أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - امتناع العدالة في سوريا














المزيد.....

امتناع العدالة في سوريا


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن في بال أحد من مجرمي نظام الأسد أنه سيأتي اليوم الذي يحاسبون فيه على جرائمهم، كانوا يعتقدون أنهم أبديون وأن من يعارضهم أو يقف في وجههم هو خاسر أبدي. لم يكن في بال هؤلاء أنهم يمكن أن يعيشوا لحظات الذل التي يعيشونها اليوم، هم الذين اعتادوا على إذلال الناس وأكل حقوقهم دون رادع. وكذلك اليوم، ليس في بال أحد من المرتكبين المنضوين تحت نظام ما بعد الأسد، سواء من ارتكب الجرائم قبل سقوط الأسد أو بعد سقوطه، أنه قد يقف في الموقع نفسه الذي يشغله مجرمو نظام الأسد اليوم. والحال إنه إذا لاحت فكرة المحاسبة لذهن المجرم لأفسدت عليه جريمته، لا بد أن تكون هذه الفكرة بعيدة عن ذهن المجرم، إما بسبب طبيعة جرمية في تكوينه النفسي تجعله مستغرقاً بالكامل في الجريمة فلا يحسب لما بعدها، أو بسبب شعوره بالحماية الأكيدة بما يجعله قادراً على إفلات غرائزه باطمئنان، فلا يكتفي بارتكاب الجريمة بل ويتفنن بارتكابها ويتباهى بها لأنه يجد من يصفق له. هكذا يضاف عندنا إلى التعريف العام للنظام السياسي، أنه مصنع لإنتاج المجرمين.
أن تكون مجرماً مع النظام القائم يعني أن تكون محمياً، وإذا ما سقط "نظامك"، فسوف تخسر الحماية، وعندئذ قد تجد المحاسبة طريقها إليك. الشعور بأبدية النظام السياسي المتحرر من القيود المدنية ومن الرقابة الصحفية ومن سلطة قضائية مستقلة ومحترمة، يغذي لدى عناصر النظام الميل للاستهتار بحقوق الناس إلى حدود جرمية. هكذا هو التقليد السياسي الراسخ في بلداننا، حيث النظام السياسي هو كل شيء، هو الذات الوحيدة وكل ما يقع خارجه هو مجرد مادة للحكم وللاحتقار، فيمكن للنظام أن يجعل من المجرم بطلاً إذا أراد، أو يحاسبه، كما يستحق، إذا أراد، لا إرادة داخلية فوق إرادته ولا بموازاتها.
في تقليدنا الراسخ، لا وجود لإرادة مدنية فاعلة خارج الإرادة السياسية، وهكذا لا قيمة للتعريف "الموضوعي" للجريمة، نقصد التعريف المستقل عن الأهواء السياسية، القيمة كلها للتعريف السياسي المتبدل للجريمة. ذلك أن كل نظام سياسي يعيد تعريف الجريمة، فيحاسب أو يعف كما يناسبه ويحلو له. هذا تقليدنا السياسي الشديد الرسوخ إلى حد أن مشهد محاسبة وإذلال مجرمين كانوا يظنون أنهم لا يُحاسبون، لا يردع أصحاب الأمر عن سلوك الطريق الجرمي نفسه الذي سلكه أسلافهم. كل نظام يعيد سيرة سابقه. تقليد مستقر عابر للتقلبات السياسية، تقليد ظل في منأى عن الاستهداف خلال ثورات "إسقاط النظام" العربية التي اضطرت، في أكثر من بلد، منها سوريا، إلى قبول ما لا يُقبل في سبيل الخلاص من "النظام" الذي استخدم الجريمة للدفاع عن نفسه، لذلك استطاع نظام ما بعد "النظام" أن يعيد صناعة الواقع السياسي الرث، فيجعل من نفسه المرجع في تعريف الجريمة. الأمر الذي حرم المجتمع من إمكانية بناء آلية قضائية مستقلة مضادة للجريمة مبدئياً، وقادرة على فرض عدالتها. كما فسح المجال لإفساد الوعي العام من خلال إقحامه في معادلة سياسية تقول بقبول جريمة من أجل محاسبة جريمة. نفتقد دائماً إلى موقع محاسبة يشغله قضاة مرجعيتهم الوحيدة هي العدالة، وتبقى المحاسبة عرضة للتلاعب لأنها تبقى في يد مرتكبين غير نزيهين تحميهم القوة ويحميهم رأي عام لا يجد أمامه البديل الذي يمتلك القوة والنزاهة.
