مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 12:30
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
ليس من السهل الحديث عن تدمير للبيئة بهذه البساطة اذا ما علمنا ان هذا التدمير ربما يستغرق عشرات السنين لاصلاح هذا الكابوس او الكارثة او ازالتها! فلو انتقل الماء الثقيل الى باطن الارض اي الى المياه الجوفية من خلال تربة هشّة او من خلال اي نوع من انواع التربة حيث تتغير نسبة او كمية التسرب الى داخل الارض او الينابيع بالاعتماد على نوعية التربة. خاصة اذا ما علمنا ان التربة الموجودة في النقب مثلا تكون متنوعة جيولوجيا بشكل كبير. اي ان ليس هناك نوع واحد من التربة، فهناك مثلا تربة اللوس وهي الاكثر شهرة في شمال ووسط النقب مثل مناطق بئر السبع وهي تربة رملية طينية ناعمة جدا نقلتها الرياح عبر آلاف السنين. ففي حالتها الجافة تبدو متماسكة نوعا ما لكنّها هشّة جدا عند تعرضها للضغط او الجريان السطحي. ففي الحالة التي يتسرب خلالها السائل كالماء الثقيل المتسرّب مثلا، فسينفذ بسهولة الى مسافات واعماق ليست قليلة لان الجريان لمسافة ما على سطحها يمكن ان يساعد على زيادة هشاشتها. حينما يهطل المطر على مثل هكذا تربة تتشكل طبقة صلبة او قشرة بمجرد هطول المطر، وهنا تكون افضل، بحيث تمنع امتصاص الماء ويؤدي غالبا الى حدوث فيضانات مفاجئة. وبالتالي سيكون انتشار الماء الثقيل مع ما يتشكل من سيل مائي لينتشر الى مسافات اطول على السطح وبصورة اسرع. اما اذا تحدثنا عن تربة الهضاب والمناطق الجبلية وفي النقب الجنوبي فنتحدث عن تربة صخرية وحجرية وهي مزيج من الحصى والصخور الجيرية او الصوانية التي تغطي سطح الارض وتكون غي الغالب خالية من الغطاء النباتي الكثيف بسبب نقص المواد العضوية. وهنا يمكن الاشارة الى انني اعتقد ان اختيار هذا المكان لبناء منشآت نووية، كانت له غايات عديدة ليس من ناحية الجانب الجيولوجي فقط بل لكونه في الصحراء بعيدا عن بعض دول الاشتباك آنذاك حيث كانت الدولة المصرية ملكية متعاونة مع من تأسيس الكيان عام 1948. باعتبار ان اول رئيس لهذا الكيان كان كيميائيا وعالما بتفاصيل كثيرة وعينه وعينهم على امتلاك اسباب القوة الفارضة وجودها على المحيط وهذا ما جرى! حيث تم البناء على ايدي خبراء استقدمهم الكيان من خارج فلسطين المحتلة.
