيره من المكونات، دون أن يكونوا منحدرين من هذا المكون؟ شهدنا من قبل ونشهد اليوم وجود أشخاص سوريين يقفون بصدق ومسؤولية في وجه السلطات حين تمارس تمييزاً سلبياً ضد مكون معين، رغم أنهم لا ينتمون إلى هذا المكون بالولادة، وشهدنا العكس أيضاً.
لكي يصح الربط بين منبت الشخص ودوره التمثيلي في الدولة، لا بد من تحويل الوجود الاجتماعي للمكون إلى مؤسسة تحضر في الدولة بوصفها جهة تمثل "رعايا" المكون. هذا يعني وجود آلية محددة لاختيار "الممثلين" ضمن المكونات، فيكون المكون، وليس السلطة العامة، هي من تختار الشخص الذي يمثلها في الحكم، ويكون الشخص، بذلك، مسؤولاً أمام المكون الذي ينحدر منه. في مثل هذه الحالة تتقاسم المكونات السلطة، ونكون أمام دولة برؤوس عديدة، دولة مكونات بلا مواطنة. لم تصل الدولة في سوريا حتى الآن إلى هذا المستوى من التفكك، ولكنها تسير في هذا الاتجاه، بحسب التوجه العام للسلطة الجديدة. على أنه من مصلحة هذه السلطة أن تبقي على الحال الهجين الذي كان عليه النظام السوري السابق، أي أن تمارس سياسة تكون فيها مشاركة المكونات صورية، وتكون السلطة الفعلية في حوزة نواة صلبة لها عنوان معروف. رغم أن ما يبدو جلياً حتى الآن هو أن السلطة الحالية في دمشق، لا تمتلك رحابة صدر كافية لقبول المشاركة الصورية للمكونات في مناصب الدولة، ولا حتى لمشاركة أبناء المكونات في القطاع البيروقراطي والجيش والأجهزة الأمنية للدولة.
مهما يكن الحال، فإن عدم تحويل المكونات إلى مؤسسات، كما هو الحال في لبنان مثلاً، يجعل مشاركة المكونات صورية إلى حد مثير للسخرية. هذا لا يعني أن الوضع في لبنان أفضل حالاً، على العكس، فإن مأسسة الطوائف أحالت الدولة اللبنانية إلى شاهد مشلول على صراعات أهلية مستمرة، وهو ما لا يُحسد عليه اللبنانيون ولا نعتقد أن السوريين يريدونه.
مشاركة المكونات في زمن سيطرة الطغمة الأسدية، كانت مشاركة صورية، ولا يبدو أن من يطالبون بهذا النوع من المشاركة اليوم، ينتبهون إلى هذه الحقيقة، والسبب هو أن هذه المطالبة تبدو وطنية وعقلانية، قياساً على المنطق والممارسة الإقصائية المتشنجة من جانب سلطة ما بعد الأسد.
على هذا الضوء يمكن القول إن الواقع السوري كان هجيناً على الدوام، يجمع بين لغة مدنية معلنة (الكلام عن شعب، ومواطنة، ومساواة ... الخ)، وبين وعي مكوناتي لا ينظر إلى المسؤول مجرداً من خلفياته العضوية، فيعتبر وجود وزير مسيحي في الحكومة، على سبيل المثال، هو مشاركة مسيحية. الواقع السوري الهجين يجمع بين شكل دولة حديثة، برلمان وقضاء ودستور ومؤسسات دولة ... الخ، وبين الانشغال بتمثيل مكونات اجتماعية لا محل لها، بوصفها كذلك، في إطار الدولة الحديثة. في هذا الواقع الهجين غير المتسق، لا يستوي السوريون واقعياً على مستوى قانوني واحد بوصفهم مواطنين، بل يتدخل في هذا المستوى عنصر غريب عنه، هو المنبت الاجتماعي للسوري، بطريقة تجعل من يحمل الجنسية السورية التي تميزه خارج سوريا، يحمل "جنسية مكوناتية" أخرى تميزه داخل سوريا، وتحدد له حقوقاً تختلف باختلاف منبته. الحال هو بالفعل كذلك في سوريا من زمن بعيد، حتى بات من يدافع عن دستور يحدد دين رئيس الدولة بطريقة تستبعد دستورياً نسبة غير قليلة من السكان من هذا المنصب، لا يجد أي غضاضة في الكلام عن المواطنة والمساواة ورفض التمييز الطائفي ... الخ. هذا الواقع الهجين غير المتسق بات مألوفاً في سوريا حتى أنه لم يعد يثير الانتباه.
لقد كان المشهد الهجين في الواقع السوري مصدراً دائماً لألم مكبوت عند السوريين الذين يعيشون بالفعل تمييزاً مكوناتياً على أساس طائفي أو عرقي أو قومي ... الخ، ويعيشون بالكذب مساواة ومواطنة وحداثة. ولا يمكن أن يخرج السوريون من حال الهجنة هذه إلا بالمضي في أحد اتجاهين، الأول طريق السلامة الذي يذهب إلى دولة حديثة تنظر إلى الفرد مجرداً من انتماءاته العضوية، وتقوم على مبدأ المواطنة، فيكون السوريون متساوين فعلاً في الدستور والقوانين، والثاني طريق الندامة الذي يتجه نحو دولة تقاسم السلطة بين المكونات التي ينظر إليها على أنها مؤسسات وتتحول بذلك إلى كتل صلبة لا تذوب في الدولة بل تميل إلى أن تكون دولاً داخل الدولة، وهكذا تصبح علاقة الفرد بالدولة تمر عبر علاقته بالمكون الذي ولد فيه.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار
- عيد الشارع
- الاستباحة تغطي صراعاً في سوريا
- حدث سياسي فاصل وانعكاسات نفسية متحركة
- رفع العقوبات و-الممانعة- الجديدة في سوريا
- التصورات الطائفية تدمر الدولة السورية
- لماذا يتراجع الوطنيون السوريون؟
- نجاة سوريا في التضامن الأهلي
- سوريا، أوقات مسحورة ولكنها واقعية
- مسؤوليتنا في أحداث الساحل السوري
- إدمان على الاستبداد
- الحقيقة ليست مزاراً، عن جدوى النقاش
- سورية ملونة وليست ألواناً
- الخطر الجاري الذي يهدد مستقبل سوريا
- درس علوي في سورية يجدر تأمله


المزيد.....




- الأميرة ديانا وأودري هيبورن أشهر زبائنه.. أقدم مقهى في روما ...
- مسيرات في عواصم أوروبا من أجل غزة: ثونبرغ وألبانيز تقودان مس ...
- أهداف إستراتيجية الاتحاد الأوروبي الجديدة للتسليح الجماعي
- الاتحاد الأوروبي يبحث إنشاء صندوق إنفاق عسكري يخفف ديون مشتر ...
- مصر تؤهل عناصر شرطة فلسطينيين للمشاركة في تأمين غزة بعد انته ...
- ماكرون سيستقبل زيلينسكي في باريس ووفد أوكراني يتوجه إلى فلور ...
- توقيف المعارضة التونسية شيماء عيسى تنفيذا لحكم ضدها بالسجن ...
- رغم اتفاق وقف الحرب على غزة.. الاحتلال يواصل القصف
- مظاهرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني في العاصمة الإيطالية روما ...
- هل أشعلت اليابان للتو فتيل الحرب العالمية الثالثة؟


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن الواقع السوري الهجين