الثابت في بلداننا أن الأنظمة الأمنية العسكرية تغلق سبل التغيير السياسي السلمي، وتثابر، في الوقت نفسه، على خلق المزيد من الأسباب التي تستوجب التغيير، فيبقى العنف هو السبيل الوحيد، وهذا السبيل، إضافة إلى التكلفة الباهظة التي يسببها للبلاد، يقود إلى نشوء كيانات عسكرية مضادة تشبه في علاقاتها الداخلية وفي ممارساتها الكيان الذي تصارعه. هذا أمر لا يمكن تلافيه، ذلك أن الالتزام بالمبادئ الإنسانية والقوانين الدولية من طرف واحد، سيجعل هذا الطرف عرضة للهزيمة العسكرية أمام الطرف المتوحش الذي لا يلتزم بقانون أو بقيمة. على هذا نصبح أمام صراع عسكري بين أطراف ترتكب الجرائم، وكل منها يجد تبريراً لجرائمه وقبولاً لدى جمهوره. وعلى اعتبار أنه لا تصح المفاضلة بين مرتكبي الجرائم، ينتهي الأمر في مثل هذه الصراعات، أن انتصار أي طرف، يفضي إلى حكم "نخبة" من الطبيعة السياسية والنفسية ذاتها. وهكذا نبدأ برسم الدائرة نفسها من جديد.
الخطير هو أنه في الصراعات العنيفة ذات المحتوى الفكري السياسي الضامر، كالتي بلغتها بعض ثورات "إسقاط النظام" العربية، ومن ضمنها الثورة السورية، يسيطر مبدأ الهوية على حساب الفكرة التحررية، أكانت هوية عضوية سابقة على الصراع (طائفية أو دينية أو عرقية أو عشائرية ... الخ) أو هوية حزبية مستجدة تتصلب في الصراع وتفقد معناها السياسي وتلعب دور الهويات العضوية التي لا تستطيع أن ترى جريمتها وهي تشير إلى جرائم الخصم. في هذه الصراعات يزداد الطلب على العناصر الأكثر عصبوية وعنفاً، ما يطرد العقلانية السياسية ويفتح سوقاً رائجاً لضيق الأفق الهوياتي الذي يهدد مصير البلد كله، كما هو الحال في سوريا اليوم وفي أكثر من بلد عربي شهد موجة من هذه الثورات.
الأخطر هو أن ينجح الصراع العنيف في استقطاب النخبة العقلانية في المجتمع، وجعلها تفتح باباً لقبول جريمة ورفض أخرى، ما يجعل مكان العقلانية شاغراً أو ضعيفاً وعاجزاً عن مواجهة ميل العنفيين إلى نسف ركائز بناء دولة تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء. صحيح إنه لا ينبغي مقاومة الاستبداد بالعنف، كما يقول عبد الرحمن الكواكبي، ولكن من الصعب تفادي الصراع العنيف في ظل أنظمة تغلق كل سبل التغيير السلمي، ولا يبقى، والحال هذه، من ضمان سوى أن تحافظ النخب العقلانية على توازنها وتقوم بدورها في تطوير نشاط مدني يواجه التسلطية، وفي تغذية وعي عام رافض مبدئياً للجريمة ولانتهاك الحقوق.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار
- عيد الشارع
- الاستباحة تغطي صراعاً في سوريا
- حدث سياسي فاصل وانعكاسات نفسية متحركة
- رفع العقوبات و-الممانعة- الجديدة في سوريا
- التصورات الطائفية تدمر الدولة السورية


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - امتناع العدالة في سوريا