هناك ايضا الكتل او التربة الرملية في المناطق الغربية مثل رمال خلوصة حيث الكثبان الرملية الناعمة والمتحركة اي تتغير معالمها باستمرار بفعل الرياح. وهنا ينبغي ان نشير الى خطورة هذه التربة حينما يكون هناك كميات كبيرة من التسرّب من اي مادة اشعاعية او ذلك الماء الثقيل الذي سيلعب دورا في رفد عيون الماء او المياه الجوفية والاختلاط بها وتلويثها بعد ان يكون قد مرّ مع الرمال وتسرّب ما بين الحبيبات الرملية وانتشر بفعل الجاذبية وامتُصّ في الفراغات المسامية. اي ان الرمال تكون اكثر انسيابية لكن الماء الثقيل اكثر لزوجة من الماء العادي حيث تبلغ كثافته حوالي 1.105 غرام على السنتمتر المكعّب، فيضعف من هذه الخاصية للرمال. عندما يكون الحديث فقط عن الماء الثقيل يكون الامر هنا هيّنًا قليلا، لكن لو تسرّبت بعض النظائر المشعّة معه او بدونه فستكون كارثة من نوع آخر. حيث يتلوث الرمل بالشوائب الدقيقة. اي ان التلوث بالماء الثقيل مع النظائر المشعّة في حالة تسربها من المفاعل النووي الى تلك الرمال، يُتعامل معه على اساس النظائر المشعّة التي ستكون ذائبة او معلّقة في ذلك الماء. حينها ستكون التأثيرات باعتبار الماء الثقيل ناقلا لها وبالكثافة الاعلى من كثافة الماء العادي فستكون عملية تسرب النظائر بطيئة وتأخذ الوقت الكافي لتلويث الرمل والتربة عموما. حينما يتم التسرب المركّب او النظائر المشعة المنقولة مع الماء الثقيل تحدث عملية نطلق عليها Radioactive Contamination Transport اي انتقال التلوث الاشعاعي او بالاشعاع. اي ان التلوث يكون متسربا عبر مسامات الرمال وينتشر الى مسافات واعماق مختلفة حيث يحصل عملية الامتزاز على سطح الرمل. هناك من النظائر التي تنتقل بهذه الطريقة والموجودة بشكل عادي في منشآت المفاعلات النووية او المحطات المذكورة هي: السيزيوم 137، السنترونتيوم 90، التريتيوم واليود 131، والكثير من هذه النظائر المشعّة. وان حركة هذا السيل من الخليط المائي النظائري تعتمد على نوعية النظائر وعلى حجم الحبيبات الرملية ومستوى الماء الجوفي. ما الذي يحدث فعليا؟ يحدث تلوث طبقات التربة القريبة من السطح حيث تلتصق بعض النظائر بأسطح حبيبات الرمل بسبب الشحنة الكهربائية، وانتقال جزء من التلوث الى المياه الجوفية، واذا كانت الرمال مسامية او اكثر مسامية وان النظائر قابلة للذوبان فانها قد تصل الى عمق اكبر وخاصة اذا كانت تلك النظائر ذات اعمار طويلة وتذوب بسهولة. لذلك تتحول هذه الرمال الى رمال مشعّة ولو ليس بالتنشيط النووي. هنا تصبح الرمال مغلفة بطبقة من النظير المشع. فيكون الخطر لازمان طويلة فيمكن ان يؤدي الى تلوث المياه الجوفية لتلك الازمان الطويلة وانتقال الاشعاع عبر السلسلة الغذائية بالاضافة الى انتشار الغبار الملوث عندما تجف الرمال المذكورة. ونضيف الى ان هناك عوامل عديدة اخرى تساهم في هذا التلوث منها الذي ذكرناها كنوع النظير، وكميته، نصف العمر، عمق التسرّب ونوع التربة التي ستكون بانواعها المتعددة، في منطقة واسعة من التلوث. يكون العلاج ما بعد الضربة او التسرب يحتاج الى وقت غير قصير بمراقبة المياه الجوفية وفحصها اولا باخذ عينات من تلك التربة متعددة الاعماق. وتحديد نوع النظائر التي تسرّبت ونصف عمرها وازالة التربة الملوثة او تغطيتها ومنع انتقال الغبار. وربما نحتاج الى تقنيات اخرى ان كان التلوث كبيرا كما هو متوقّع لو ضربت المنشآت النووية ضربة واحدة او اكثر كافية لان تفعل كل التلوث الارضي والجوي والمائي ان وصل الى الانهار والبحار بكميات واسعة.
كيف يكون سلوك النظائر المشعّة المتعددة داخل الرمال؟
يذوب التريتيوم وهو نظير الهيدروجين الثقيل الذي ينتج طبيعيا وبكميات صغيرة في المفاعلات، في الماء تماما. لا يلتصق بحبيبات الرمل لانه غير مشحون تقريبا. لكنه يتحرك بنفس سرعة الماء تقريبا داخل التربة. ويصل بسهولة الى المياه الجوفية. رغم ان خطورته قليلة او منخفضة نسبيا بسبب طاقته الاشعاعية الضعيفة الا ان عمره النصفي الذي يبلغ 12.3 سنة يساعد في وجوده لفترة طويلة (اذا ما علمنا ان تركيزه او نشاطه الاشعاعي يقل الى النصف فقط حينما يمضي عليه الفترة المذكورة اي 12.3 سنة) حيث يكون تركيزه اكثر في مساحة صغيرة. خاصة وانه اكثر النظائر قدرة على الانتقال السريع مع الماء. اما السيزيوم 137 فهو نظير انشطاري شائع ينتج من التفاعلات النووية، يكون بسبب شحنته الموجبة بحيث يلتصق باسطح الحبيبات الرملية (كما اشرنا) (وان توفرت التربة الطينية وهي بالفعل موجودة في المنطقة يمكن له ان يلتصق بتلك الحبيبات اكثر من الرملية) ويشكّل روابط قوية تعرف باسم سعة التبادل الكاتيونيCation Exchange Capacity – CEC وهي خاصية كيميائية اساسية للتربة تصف قدرتها على الاحتفاظ بالمغذيات النباتية الضرورية وإمداد النبات بها. يمكن تشبيهها بـ "الخزان" أو "شحنة البطارية" التي تخزن العناصر الغذائية في التربة. اي ان السيزيوم يتحرك ببطئ شديد في التربة الرملية وابطأ في التربة الغنية بالطين. وهذا من المشاكل الكبيرة كما اشرنا الى بطء الحركة للنظير. حيث ان حبيبات الطين والمادة العضوية تحمل شحنة كهربائية سالبة. وبما أن الشحنات المتضادة تتجاذب، تعمل هذه الحبيبات كمغناطيس للأيونات الموجبة الشحنة، والتي تُعرف بـ الكاتيونات.
تشمل الكاتيونات المغذية الشائعة ما يلي: الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والامونيوم. وهناك عدد من العوامل تؤثر في هذه السعة المذكورة (سعة التبادل الكاتيوني) منها مثلا قوام التربة والمادة العضوية ومستويات الحموضة. حيث تتمتع التربة الطينية بسعة تبادل عالية. تحتوي حبيبات الطين على مساحة سطحية هائلة وشحنة سالبة عالية، مما يسمح لها بتخزين العديد من المغذيات. والتربة الرملية تتمتع بسعة تبادل منخفضة. حيث تكون حبيبات الرمل كبيرة وخاملة كيميائياً، مما يعني أن المغذيات تُغسل من خلالها بسهولة (الارتحال أو الترشيح). اما المادة العضوية فتعتبر"المعزز" لسعة التبادل الكاتيوني. فإضافة السماد العضوي مثلا يزيد بشكل كبير من قدرة التربة على الاحتفاظ بالمغذيات، بغض النظر عن قوامها. اما فيما يخص مستويات الحموضة ففي العديد من أنواع التربة، تعتمد سعة التبادل على درجة الحموضة. فكلما انخفضت حموضة التربة (ارتفع الرقم الهيدروجيني)، تفتحت المزيد من المواقع السالبة على المادة العضوية، مما يزيد من القدرة على الاحتفاظ بالكاتيونات. وكل ما ذكرنا موجود في نوعية التربة التي تحيط بالنقب الى مسافات مختلفة لو اخذناها بقطر يكون مركز المفاعل هو مركز الدائرة. وكما ذكرنا فان المسافات الى دول الطوق (التي تحيط بالمنشآت على مسافات مختلفة) فانها مسافات قريبة لتلويثها بما ذكرنا. ونحن نتوسع بهذا الموضوع لاهميته وتاثيراته الخطيرة