مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 22:11
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
منذ فترة طويلة والعديد من المشاكل العامة التي تضرب اغلب الدول وحتى منها المتحضرة. حيث تساهم العديد من العوامل في نشر الكراهية التي تشبعت بها بعض الفئات العربية وغير العربية من استخدامات للعديد من المصطلحات التي تنشر الكراهية المذكورة، وتحرّض على الاحقاد وبالتالي على نشر الانتقام والقتل والسلب وغير ذلك. مثلما فعلت الافكار المتعصّبة والنازية والصهيونية وبعض التيارات القومية المتشددة باعتبار ان الامة الفلانية هي العرق الانقى والاعلى وغير ذلك. وهنا اريد ان اذكر بعض ما يتعلق بوضع الكراهية التي تنتشر من خلال دول البداوة التي تصرف الاموال الهائلة بشكل جنوني على نشر هذه الكراهية، حتى وصلت الى المجتمع العراقي بشكل واضح. وبتنا نعاني من هذه الكراهية التي شجّع عليها الفكر الشوفيني البعثي باعتبار ان عرق العروبة غير عرق وان هذه الاعراق لها سموها وتعاليها على الاخرين علما ان الاحداث والصراعات التي عممت على الامة دلت على عجز واضح لهذه الافكار الخطيرة في تحرير الارض والعرض والمال المغتصب، وباتت الاحقاد والكراهية لا يحاسب عليها الكثير من القانون باعتبارها طبيعية في المجتمع الكاره! فهذه غزّة النازفة ولبنان والعراق وسورية وليبيا واليمن والسودان كلها عاشت الفترات السياسية القومية والعروبية ولم يتحرك فيها سكون لانقاذ المظلومين في العديد من بلدانها ومنها البلدان التي ذكرنا.
سؤال محيّر في طرحه من قبل الجميع، بالفعل: لماذا الكراهية وكلنا بشر لنا الصفات العامة لاي بشر في هذا الوجود؟
لو تطرقت الى المنظور النفسي والاجتماعي وكذلك العلمي لإستخلصت ان لا يوجد سبب واحد للكراهية بل هناك اسباب عديدة تكون في الغالب نتيجة تفاعل بين مشاعر الفرد وتجاربه الشخصية والادراك اضافة الى البيئة الاجتماعية. وكل هذه تعد من الخطورات التي لا يمكن تجاهلها.
تعدّ الكراهية عاملا في تخلف وابتعاد الكثير من المجتمعات ومنها المجتمعات العربية على اختلاف جغرافيتها وانتماءاتها، ابتعادها عن القيم الانسانية والتقدم الانساني والعلمي والتوعوي. ففي الدراسات النفسية يمكن النظر إلى الكراهية بوصفها شعورًا مركبًا ومستمرًا، يختلف عن الغضب العابر. فالإنسان قد يغضب من تصرف شخص آخر، لكنه عندما يكرهه قد يبدأ في تكوين حكم سلبي على الشخص نفسه أو الجماعة كلها، ويرى فيها مصدرًا للتهديد أو الأذى أو الشر. وقد وجهت سؤالا في احد المواقع الاجتماعية صغته كالتالي: ترى ما سبب الكراهية؟ ما السبب او الدافع الذي يجعل الانسان يكره؟ بل ما سبب الاستمرار في هذه الكراهية؟ ووجهت السؤال لاهل التخصص ولم الق اجابة تذكر، ربما لاسباب تتعلق باسلوب التواصل المذكور. انني ارى ان من أهم الجذور النفسية للكراهية الخوف والشعور بالتهديد. وقد يكون هذا التهديد جسديًا؛ وقد يكون تهديدًا للمكانة الاجتماعية، أو الهوية، أو المصالح، أو القيم والمعتقدات. فشعور الانسان بالتهديد من قبل شخص او جماعة له او لمتعلقيه من اسرة او جماعة او قومية او مذهب او حزب او غير ذلك، يمكن أن يتحول الخوف هذا أو القلق مع الزمن إلى عداء، وفي بعض الحالات إلى كراهية. وهنا