|
|
الصراع الطبقي من محرك للتاريخ إلى مفتاح لفهم التحولات المعاصرة
عاطف زيد الكيلاني
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 19:21
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
في لحظة تاريخية تبدو فيها السياسة العالمية أكثر اضطرابًا وتعقيدًا من أي وقت مضى، وفي ظل الحروب والأزمات الاقتصادية واتساع الفوارق الاجتماعية وصعود اليمين الشعبوي وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية، يبدو أن الحاجة إلى إعادة طرح سؤال الصراع الطبقي أصبحت أكثر إلحاحًا، لا أقل. فالكثير من التحليلات السياسية المعاصرة تميل إلى تفسير الأحداث من خلال الجغرافيا السياسية، أو الصراع بين الهويات، أو الدين والقومية، أو التنافس بين الدول، أو صعود التكنولوجيا، أو أزمة الديمقراطية. وهذه كلها عوامل حقيقية ومؤثرة، لكنها تظل عاجزة، منفردة، عن تقديم تفسير تاريخي شامل إذا جرى فصلها عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تتحرك داخلها. إن إعادة الحديث عن الصراع الطبقي لا تعني استعادة شعارات القرن التاسع عشر بصورة آلية، ولا تعني الادعاء بأن المجتمع المعاصر مطابق للمجتمع الذي عرفه ماركس وإنجلز. المقصود هو استعادة المنهج اِلطبقي في قراءة التاريخ والمجتمع والسياسة، باعتباره أحد أهم المفاتيح التي تسمح بفهم المصالح المادية الكامنة خلف الصراعات السياسية، وفهم العلاقة بين الثروة والسلطة والدولة والأيديولوجيا، وفهم الكيفية التي تتحول بها التناقضات الاقتصادية إلى أزمات سياسية واجتماعية. = أولًا =: ماذا يعني الصراع الطبقي في المنظور الماركسي؟ يُعد مفهوم الصراع الطبقي أحد الأعمدة الأساسية في المادية التاريخية. وقد لخّص ماركس وإنجلز في بيان الحزب الشيوعي عام 1848 الفكرة بعبارة أصبحت من أشهر عبارات الفكر السياسي الحديث: «إن تاريخ كل المجتمعات القائمة حتى الآن هو تاريخ الصراعات الطبقية». لكن هذه العبارة لا ينبغي فهمها بمعنى أن كل حادثة تاريخية هي نتيجة مباشرة لمواجهة بين طبقتين، أو أن العوامل السياسية والثقافية والقومية لا أهمية لها. معناها الأعمق أن المجتمع البشري، في المراحل التي انقسم فيها إلى طبقات، يتشكل حول علاقات مادية متعارضة بين من يملكون أو يسيطرون على شروط الإنتاج وبين من يعتمدون على بيع قوة عملهم أو على أشكال أخرى من العمل المنتج. فالطبقة، في التصور الماركسي، ليست مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يحصلون على دخل متشابه، وليست مجرد شريحة إحصائية من السكان. إنها علاقة اجتماعية. ولهذا فإن تحديد الطبقات ينبغي أن ينطلق من موقع الأفراد والجماعات في عملية الإنتاج ومن علاقتهم بوسائل الإنتاج وبعملية استخراج فائض العمل. وهنا تكمن أهمية التمييز بين التصور الماركسي للطبقة وبين مفهوم «الطبقات الاجتماعية» في بعض المدارس السوسيولوجية التي تتعامل معها بوصفها درجات من الدخل أو المكانة أو التعليم. إن المفهوم الماركسي للطبقة هو مفهوم علائقي وتاريخي؛ أي أنه يهتم بالعلاقة بين المنتجين ومن يستحوذون على فائض العمل، وليس بمجرد الفروق الكمية في الثروة أو المكانة. وبذلك يصبح الصراع الطبقي صراعًا حول السيطرة على شروط الحياة الاجتماعية: من يملك الأرض؟ من يملك المصانع والشركات والبنوك؟ من يتحكم في الاستثمار؟ من يقرر ماذا يُنتج، وكيف يُنتج، ولمن؟ ومن يحصل على الجزء الأكبر من الفائض الاجتماعي؟ في المجتمع الرأسمالي يتخذ هذا الصراع شكلًا تاريخيًا محددًا: الرأسمال في مواجهة العمل، أو البرجوازية في مواجهة الطبقة العاملة، مع وجود طبقات وشرائح وسطى ومتعددة ومواقع اجتماعية متداخلة. = ثانيًا =: الصراع الطبقي ليس مجرد إضراب أو مظاهرة من الأخطاء الشائعة اختزال الصراع الطبقي في الإضرابات العمالية أو الاحتجاجات الجماهيرية أو المواجهات المباشرة بين العمال وأصحاب العمل. هذه ليست سوى مظاهر ظاهرة ومكثفة للصراع. الصراع الطبقي موجود أيضًا في تحديد الأجور، وفي ساعات العمل، وفي قوانين الضرائب، وفي التأمينات الاجتماعية، وفي الخصخصة، وفي قوانين العمل، وفي الإنفاق العام، وفي توزيع ملكية الأراضي، وفي أسعار السكن، وفي التعليم والصحة، وفي سياسات النقد والائتمان. بل إن الصراع الطبقي يمكن أن يكون حاضرًا في قضية تبدو للوهلة الأولى «اقتصادية» بحتة. عندما تطالب الحكومات بتقليص الإنفاق العام، فإن السؤال ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي واجتماعي أيضًا: من سيتحمل كلفة الأزمة؟ وعندما تُنقذ المؤسسات المالية الكبرى في لحظات الانهيار، بينما يُطلب من العمال والموظفين تحمل سياسات التقشف، فإن المسألة تكشف توزيعًا للصراع حول من يدفع ثمن الأزمة ومن تُحمى مصالحه. وهنا تبرز أهمية ماركس في تجاوز المظهر السطحي للعلاقات الاجتماعية. فالرأسمالية تستطيع أن تجعل علاقة الاستغلال تبدو وكأنها علاقة تعاقد حر بين طرفين متساويين: العامل يبيع قوة عمله، والرأسمالي يدفع أجرًا. لكن وراء هذه المساواة القانونية توجد ( لا مساواة ) مادية في السيطرة على وسائل الإنتاج. وهذه النقطة تفسر لماذا لا يكفي النظر إلى المجتمع من خلال الحقوق القانونية المجردة. فالمساواة أمام القانون قد تتعايش مع تفاوت هائل في القدرة على التأثير السياسي والاقتصادي. = ثالثًا =: لماذا ينبغي للنخب الماركسية خصوصًا أن تستعيد الوعي الطبقي؟ إذا كان الصراع الطبقي حاضرًا في الواقع الموضوعي، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: لماذا يبدو أحيانًا غائبًا عن الخطاب السياسي حتى لدى قطاعات من اليسار والماركسيين؟ جزء من المشكلة يكمن في أن العقود الأخيرة شهدت تراجعًا واسعًا للغة الطبقية، وصعود خطابات سياسية تركز على الهوية والثقافة والفرد والجماعة والهويات الجزئية. ولا يعني ذلك أن قضايا القومية أو الجندر أو العنصرية أو الدين أو البيئة ليست مهمة؛ بل يعني أن الخطأ يبدأ عندما تُدرس هذه الظواهر وكأنها منفصلة عن علاقات الإنتاج والتوزيع والسلطة. لقد حذرت ( المفكرة إيلين ميكسينز وود ) من هذا النوع من «التراجع عن الطبقة»، مشيرة إلى انتقال قطاعات من اليسار الفكري نحو تصورات تتعامل مع الرأسمالية كما لو أنها الإطار النهائي للحياة الاجتماعية، وتستبدل نقدها بالتركيز على التجزؤ والاختلاف والسياسات الجزئية. المطلوب، إذن، ليس العودة إلى «اقتصادوية» ضيقة تجعل كل شيء مجرد انعكاس للاقتصاد، وإنما إعادة بناء التحليل الطبقي بوصفه تحليلًا للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والدولة والأيديولوجيا. وهنا يمكن الاستفادة من ( أنطونيو غرامشي )، الذي وسّع الماركسية في اتجاه بالغ الأهمية عندما درس مفهوم الهيمنة. فالطبقة المسيطرة لا تحكم بالقوة المادية وحدها، بل تسعى أيضًا إلى جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية وعامة ومشتركة بين الجميع. وقد أصبحت الهيمنة عند غرامشي مفهومًا مركزيًا لفهم كيفية ارتباط السيطرة السياسية بالقيادة الثقافية والفكرية. ومن هنا فإن المعركة الطبقية لا تدور في المصنع ومكان العمل فقط، وإنما تدور أيضًا في المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة وفي تعريف «المصلحة العامة» و«الواقعية السياسية» و«ما هو ممكن وما هو مستحيل». = رابعًا =: الدولة والصراع الطبقي من المستحيل فهم الصراع الطبقي بصورة كاملة من دون فهم الدولة. لقد أكد لينين، في الدولة والثورة، أن الدولة ليست كيانًا محايدًا يقف فوق المجتمع بصورة مطلقة، بل هي نتاج التناقضات الطبقية، وأنها تصبح في المجتمع الطبقي أداة مرتبطة بعلاقات القوة الطبقية. واستند في ذلك إلى نصوص ماركس وإنجلز حول الدولة والمجتمع الطبقي. ولا يعني ذلك أن كل قرار حكومي يصدر مباشرة بأمر من طبقة رأسمالية محددة، أو أن الدولة مجرد «دمية» ميكانيكية في يد أصحاب رأس المال. مثل هذا التفسير الميكانيكي يضعف التحليل الماركسي بدل أن يقويه. فالدولة تتمتع بدرجة من الاستقلال المؤسسي، وتضم تناقضات وصراعات داخلية، وقد تضطر إلى تقديم تنازلات للطبقات الشعبية من أجل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وإعادة إنتاج النظام ككل. لكن السؤال الماركسي الأساسي يبقى قائمًا: ما طبيعة النظام الاجتماعي الذي تحميه مؤسسات الدولة؟ وما علاقته بملكية وسائل الإنتاج؟ وما حدود الديمقراطية عندما تدخل في تعارض مع المصالح الاقتصادية للقوى المسيطرة؟ وهنا تكتسب أطروحات ( وود ) أهمية خاصة؛ إذ ترى أن إحدى خصائص الرأسمالية هي ظهور فصل ظاهري بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي، بحيث يبدو الاستغلال وكأنه يحدث في «الاقتصاد» بعيدًا عن السياسة، بينما تكون المساواة السياسية والقانونية منفصلة ظاهريًا عن التفاوت الاقتصادي. = خامسًا =: ماذا تغير في الطبقة العاملة؟ قد يقول البعض إن الحديث عن الصراع الطبقي ينتمي إلى عصر المصانع الكبرى والمناجم والعمال الصناعيين، وإن الاقتصاد المعاصر تغيّر جذريًا. وهذه ملاحظة صحيحة جزئيًا، لكنها لا تؤدي إلى النتيجة التي يريدها أصحابها. لقد تغيرت بنية الطبقة العاملة بالفعل. فإلى جانب العامل الصناعي التقليدي نجد موظف الخدمات، والعامل في المستودعات، والعامل في النقل، والعامل المهاجر، والعامل المؤقت، والعامل المنصاتي، والموظف الذي يخضع لرقابة الخوارزميات، والعامل في الرعاية والتعليم والصحة، وأعدادًا ضخمة من العاملين الذين لا يمتلكون سوى قدرتهم على العمل. وقد نبّه ( ديفيد هارفي ) إلى ضرورة إعادة التفكير في معنى الطبقة العاملة وعدم حصرها في العامل الصناعي التقليدي، مشيرًا إلى أن الصراع الطبقي يمكن أن يدور أيضًا حول المدينة وحق السكان في السيطرة على المجال الحضري. إذن، لم تختف الطبقة العاملة؛ بل تغيرت أشكال العمل والاستغلال. وفي الوقت نفسه، أصبحت ملكية رأس المال أكثر تركيزًا وتعقيدًا، وأصبحت الشركات الكبرى والأسواق المالية وسلاسل الإنتاج العالمية تؤدي أدوارًا مركزية في تحديد مصائر ملايين البشر. وهذا يعني أن مهمة الماركسيين اليوم ليست تكرار تعريف العامل في القرن التاسع عشر، بل اكتشاف التكوين الطبقي الجديد للرأسمالية المعاصرة. = سادسًا =: لماذا لا يكفي تفسير الأزمات بالهوية أو الجغرافيا السياسية؟ إن الصراع القومي والديني والإثني والجيوسياسي حقيقي، لكنه لا يلغي الصراع الطبقي. بل إن إحدى المهام الأساسية للتحليل الماركسي هي أن يسأل: كيف تتقاطع هذه الصراعات مع المصالح الطبقية؟ لماذا تتبنى شرائح اجتماعية معينة خطابًا قوميًا معينًا؟ لماذا يستفيد بعض الرأسماليين من الحرب بينما يدفع العمال والطبقات الشعبية ثمنها؟ لماذا تتحول الأزمات الاقتصادية إلى صراعات حول المهاجرين؟ ولماذا تستطيع الطبقات الحاكمة أحيانًا توجيه غضب الفئات الشعبية نحو فئات اجتماعية أضعف بدلًا من توجيهه نحو البنية الاقتصادية التي تنتج الأزمة؟ هذه الأسئلة لا تعني أن الصراع الطبقي يفسر كل شيء بصورة مباشرة، وإنما تعني أنه يوفر إطارًا يساعدنا على تحديد المصالح والقوى التي تتحرك خلف الأحداث. = سابعًا =: الصراع الطبقي باعتباره محركًا للتغيير إن أهمية الصراع الطبقي في الماركسية لا تكمن فقط في تفسير الماضي، وإنما في تفسير إمكان التغيير. فالنظام الاجتماعي لا يستمر لأنه متجانس داخليًا، بل لأنه قادر على إدارة تناقضاته. والرأسمالية تحديدًا تتميز بقدرة عالية على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة تنظيم نفسها. ولهذا فإن الأزمة الاقتصادية لا تؤدي تلقائيًا إلى الثورة. الأزمة قد تؤدي إلى مزيد من القمع، أو إلى صعود اليمين، أو إلى إصلاحات اجتماعية، أو إلى إعادة هيكلة النظام، أو إلى ثورة؛ والنتيجة تعتمد على موازين القوى وعلى درجة التنظيم والوعي السياسي والقدرة على تحويل السخط الاجتماعي إلى مشروع جماعي. وهنا تصبح مقولة ماركس الشهيرة في أطروحات حول فويرباخ بأن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بينما المطلوب تغييره ذات دلالة خاصة. فالتحليل الماركسي ليس تمرينًا أكاديميًا محضًا؛ إنه معرفة مرتبطة بالفعل السياسي. وقد كان هذا البعد السياسي حاضرًا أيضًا عند ( إيلين ميكسينز وود )، التي أكدت أن المادية التاريخية ليست مجرد نظرية لتفسير الماضي، وإنما طريقة لتحليل التضاريس التي يتحرك عليها الفعل السياسي وتحديد نقاط التدخل الممكنة. = ثامنًا =: الصراع الطبقي والبيئة والتكنولوجيا حتى القضايا التي تبدو جديدة تمامًا يمكن إعادة قراءتها طبقيًا. فأزمة المناخ على سبيل امثال ليست مجرد نتيجة لسلوك أفراد يستهلكون أكثر مما ينبغي. إنها مرتبطة بنظام إنتاج قائم على التراكم والمنافسة وتحقيق الربح والتوسع المستمر. والتكنولوجيا ليست محايدة اجتماعيًا بصورة كاملة. فالذكاء الاصطناعي والأتمتة والرقمنة يمكن أن تحرر الإنسان من الأعمال المرهقة، لكنها قد تُستخدم أيضًا لتعزيز الرقابة على العامل، وخفض كلفة العمل، وزيادة الأرباح، وتركيز الثروة. ومن هنا ينبغي أن يكون السؤال الماركسي: من يملك التكنولوجيا؟ ومن يقرر استخدامها؟ ومن يحصل على ثمار زيادة الإنتاجية؟ فإذا زادت إنتاجية المجتمع بصورة هائلة، بينما ازدادت هشاشة العمل واتسعت الفجوة بين الثروة والأجور، فإن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في علاقات الملكية والسيطرة التي تحدد كيفية استخدامها. = تاسعًا =: إعادة الاعتبار للصراع الطبقي لا تعني إنكار التعدد من الضروري التأكيد على أن استعادة مركزية الطبقة لا تعني اختزال الإنسان في طبقته. فالإنسان يعيش في آن واحد باعتباره عاملًا أو موظفًا أو مالكًا، وعضوًا في جماعة قومية أو دينية، ورجلًا أو امرأة، وفردًا له تاريخ وثقافة وتجربة شخصية. لكن الماركسية الجادة لا تحتاج إلى إنكار هذه الأبعاد لكي تؤكد مركزية الطبقة. المطلوب هو دراسة كيفية تفاعلها. فالعنصرية، مثلًا، يمكن أن تؤدي وظائف اقتصادية وسياسية، وتؤثر في تقسيم سوق العمل. والتمييز ضد النساء قد يرتبط ببنية العمل وإعادة إنتاج قوة العمل. والقومية يمكن أن تتحول إلى أداة توحيد فوق طبقي أو إلى وسيلة لتقسيم الطبقات الشعبية. ولهذا فإن أفضل تحليل ماركسي ليس الذي يقول إن «كل شيء طبقي»، بل الذي يسأل كيف يتفاعل العامل الطبقي مع العوامل الأخرى؟ = عاشرًا =: ضرورة تجاوز الفهم المدرسي الجامد للماركسية ربما تكون المهمة الأصعب أمام النخب الماركسية اليوم هي إعادة قراءة ماركس نفسه قراءة نقدية، لا تحويله إلى مجموعة من النصوص المقدسة. ماركس وإنجلز لم يقدما وصفة جاهزة لكل المجتمعات والأزمنة. لقد قدما منهجًا لتحليل المجتمع الرأسمالي وتناقضاته، وكانا مستعدين دائمًا لتعديل التحليل في ضوء التطور التاريخي. ولهذا فإن التمسك بمفهوم الطبقة لا ينبغي أن يعني التمسك بصورة جامدة للطبقة العاملة، ولا بتصورات القرن التاسع عشر عن المصنع والدولة والثورة. وفي هذا السياق تأتي مساهمات مفكرين ماركسيين لاحقين مثل غرامشي، وإرنست ماندل، وإي. بي. طومسون، وإيلين ميكسينز وود، وديفيد هارفي، وأليكس كالينيكوس، وغيرهم، بوصفها محاولات لإعادة تطوير أدوات التحليل الماركسي أمام تحولات الرأسمالية. ويشير كالينيكوس، مثلًا، إلى أن فهم السياسة في ضوء الصراع الطبقي هو من السمات الأساسية للماركسية، ويربط تعريف الطبقات بعلاقات الإنتاج والاستغلال واستخراج فائض العمل. خاتمة: لا يمكن ترك الطبقة خارج تفسير العالم إن إعادة الحديث عن الصراع الطبقي اليوم ليست حنينًا إلى الماضي، بل محاولة لاستعادة سؤال أساسي جرى تهميشه طويلًا: من يملك؟ ومن يعمل؟ ومن يقرر؟ ومن يستحوذ على الفائض؟ ومن يدفع ثمن الأزمات؟ لقد تغير العالم منذ ماركس بصورة هائلة، لكن ذلك لا يعني أن الرأسمالية أصبحت بلا طبقات. على العكس، إن إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وتركيز الثروة، وتوسع العمل الهش، وصعود الشركات العابرة للقوميات، والتمويل، والتكنولوجيا الرقمية، كلها تفرض على الماركسيين تطوير مفهوم الطبقة بدل التخلي عنه. وكان إنجلز نفسه، بعد وفاة ماركس، حريصًا على التأكيد أن الفكرة الأساسية في البيان الشيوعي هي أن شكل الإنتاج والتنظيم الاجتماعي الناتج عنه يشكلان الأساس الذي تُفهم من خلاله الحياة السياسية والفكرية في كل حقبة، وأن التاريخ الحديث هو تاريخ صراعات بين الطبقات المستغِلة والمستغَلة، والمسيطرة والمهيمن عليها. أما لينين فقد حذر من تحويل الماركسية إلى نظرية سطحية عن «وجود الصراع الطبقي» فقط؛ لأن الاعتراف بوجود الطبقات والصراعات بينها يمكن أن يصل إليه حتى بعض المفكرين غير الماركسيين. المسألة الماركسية الأعمق هي ربط الصراع الطبقي ببنية المجتمع الرأسمالي، وبالدولة، وبالسلطة، وبإمكان تجاوز النظام الذي يعيد إنتاج الاستغلال. ومن هنا فإن المهمة أمام النخب الماركسية ليست أن تكرر أن «التاريخ صراع طبقي»، وإنما أن تجعل هذه المقولة أداة حية لفهم التاريخ الراهن. فالماركسي الذي لا يرى الطبقة في أزمة السكن، وفي أزمة العمل، وفي الخصخصة، وفي الديون، وفي الحرب، وفي التكنولوجيا، وفي تغير المدن، وفي التعليم، وفي توزيع الثروة، وفي صعود اليمين، وفي أزمة الديمقراطية، يفقد جزءًا أساسيًا من قدرة الماركسية التفسيرية. وفي المقابل، فإن الماركسية التي تجعل الطبقة مركزًا لتحليلها من دون أن ترى الثقافة والقومية والجندر والبيئة والدولة والأيديولوجيا تتحول هي الأخرى إلى اختزال ميكانيكي يفقد الواقع تعقيده. لذلك فإن المطلوب ليس «عودة» بسيطة إلى الصراع الطبقي، وإنما إعادة اكتشافه وتحديثه وتوسيعه. إن السؤال الحقيقي أمام الماركسيين في القرن الحادي والعشرين ليس ما إذا كان الصراع الطبقي قد اختفى؛ بل لماذا أصبح أقل ظهورًا في خطابنا رغم استمرار علاقات الملكية والاستغلال والتفاوت التي تنتجه. فالطبقات لا تختفي لأننا نتوقف عن الحديث عنها، كما أن الصراع الطبقي لا ينتهي بمجرد إعلان نهايته. وإذا كانت الرأسمالية قد طورت أشكالًا جديدة لإخفاء علاقات الاستغلال خلف لغة السوق والاختيار الفردي والحياد المؤسسي، فإن إحدى أهم وظائف الفكر الماركسي اليوم هي أن يكشف ما وراء هذه المظاهر. إن استعادة الصراع الطبقي، بهذا المعنى، ليست استعادة لشعار قديم، بل استعادة لزاوية النظر التي تجعل الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتاريخ مترابطة في كل واحد. وهي، قبل كل شيء، دعوة إلى أن تفهم النخب الماركسية أن مهمتها لا تنحصر في الدفاع عن تراث فكري عظيم، وإنما في إنتاج تحليل جديد للرأسمالية الجديدة، واكتشاف مواقع الصراع الجديدة، وربطها بمشروع تحرري قادر على تحويل التناقضات الاجتماعية من مجرد أزمات متكررة إلى قوة تاريخية للتغيير. تعريفات: = إيلين ميكسينز وود : مفكرة ماركسية أمريكية ( 1942 – 2016م ) = ديفيد هارفي : مفكر ماركسي بريطاني ولد عام 1935م
#عاطف_زيد_الكيلاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
على الحدود العربية: الفلسطينيّ مجرم، فقط لأنه فلسطينيّ
-
عندما يصبح الطب فعلَ رحمة… وشهادةَ ضمير
-
في رثاء زوجتي الراحلة هيفاء
-
زوجتي هيفاء… سيرة روحٍ عبرت الحياة بكرامة والتزام وطني وديني
...
-
في رثاء الزوجة الغالية المرحومة هيفاء عابدي (أم رضا)
-
الإمبريالية الأميركية إذ تغزو فنزويلا: رأس المال حين يحكم با
...
-
جريمة الإمبريالية الأميركية في فنزويلا: جريمة مستمرة ضد الإن
...
-
الحصار العدواني الأمريكي على فنزويلا والأكاذيب الأمريكية ...
...
-
لسنا ضد التغيير في سورية … لكننا ضد استبدال الاستبداد بجماعة
...
-
إلى قلب القلب، رفيقة العمر وضياء الدرب ... إلى زوجتي هيفاء ع
...
-
من وحي مقال الرفيق غازي الصوراني ... استعادة الدور الطليعي ل
...
-
الخندق الإنساني: رحلة سبعة عقود نحو معنى الإنسان
-
في الرد على شارل جبّور وحزب القوات اللبنانية
-
فوزٌ مامداني ( عمدة نيويورك الجديد ) ... محاولة للفهم والتحل
...
-
السودان ... جرائم مليشيا الدعم السريع ومن يدعمها!
-
البحرينية ليلى فخرو: المناضلة الماركسية التي قاتلت في جبال ظ
...
-
ترمب في شرم الشيخ: بائع أوهام يتاجر بدماء الشعب الفلسطيني وي
...
-
جائزة نوبل للسلام: وسيلة لتجميل وجه الإمبريالية؟
-
خطة ترامب لغزة: شرعنة الاحتلال تحت غطاء «حلّ» ... صرخة لاجئ
...
-
اعتراض الصهاينة لأسطول الصمود في عرض البحر جريمة جديدةة يرتك
...
المزيد.....
-
-لينين-.. أسطورة القطب الشمالي
-
اليسار واختراق القلعة الرقمية للرأسمالية
-
تركيا.. -حزب العمال الكردستاني- يحذر من تسريبات تقف وراءها ق
...
-
بيان لعائلتي الشهيدين الدريدي وبلهواري بمناسبة الذكرى الثاني
...
-
Against the False Symmetry of the Scissors: An Open Letter W
...
-
Brussels to Host -The People’s Festival’: A Global Gathering
...
-
Iran Is Being Driven Towards the Nuclear Threshold
-
محافظة كفرالشيخ.. حزب التجمع ينتخب أمانتي قسم بندر دسوق ومرك
...
-
محافظة قنا.. حزب التجمع ينتخب أمانتي مركزي نجع حمادي وأبوتشت
...
-
حزب التقدم والاشتراكية في لقاء بنغازي حول المتغيرات العالمية
...
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|