أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عاطف زيد الكيلاني - زوجتي هيفاء… سيرة روحٍ عبرت الحياة بكرامة والتزام وطني وديني وأخلاقي














المزيد.....

زوجتي هيفاء… سيرة روحٍ عبرت الحياة بكرامة والتزام وطني وديني وأخلاقي


عاطف زيد الكيلاني

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 09:07
المحور: الادب والفن
    


بعض الأرواح لا تكون عابرة في حياتنا، بل تأتي لتُقيم، لتُشكّل، لتزرع معنا المعنى، ثم ترحل وقد تركت فينا ما لا يزول.
زوجتي هيفاء لم تكن مجرد زوجة، ولا أماً فحسب، بل كانت روحاً كاملة، امرأة صنعت من أيامها رسالة، ومن صبرها تاريخاً صامتاً لا يضجّ بالادّعاء، بل يفيض بالفعل.
خمسون عاماً من الزواج ليست رقماً زمنياً يُذكر في المناسبات، بل هي عمرٌ من المشاركة، من التقاسم العادل للأحلام والأعباء، من الصبر حين يضيق الأفق، ومن الإيمان حين تتكاثر الصعوبات.
خمسون عاماً عاشت فيها هيفاء شريكةً حقيقية، لا على هامش الحياة، بل في قلبها النابض، حيث تُصنع القرارات الكبرى وتُحتمل الخسارات الصغيرة، وحيث يكون الحب التزاماً يومياً لا نشوة عابرة.
كانت هيفاء امرأة تعرف أن النجاح لا يولد من الراحة، وأن البيوت القوية تُبنى بالصبر أكثر مما تُبنى بالرخاء.
واجهت معي كلّ صعوبات الحياة كما تواجه المرأة النبيلة الريح: بثبات، وبانحناءة ذكية لا انكسار فيها.
لم تكن الشكوى لغتها، ولا التذمّر طبعها، بل كانت ترى في كل تحدٍّ امتحاناً للروح، وفي كل عثرة درساً خفياً.
وإذا كان الزواج مرآة النفوس، فإن هيفاء كانت مرآة صافية.
أعطت دون أن تُحصي، واحتملت دون أن تُذكّر، وأحبّت دون شروط.
خمسون عاماً لم تكن فيها شريكة حياة فقط، بل سنداً أخلاقياً، ورفيقة طريق، وذاكرة مشتركة تحفظ التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى: نظرة تفهّم، صمت في وقته، وكلمة تُقال حين تعجز الكلمات.
أما أمومتها، فكانت فصلاً آخر من فصول العظمة الهادئة.
أنجبت خمسة من الأبناء والبنات، لا ليكونوا مجرد عدد يُذكر، بل ليكونوا مشروع حياة مختلف عن السائد.
ربّتهم على القيم النبيلة قبل الطموح، وعلى المسؤولية قبل النجاح، وعلى العلم لا كزينة اجتماعية، بل كرسالة.
لم تكن تكتفي بأن تراهم ناجحين، بل أن تراهم صالحين، أمناء، قادرين على تحمّل ما يُوكل إليهم من مهام بثقة واستقامة.
واليوم، حين يُقال إن أبناءها وبناتها جميعاً ناجحون، ذوو شهادات عليا، وفي مواقع مرموقة، فإن هذا ليس محض صدفة، ولا ثمرة جهد فردي معزول، بل هو الامتداد الطبيعي لأمّ آمنت بأن التربية فعل يومي صامت، وبأن القدوة أقوى من أي خطاب.
كانت تعلم أن الطفل لا يتعلّم مما يُقال له، بل مما يراه، وقد رآها أبناؤها قوية دون قسوة، رحيمة دون ضعف، حازمة دون قهر.
هيفاء لم تطلب الأضواء، ولم تسعَ إلى الاعتراف العلني، لكنها كانت حاضرة في كل نجاح حقّقه أبناؤها، وفي كل قرار صائب اتخذوه، وفي كل موقف شجاع وقفوه.
كانت هناك، في الجذور، حيث لا تُرى الأشجار من بعيد، لكن بدونها لا تقوم.
ورغم كل ما قدّمته، بقيت إنسانة بسيطة في جوهرها، تعرف قيمة الدعاء، وطمأنينة الإيمان، وسكينة الرضا.
كان حضورها يمنح الأمان، وحديثها يُشعرك بأن العالم، مهما قسا، لا يزال قابلاً للفهم والاحتمال.
وحين اشتدّ عليها المرض، أو اقترب الرحيل، لم تُثقل على من حولها بالخوف، بل واجهت قدرها بوقار العارفين أن الحياة مراحل، وأن النهاية ليست خسارة، بل اكتمال دورة.
رحلت هيفاء، لكن الرحيل هنا ليس غياباً كاملاً.
هي باقية في زوجٍ عاش معها نصف قرن، وفي ذاكرة بيتٍ ما زالت تفاصيله تنطق باسمها، وفي أبناءٍ يحملون قيمها كما يحملون أسماءهم.
باقية في كل موقف يُختار فيه الصواب لأنه الصواب، وفي كل نجاح يُنجز دون غرور، وفي كل صبر يُمارس دون ضجيج.
إن الحزن عليها حق، والفقد موجع، لكن العزاء الأكبر أن حياتها لم تُهدر، وأن أثرها لم يكن عابراً.
لقد عاشت كما ينبغي أن تُعاش الحياة: بمحبة، وبمسؤولية، وبإيمان عميق بأن الخير، وإن تأخر، لا يضيع.
سلامٌ على روحك يا هيفاء، سلامٌ على امرأةٍ عاشت كريمة، ورحلت وهي تترك وراءها ما يشبه الخلود.
وجعل الله ذكراك نوراً، وجعل مقامك رحمة، وربط على قلوب من أحبّوك، فهم لم يفقدوك، بل انتقلتم معاً إلى شكل آخر من الحضور… حضورٍ لا يزول.



#عاطف_زيد_الكيلاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رثاء الزوجة الغالية المرحومة هيفاء عابدي (أم رضا)
- الإمبريالية الأميركية إذ تغزو فنزويلا: رأس المال حين يحكم با ...
- جريمة الإمبريالية الأميركية في فنزويلا: جريمة مستمرة ضد الإن ...
- الحصار العدواني الأمريكي على فنزويلا والأكاذيب الأمريكية ... ...
- لسنا ضد التغيير في سورية … لكننا ضد استبدال الاستبداد بجماعة ...
- إلى قلب القلب، رفيقة العمر وضياء الدرب ... إلى زوجتي هيفاء ع ...
- من وحي مقال الرفيق غازي الصوراني ... استعادة الدور الطليعي ل ...
- الخندق الإنساني: رحلة سبعة عقود نحو معنى الإنسان
- في الرد على شارل جبّور وحزب القوات اللبنانية
- فوزٌ مامداني ( عمدة نيويورك الجديد ) ... محاولة للفهم والتحل ...
- السودان ... جرائم مليشيا الدعم السريع ومن يدعمها!
- البحرينية ليلى فخرو: المناضلة الماركسية التي قاتلت في جبال ظ ...
- ترمب في شرم الشيخ: بائع أوهام يتاجر بدماء الشعب الفلسطيني وي ...
- جائزة نوبل للسلام: وسيلة لتجميل وجه الإمبريالية؟
- خطة ترامب لغزة: شرعنة الاحتلال تحت غطاء «حلّ» ... صرخة لاجئ ...
- اعتراض الصهاينة لأسطول الصمود في عرض البحر جريمة جديدةة يرتك ...
- خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة: مؤامرة مكشوفة لتصفية القض ...
- الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو... صوت الإنسانية في وجه التوح ...
- من مانديلا إلى الجولاني: عندما تتحوّل منصة الأمم المتحدة مفخ ...
- ترامب الكذّاب على مسرح هيئة الأمم المتحدة: يكذب كما يتنفس


المزيد.....




- من شوارب الدروز إلى ظفائر الكرديات.. وقائع متكرّرة تكشف -ثقا ...
- فيلم -أشخاص نلتقيهم في الإجازات-.. هل تسقط أحكام الحب بالتقا ...
- بعد 20 عاما على رحيله.. نجيب محفوظ يحلّق في سماء معرض القاهر ...
- الاحتلال يقتحم مركز يبوس و يمنع عرض فيلم فلسطين 36
- كيف تحولت المدينة من حضن إلى سجن في الروايات العربية؟
- فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا ...
- ترشيح فيلم صوت هند رجب لجائزة الأوسكار
- قائمة المرشحين لجوائز الأوسكار لعام 2026
- صورة مفبركة للفنانة ياسمين عبد العزيز تشعل مواقع التواصل
- بلاغ ضد مديرة أعمال الفنان أحمد مكي بشأن اتهامات بالاستيلاء ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عاطف زيد الكيلاني - زوجتي هيفاء… سيرة روحٍ عبرت الحياة بكرامة والتزام وطني وديني وأخلاقي