تكمن الخطورة في عدم التحديد الدقيق لهذا التهديد مما يسبب الفوضى في المعالجة باعتباره مرضا او معاناة او شيئا غير سوي في سلوك البشر. كذلك تلعب التجارب المؤلمة والإهانة والظلم دورًا مهمًا. فمن يتعرض لخيانة أو إذلال أو اعتداء قد يحتفظ بالغضب فترة طويلة، خصوصًا إذا شعر بأن الظلم لم يُصحَّح. وهنا يمكن أن تتشكل سلسلة نفسية تقريبية، تبتدئ بالاذى ثم تتحول الى الغضب وهكذا الى اجترار مستمر للحدث مما يولد لدى الانسان او المجموعة رغبة في الابتعاد او الانتقام ثم تاتي صفة الكراهية بعد هذه الانتقالات المؤلمة. رغم ان هذا المسار ليس حتميا لكن يمكن القول انه في الغالب يتخذ هذا المسار حقيقة في وجوده بين الناس او الجماعات. باعتبار ان كل فقرة مما ذكرنا لها تاثيراتها واستجاباتها. ومن هذه المفاهيم الخطيرة مفهوم يستخدم في الغالب عند المصابين بمرض الكراهية (هكذا!). فتراهم يقسمون بعضهم بعضا بكلمة "نحن" و"هم". حيث ينتمي الانسان الى فئة معينة ينسب نفسه اليها ليطلق عليها "نحن" فيكون الاخر من فئة "هم"! اذا انتميت الى مجموعة قومية فاصبحت من فئة "نحن"، و"الاخر" قومية اخرى، تبدأ باضافة ما تستطيع من صفات على الاخر سلبية وتضيف على جماعتك صفات ايجابية وربما تكون خارقة احيانا! فالكرم عربي لا غير والشجاعة عربية وغير ذلك مع ان صفات الكرم والشجاعة نرنبط بالفرد ولا علاقة لها بانتماء. فالوالد كريم لا يعني ان يكون ابنه كريما، والاب شجاع لا يعني بالضرورة ان يكون الابن شجاعا وهكذا. وفي الحقيقة ان خلقت في هذا الوجود من ذكر وانثى لا دخل لك في هذا الانتماء سوى انك ولدت من هذين المنتمين الى تلك القومية او الجماعة الاثنية. وبالتالي فهذا الانتماء له ما له من صفات عامة ولكن لا تغير من صفة البشرية او الانسانية التي تشترك فيها مع الاخر من قومية اخرى. فميل الانسان الى جماعة او عائلة او فريق او طبقة او ثقافة او غير ذلك، فليست هي مشكلة الا اذا كان هناك انحراف ذاتي في الانسان نفسه. والمشكلة المعقّدة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى الاعتقاد بأن "نحن أفضل منهم"، ثم تُنسب صفات سلبية إلى المجموعة الأخرى. بأي شيء انت افضل من غيرك ان لم تكن المعايير الاخلاقية تعمل حينها؟! فان لم تصل في كل الاحوال الى حالة اقصاء الاخر فالامر هيّن، ولكن حينما تصل الى محاولة اقصاء الاخر عن الوجود كما فعلت النازية وتفعل الصهيونية او غير ذلك من المنظومات العنصرية فتلك طامة كبرى بلا اي شكّ. وهنا تساعد الصور النمطية والتعميم على ذلك بأن يكون خطأ شخص واحد، لاعبا خطيرا قد يصبح في ذهن البعض دليلًا على طبيعة جماعة كاملة. هناك ايضا الضغط العائلي والتعليم الذي ينعكس من داخل الاسرة على الفرد منذ الصغر فيما يتعرف بالتعلّم الاجتماعي. فالانسان منذ صغره يتعلم هذه الكراهية والحقد من الاسرة او من المحيط الاخر المؤثّر من مدرسة ومعلم الى الاعلام العام الذي يغذّي هذه الكراهية، ودليل من هذه الادلة ما حصل ويحصل في العديد من المجتمعات التي طغت على اعلامها الكراهية والاحقاد لسنوات طويلة. خذ من ذلك ما عانى ويعاني منه بعض العراقيين من تعبئة كانت تغلب الكراهية فيها من قبل نظام البعث الذي تزعمه صدام وقد كانت تربيته معروفة وتاثيرات محيطه مكشوفة للكثير من العراقيين وقد ربّى عليها مؤسسات كاملة وقاد ذلك التعليم افراد ممن يؤمنون بان كراهية صدام وازلامه تعبير عن قومية او تعبير عن انتماء عروبي اصبح ناتجا خطيرا من حقد مستمر تجاه القوميات والدول العديدة حتى منها عربية الانتماء ودول عربية كانت في جزء من تاريخها تدّعي القومية كذلك. فبات السلوك العام كراهية مستمرة الى يومنا هذا قد لعبت الحرب التي شنها صدام على ايران والكويت دورا خطيرا مازال العراقيون يعانون منها. فترى حتى بعض الشباب الذي لم يدركوا هذه الكراهية الصدامية باتوا كارهين بشكل خطير لما يحيط بالعراق. فقد لعب العامل الاسري دورا كبيرا في هذه الحالة حيث اوصل الاهل هذه الكراهية لتنقل الى الجيل الذي يليهم. فترى بعضهم يكتب ويعبّر ويظهر من على الشاشات: هذا عجمي وهذا تركي وهذا اجنبي (اي غير عربي!) وهذا كذا وهذا كذا...ولسنا نحن ايضا بعيدين عن هذا التصنيف فلا نبرئ النفس الأمّارة بالسوء! وإلّا ما هذه الخصومة التي افتعلها بعض الجهلة على ان الخليج عربي او فارسي؟!! ولا كهرباء في البلد ولا ماء نظيفا ولا بيئة صالحة ولا علم ولا مستشفيات ولا ولا، بل مصير المال العراقي بيد المحتل الامريكي البغيض والحاقد والكاره، حيث تحكم القرارات الامريكية منذ زمن طويل هذه النزعة العنصرية وان اختلفت بعض مسميات التعامل معها. فما يهم العراقي ان قامت زمرة السياسيين السابقين والحاليين بتسليم الكويت خور عبد الله العراقي ووفق هذه الظروف المؤلمة في البلد؟! ما يهم العراقي ليتصارع العراقيون الان هل الخليج عربي ام فارسي! لقد تعلم الكثير من الشباب العربي والعراقي الكراهية من الاسرة، أو من المحيط كما ذكرنا او من الخطاب العام والمستمر بنفس الوتيرة. حتى اصبحت الامور اخطر مما يتصور العاقل. فقد تحولت الكثير من هذه الامور والطروحات إلى معتقدات راسخة، حتى لدى شخص لم يتعرض شخصيًا لأي أذى منها. ناهيك عن العوامل التي ذكرنا فهناك حالة الاحباط لدى المجتمعات والتي تجعل الانسان يبحث عن كبش فداء من خلال وجود هذه الازمات الاقتصادية وانتشار البطالة والاضطرابات الاجتماعية ادى ذلك الى الشعور بعدم الامان مما ولّد حالات الاحباط التي ولّدت هذه الكراهية التي ربما تكون باتجاهات متعددة وليس لاتجاه واحد. فترى الكثير من هؤلاء الذي يعانون من هذه المشاكل يرمي بها على غيره بان فلانا او دولة ما هي سبب الازمة الاقتصادية وهي سبب لعدم تقدم البلد. من هنا ينبغي على اهل الاختصاصات النفسية الادلاء بدلوهم لمعالجة هذا الوضع الذي ينبغي ان يشارك في معالجته كل الامة وليس فئة واحدة بابراز العوامل وتفكيك عقد المجتمع والافراد بحل المشاكل الاقتصادية والصحية وغير ذلك بمشاركة اصحاب الابحاث النفسية والاجتماعية. فمجتمعاتنا تتعرض الى هذه الخطورات التي تكون الكراهية واحدة منها. ومما يبعث الامل في المعالجة اننا نقول ان الانسان عموما لا يولد كارها لاحد او لفئة معينة وانما هي وضعية الكسب الخارجي حينها يمكن المعالجة والتقدم بعيدا عن هذا الوباء الداخل الينا من محيطنا الانساني وليس هي هورمونات او كروموسومات في ذات التكوين الانساني.
د.مؤيد الحسيني العابد
Moayad Alabed
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