حيث تهمنا سعة التبادل الكاتيوني في ان السعة العالية تعني أن التربة يمكنها التمسك بالعناصر الغذائية ومنع جرفها بواسطة مياه الأمطار أو الري. ولو اضفنا اليها ما يتعلق بالنباتات او الارض التي تزرع واردنا مثلا تسميدها فان التربة ذات السعة المنخفضة (مثل الرمل) تحتاج إلى كميات أصغر من الأسمدة على فترات متقاربة، لأنها لا تستطيع تخزين "احتياطي" كبير. يكون العمر النصفي للسيزيوم 137 حوالي 30.1 سنة وتكون طاقته الاشعاعية عالية وكذلك تاثيراته على الكائن الحي. (ربما يسأل سائل وان كان هناك البحر او غيره يعيق الانتقال عبر التربة فليس هناك خطر كبير في الانتقال عبر التربة، الجواب هو ان الاشارة الى تلوث التربة هنا وهو بنفس الفعل سيكون فيما لو تم الانتقال الاشعاعي باي صورة من صور الانتقال الى مسافات اخرى اي لو انتقل مثلا بالغباراو الامطار التي ستسقط على مساحات تبعد هذا البعد وهي محملة بالمواد المشعة لتسقط على الاراضي الزراعية في حدود مصر او السعودية او غيرها) من مواصفاته في البيئة المذكورة هو انه يلتصق بالرمال ويتحرك حركة بطيئة لكنّه يلوّث السطح لسنوات طويلة. ويمكن ان يتسرب الى داخل الارض ويفعل فعل التلوث لكل المساحة التي ينتشر فيها. وباعتبار هذا النظير احد اخطر النواتج الثانوية للانشطار النووي التي قد تصل إلى البيئة، وبسبب عمره النصفي الطويل وطريقة تفاعله الكيميائي، يكون تاثيره حينما تجرفه التربة الى باطن الارض تأثيرًا واضحًا بحيث لا يظل ذائباً في الماء لفترة طويلة. أمّا اذا وجد في غير المحيط المائي، اي في التربة الجافة او غير الرطبة فان سلوك هذا النظير يتغير بشكل ملحوظ بالمقارنة مع حالته في المحيط الرطب او في حالة الانجراف مع الماء. حيث يتحول السيزيوم في التربة الجافة من ايون متحرك الى جسيم مستقرّ أو مرتبك كيميائيا بطرق مختلفة. منها مثلا الارتباط السطحي القوي او Adsorption . والسيزيوم 137 لا يتوزّع بشكل متساو في عمق التربة المذكورة، بل يلتصق بالطبقة الخرجية الرقيقة جدا من حبيبات التربة. وهناك طريقة اخرى هي الالتصاق الفيزيائي حيث ان غبار هذا النظير ينجذب فورا للشحنات السالبة المتاحة على اسطح الطين والمادة العضوية بمجرّد ملامسة غباره او جزيئاته للتربة الجافة. ولدينا كذلك طريقة الاستقرار حيث يفتقر السيزيوم في التربة الجافة الى الوسط الناقل (اي الماء) الذي يساعده على التغلغل داخل مسامات تلك التربة، مما يجعله يتركز بكثافة عالية في المدى البسيط الذي يصل الى سنتمترات من سطح التربة. من المشاكل التي يتركها انتشار هذا النظير المشع هو خطر الغبار المشع وهو الاخطر الاكبر في الاوساط الجافة. كذلك هناك الانتقال الهوائي حيث يمكن للرياح القوية أو حركة الآليات أن تثير الغبار الملوث بالسيزيوم وتنقله لمسافات بعيدة جداً. والمشكلة الاخرى التي تتبع هذا الوضع هو ان يكون الخطر البيئي من خلال استنشاق الهواء المحمّل به بدلا من الامتصاص عن طريق الجذور حيث تكون المشكلة الكبيرة التي اشرنا اليها هو الانتقال الى الرئتين مباشرة والى الجهاز التنفسي لكل الكائنات الحية. ولنا عودة ان شاء الله تعالى.
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