أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد















المزيد.....

في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تأتي أهمية مجازر آذار بحق العلويين في سوريا من كونها أول اختبار للسلطة التي جاءت على أنقاض نظام الأسد، والتي استقبلها السوريون على أنها وسيلة الخلاص من نظام المجازر. أي تأتي أهميتها من كونها أول مجزرة على يد من يستمدون قيمتهم العامة من أنهم أسقطوا نظام المجزرة. كما تأتي أهميتها أيضاً من كونها أول امتحان جدي للمثقف العام السوري بعد سقوط نظام الأسد.

ما حدث هو أن سلطة تحالف الفصائل ما بعد الأسد ارتكبت المجزرة، وأن المجتمع السوري ابتلعها بصمت، وأن نسبة واسعة من المثقفين العامين السوريين "تفهمتها". السؤال التلقائي على هذا الواقع هو، أي صلة لسلطة ترتكب مجزرة طائفية بالثورة السورية؟ والسؤال أيضاً، هل يمكن لمن يتفهم مجزرة ويناور كي يغطي على الفظاعة الهائلة أن ينتسب إلى ثورة؟
من الطبيعي أن لمجازر الساحل سياق يفسرها ويضيئ جوانب مهمة من دوافعها، وقد يكون الجانب الأهم هو رعب السلطة الجديدة وجمهورها الواسع من عودة النظام السابق بطريقة ما. مفهوم أن السقوط السريع لنظام الأسد المعمر والذي تغلغل لعقود في المجتمع وبنى علاقات خارجية متينة، بعد أن صمد طويلاً وبدا أنه عصي على الهزيمة، كان مثار استغراب ومصدر ترقب لأهل السلطة الجديدة وللغالبية الغالبة من السوريين. وقد كان التحرك العسكري لمجموعة من العناصر المجرمة اليائسة من بقايا النظام السابق الذين استهدفوا مراكز وحواجز ونصبوا كمائن لقوات الأمن وتمكنوا من السيطرة المؤقتة على بعض المرافق العامة، قد أطلق نوبة رعب دفعت السلطة إلى إعلان النفير العام (عدد العناصر المتمردة كان 265 عنصراً حسب تقرير اللجنة السورية الوطنية المستقلة التي عينتها السلطة الجديدة نفسها، فيما زاد عدد القوات التي جرى حشدها عن 200 ألف وهناك أرقام تصل إلى ضعف ذلك). أحبط التحرك العسكري خلال وقت قصير، ثم ابتدأت المجزرة. عام مضى وحقائق تكشفت، ولم تتم إعادة النظر في تقييم ما جرى واتخاذ موقف مسؤول تجاه المنكوبين.
بغرض خلق مسافة بين مرتكبي المجزرة وبين أصحاب القرار (السلطة)، يقال، إلى اليوم، إن المجزرة كانت على يد فصائل منفلتة، ولكن يبقى السؤال، لماذا إذن لم تعترف السلطة بالمجزرة، بما يوجب عليها التوجه إلى الأهالي المنكوبين بكلمة طيبة، ولماذا لم تترحم على الضحايا ولم تكترث بتطمين الأهالي الذين عاشوا الرعب ويعيشون قلقاً دائماً من تكرار المجازر، القلق الذي لا تكف "الأحداث الفردية" المستمرة وذات البعد الطائفي الصريح عن تغذيته. ولماذا لم يُحاسب قادة الفصائل المنفلتة بدل أن يترقوا في المناصب الحكومية ويشاركوا في فعاليتها العامة، رغم تورطهم المثبت في الجريمة ورغم فرض عقوبات دولية بحقهم.

إذا وضعنا جانباً التقارير التي تناولت مجازر آذار والتي تشير إلى تورط مباشر من قبل مسؤولين حكوميين لا يزالون على رأس عملهم إلى اليوم، فإن سلوك السلطة عقب المجازر، وتورطها بعد أربعة أشهر في مجازر طائفية واسعة في السويداء، يشكل دلالة على أنها متورطة في المجزرة، ما يشير إلى أن سلطة الفصائل لا تمتلك أفقاً سورياً عاماً ولا شعوراً بالمسؤولية الوطنية، وأنها تواصل من حيث انتهى نظام الأسد، تغذية العصبيات والاستثمار السياسي فيها، بدلاً من أن تعمل على مواجهة هذا الإرث المدمر الذي يهدد وجود البلد نفسه.
تعالج سلطة الفصائل موضوع المجازر بطريقة جنائية غير سياسية، فهي تلفت النظر إلى مجرمين أفراد رغم أنهم مجرد عناصر في فصائل وخاضعين لتراتبية عسكرية. استبعاد الجانب السياسي يحمي القادة الذين لم يشاركوا مباشرة في القتل ولكنهم في الحقيقة هم أصحاب الأمر، ويحمي السلطة نفسها من المساءلة العامة حين يرمي المسؤولية على أفراد مرؤوسين. ومن نافل القول أن السلطة غير جدية في محاسبة هؤلاء لأنهم ليسوا سوى أدوات في يد أصحاب السلطة، وهكذا تستمر عجلة الإفلات من العقاب بالدوران ويبقى باب المجازر مفتوحاً.
يوجد أيضاً من لا يبرئ السلطة فقط، بل ويجعل من المجزرة باباً لإسباغ الفضيلة على السلطة. يقول هؤلاء إنه لولا السلطة لكانت المجازر أوسع بكثير ولتعرض العلويون للإبادة. وكأن من نفذ المجزرة هو جمهور مغفل مستقل عن السلطة، صادف أنه يحمل السلاح وينتظم في مجموعات لمهاجمة جماعة صادف أنها بلا سلاح. وكأن وجود السلاح هنا وعدم وجوده هنا، مجرد مصادفة مستقلة عن السلطة الجديدة التي سلمها غالبية العسكريين العلويين أسلحتهم أملاً بطي صفحة الدم. والحق إن هذا التصور يدين السلطة الجديدة من حيث أنه يشير إلى قدرتها على ضبط المجرمين ومنعهم من "إبادة العلويين"، ذلك أن السلطة لم تدخل في أي مواجهة عسكرية مع أي فصيل من الفصائل "المنفلتة" التي ارتكبت المجازر، ما يعني أن هذه الفصائل كانت تعمل ضمن التوجه العام للسلطة، وأن هذه طلبت تالياً، لاعتبارات سياسية مفهومة، عدم التمادي في المجازر، وأن الفصائل كفت عندئذ عن "انفلاتها" واستجابت.

البعض يرد المجازر، وما سبقها وتلاها من انتهاكات واستخفاف بحقوق العلويين، إلى غياب العدالة الانتقالية، ما دفع الناس إلى أخذ حقها بيدها. يفتقد هذا الكلام إلى التماسك رغم شيوعه. العنف المادي والمعنوي الذي مورس بحق العلويين ينبع من وعي مبتور يغذي الميل إلى تحطيم مادي ومعنوي لهذه الجماعة، وهو أمر لا صلة له بتطبيق العدالة الانتقالية من عدمه.
يمكن للمرء أن يسأل من باب الافتراض الذهني، لو انطلق مسار جدي للعدالة الانتقالية منذ الأيام الأولى، هل كانت ستختفي ظاهرة "الأحداث الفردية" التي لم تتوقف لا قبل المجازر ولا بعدها؟ أو هل تم تهجير الأهالي واحتلال القرى واستباحة البدو لأملاك وأرزاق العلويين في القرى والسهول ... لأن العدالة الانتقالية لم تبدأ؟ أم أن غياب العدالة الانتقالية هو ما دفع مثلاً عنصر الأمن الذي كان يخدم على أحد الحواجز في ريف اللاذقية إلى دخول الأراضي الزراعية المجاورة وقتل الأخوة الذين كانوا يقطفون ورق العنب؟ ضعف اكتراث السلطة بحقوق العلويين يدل على وجود تواطؤ غايته تغذية عصبيات طائفية بغرض الاستثمار السياسي. ولا حاجة للبرهان على أن ابتلاع المجتمع السوري للمجزرة الأولى بعد سقوط نظام المجازر، يعني فتح حساب جديد لمجازر تالية، فسرعان ما شهدنا المجزرة الثانية (بدأت مجازر السويداء في اليوم نفسه الذي سلمت فيه لجنة التحقيق في مجازر الساحل تقريرها، 13 تموز/يوليو 2025).
رغم كل ما تكشف من حقائق، ليس فقط من تقارير لجان التحقيق بما فيها اللجنة التي شكلتها السلطة نفسها، واللجان العالمية، ومن شهادات الأهالي، بل، والأهم ربما، مما كشفت عنه سياسات سلطة الفصائل خلال عام مضى منذ تاريخ مجازر الساحل، لم يتوصل السوريون إلى موقف مشترك يساعد على تلافي تكرار المجازر. لا يزال التحايل والهرب من التحديق في ملامح فظاعة ما جرى هو السائد، وهذا يزيد في هول الأمر وخطورته، ويعيق السوريين عن الإمساك بحبل احترام القيم الأساسية العامة الذي يعصمهم من التفرق والضياع، ويحمي تضحيات السوريين من الهدر.
أهم ما يمهد لارتكاب المجزرة هو اطمئنان صاحب القرار إلى أنه سوف ينجو من الحساب، والسبيل الأول لكي ينجو المجرم من الحساب هو اعتياد المجتمع على الجريمة واعتبارها شأناً فيه نظر. قبل أن تحدث المجزرة في الواقع، تحدث أولاً في الرؤوس، حين يطالها من العطب ما يجعلها ليس فقط قابلة لاستيعاب المجزرة وتمريرها. حين يفتقد المجتمع إلى مستند قيمي وأخلاقي مشترك ومتين وذي أولوية، تجد المجزرة لها مكاناً ومستقراً فيه، ولذلك فإن بناء هذا المستند هو المسعى والواجب والطموح.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار
- عيد الشارع
- الاستباحة تغطي صراعاً في سوريا
- حدث سياسي فاصل وانعكاسات نفسية متحركة
- رفع العقوبات و-الممانعة- الجديدة في سوريا
- التصورات الطائفية تدمر الدولة السورية
- لماذا يتراجع الوطنيون السوريون؟
- نجاة سوريا في التضامن الأهلي
- سوريا، أوقات مسحورة ولكنها واقعية


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد