أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا














المزيد.....

نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 09:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقي نظام الأسد، عبر كل أطوار الصراع في سوريا، مصراً على احتكار السلطة وعلى إغلاق المجال العام ومنع توفير شروط صراع غير عنيف على السلطة، معتبراً أن مجرد تفكير المعارضة في الوصول إلى السلطة مرفوض أو حتى عيب وخيانة. ما كان للمرء أن يتنظر من نظام الأسد أن يستجيب لاحتجاجات السوريين بانفتاح سياسي، على أي حال. غير أن القوى العسكرية المضادة لنظام الأسد والتي برزت في سياق الثورة، تمكنت أن تنتزع منه مناطق جغرافية واسعة وأن تبني عليها سلطات منفصلة عن سلطة النظام. يمكن اعتبار هذا شكلاً من أشكال كسر احتكار السلطة، ولكن هذا الشكل لا يطور في نمط الحكم السياسي، لأنه يحد من سيطرة النظام جغرافياً، بدلاً من أن يحد منها سياسياً. ولأن السلطات الناشئة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لم تُنشئ آليات حكم متطورة، بل مالت أكثر فأكثر إلى مركزة السلطة واعتماد الحكم بالعنف دون محاسبة مكررة علاقات السيطرة نفسها. وهذا من طبيعة الأمور لأنه من المتعذر في ظروف الصراع العنيف بروز آليات حكم ديموقراطية.
بدلاً من أن تقود الثورة السورية إلى بروز توازن سياسي في مجال عام واحد، قادت إلى بروز توازن عسكري بين سلطات متفاصلة جغرافياً ومتشابهة في آليات الحكم. وهكذا بدلاً من تقاسم السلطة جرى تقاسم الأرض، وكان هذا برأينا مدخلاً خطيراً على البلاد، لأنه حوّل الصراع من صراع ذي مضمون سياسي تحرري بين سلطة مستأثرة ومحكومين ثائرين، إلى صراع بين سلطات لكل منها أرضها، ولكل منها روايتها الخاصة، صراع على حدود جغرافية يشبه الحروب بين الدول، والحق أن كل سلطة من السلطات التي نشأت في سياق الثورة السورية، بلورت مع الزمن ملامح دولتية خاصة بها.
تأتي خطورة هذا التحول من جانبين، الأول أنه، مع الزمن، فتت الشعور الوطني المشترك، وهو الأرضية التي لا بد منها لبناء نظام سياسي بحدود معقولة من التوازن الديموقراطي، والثاني أنه أضعف قيمة وتأثير المبادئ العامة الثورية التي حركت السوريين في البداية، الحرية والكرامة والعدالة، لأن كل سلطة من هذه السلطات قامت على قتل هذه المبادئ في مجالها العام، ولكل منها سجلها الخاص في الإقصاء بالقوة وفي الانتهاكات والفساد. هكذا بات الصراع المسيطر هو صراع عسكري بين سلطات متفاصلة لا تمثل أي منها التطلعات الأولى للسوريين، أي بتنا أمام صراع فارغ بالكامل من المضمون التحرري السياسي.
الاجتهادات والقرارات الأممية التي عالجت الوضع السوري منذ إعلان جنيف الأول في منتصف 2012، حتى قرار مجلس الأمن رقم 2254 في نهاية العام 2015، كان محورها الجامع هو تحويل التوازن العسكري الناشئ، إلى توازن سياسي في مجال عام موحد، أو بكلام آخر، تحويل كسر احتكار الحكم جغرافياً، إلى كسر احتكاره سياسياً عبر تسوية سياسية. غير أن التسوية المطروحة لم تكن بين النظام والسلطات الناشئة، بل بين النظام وتشكيلات سياسية بلا سلطة فعلية على الأرض، على هذا كانت طروحات التسوية الأممية مواربة، وكان الوضع السوري يبتعد عن مسار الحل السياسي أكثر فأكثر. ذلك لأن نظام الأسد لم يكن في وارد قبول أي تسوية تحرر المجال العام لاستيعاب حضور قوى سياسية ذات استقلالية ووزن. ومن جهة أخرى، فإن سلطات الأمر الواقع التي برزت في غير مكان من سوريا، لم تكن شديدة الترحيب بالقرارات الأممية نفسها، ذلك أن هذه السلطات كررت بناء نمط أسدي في الحكم (لم يكن من المتوقع غير ذلك على أي حال) واستمرأت التفرد بالسلطة، وربما باتت تفضل، إذا كان لا بد من الاختيار، أن تبقى على سيطرة مطلقة في بقعتها الجغرافية، من أن تكون شريكاً سياسياً في الحكم أو منافساً سياسياً على الحكم في سوريا الكاملة.
بقي "المجتمع الدولي" يتكلم عن تسوية سياسية تترجم توازن القوى الجديد إلى واقع سياسي تشاركي غير احتكاري للسلطة، إلى أن جرى كسر التوازن العسكري بصورة حاسمة وضعت الطرف المنتصر في موقع المقرر الوحيد في الشأن العام. التحول كان جذرياً من الناحية العسكرية ولكنه لم يكن كذلك من الناحية السياسية، فقد استبدل احتكار سياسي بآخر. الانتصار العسكري جاء على حساب النجاح السياسي بقدر ما كان يعني هذا تحرير المجال العام وكسر احتكار السلطة وأبديتها والبدء الجدي بآليات حكم ديموقراطي.
في الحل الذي اعتمدته الدول المتحكمة في الموضوع السوري، ذهب مطلب تحرير المجال العام وتطوير الواقع السياسي أدراج الرياح، وتلاشت كل الجهود السياسية والحقوقية التي بذلت والتي كانت ضمن إطار تغليب الحل السياسي الذي يمنع أي طرف من احتلال جهاز الدولة واستخدامه لإزالة أي منافس.
الحسم العسكري الذي جرى في سوريا مع نهاية العام 2024، أفضى إلى تغيير جذري في الوضع العسكري أنهى معاناة السوريين من جرائم نظام الأسد ولاسيما القصف العشوائي، ووضع حداً لصراع عنيف دمر البلد وأرهق الأهالي في كل مكان، ولكنه لم يكن من النوع الذي يفضي إلى تغيير في التكوين الداخلي للسلطة التي بقيت ذات قاعدة ضيقة، بما يسمح ببقاء الفساد والتمييز سياسة سائدة دون تبلور آليات رقابة أو محاسبة. أي إن الحل الذي شهدناه لم يهتم بمعالجة الخلل السياسي المزمن الذي خرج السوريون أصلاً لمعالجته.
فرح السوريين العارم بأعجوبة الخلاص من نظام الأسد الذي تجاوز كل حد في الإجرام، هو غلاف السكر الذي يجعلهم يبتلعون حقيقة ما يجري في الواقع من بناء نظام حكم تسلطي يهتم بتأسيس "أبديته" على حساب أي شيء، بما في ذلك الأرضية الوطنية المشتركة.
كأن ما جرى هو أن مستوى العنف الذي مارسه نظام الأسد بحق السوريين جعل الخلاص من النظام غاية مستقلة، إلى درجة أخفى عن السوريين السبب الذي خرجوا لأجله، وأخفى حقيقة أن إجرام أي نظام هو نتيجة لتكوين أمني وسياسي يجعل يده طليقة في البطش، وأن أولوية الخلاص من إجرام سلطة غير مقيدة، يكون بمنع تكرار نشوء مثل هذه السلطة، عبر ما توصل له علم السياسة والتجارب السياسية في العالم، من فصل فعلي للسلطات إلى حماية الحريات العامة إلى تشكيل منظمات مجتمع مدني نشيطة ومستقلة.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن -علوية- نظام الأسد
- عن الموقف الجذري من سلطة دمشق
- امتناع العدالة في سوريا
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار
- عيد الشارع
- الاستباحة تغطي صراعاً في سوريا


المزيد.....




- اليونسكو تدرج 6 مواقع جديدة ضمن قائمة التراث العالمي المعرض ...
- صور سلاح الجو السعودي وطياريه تلقى رواجا بعد إعلان الضربة ال ...
- تغير في كيمياء العلاقات.. صحيفة -WSJ- تكشف ضعف نفوذ نتنياهو ...
- الحوثيون يدينون القصف الأمريكي السعودي المشترك على الحشد الش ...
- Lava الهندية تستعد لإطلاق هاتفها الأحدث
- 54 مليون بطاقة -ترويكا- في موسكو منذ إطلاقها عام 2013
- رويترز تتحدث عن -سلاح صيني- سيصل إيران في غضون أسابيع
- رئيس مجلس الطاقة في أوكرانيا يحذر من أقسى شتاء ينتظر البلاد ...
- روسيا.. ابتكار محفز مستقر لتنقية الهواء من أخطر مكونات غازات ...
- -قنبلة موقوتة- في أنتاركتيكا.. ذوبان الجليد يحرر معدنا ساما ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا