مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 18:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
من الاسئلة العميقة التي يتعرض لها الانسان، سؤال عميق جدًا يجمع بين الفلسفة والأخلاق وعلم النفس. هذا السؤال متعدد الكلمات: ما هي الحدود، اللّاحدود، والسلوك الأخلاقي، ومعنى الحرية والربط بين هذه المسميات. للتطرق الى الحدود في السلوك والاخلاق، نقول: ان الحدود هي القيود التي تنظّم الفعل الإنساني، سواء كانت: داخلية: ضمير، وعي، قيم. أو خارجية: من قانون، عرف، دين. اي انها ليست مجرد "منع"، بل هي اطار يجعل السلوك قابلًا للتعايش مع الآخرين. اما اللاحدود هو في الحقيقة الواضحة تحول سلوكي الى فوضى، يحدث بعدها التصادم بين الحريات، ثم يختفي مفهوم المسؤولية. واللاحدود في الحديث حينما يُفهم على أنه تحرر كامل من كل معيار أخلاقي، فإنه غالبًا ما يتحول إلى فوضى لغوية وفكرية. فالانطلاق المنفلت الذي يتجاوز كل الأعراف تحت شعار الجرأة أو الصراحة لا يعكس بالضرورة قوة في الفكرة، بل كثيرًا ما يكشف عجزًا عن التعبير العميق والراقي، فكلما امتلك الانسان ادوات لغوية وفكرية كافية فانه لا يلجأ الى ما يطلق عليه بالصدمة اللفظية، أو الإسفاف، أو العدوان في القول تعويضًا عن ضعف المعنى، فيبدأ بالهجوم الشخصي، ظناً منه أن ذلك يعكس شجاعة أو تحرراً. والحقيقة أن هذا النوع من الخطاب يكشف افتقاراً إلى العمق، وضحالة في الفكرة، وضيقاً في الأفق.
لذلك يصبح اللاحدود وسيلة للهروب من الجهد العقلي، لا تعبيرًا عن استقلال حقيقي. فاللاحدود، حين تُفصل عن المسؤولية، تفقد بعدها الإنساني وتتحول إلى عبء على الخطاب لا إلى قيمة مضافة له.
يمكن القول إن الحدود في الكلام ليست جدراناً تخنق الفكرة، بل جسورٌ تعبر بها الفكرة إلى الآخر بسلام. وإن اللاحدود، حين تُفهم على أنها إلغاء لكل معيار أخلاقي، لا تقود إلى تحرير الإنسان، بل إلى تفريغه من المعنى. والحرية الحقيقية في القول هي أن نملك القدرة على التعبير العميق دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نقول ما نريد، ولكن بالطريقة التي تليق بما نحن عليه كبشر. لا نقول بان الحدود هي القيود بالشكل المطلق بل نقول ان الحدود في القول تفرض على الانسان ليست على انها قيودا مصطنعة لكبح الفكر الانساني بل هي معايير أخلاقية وثقافية نشأت عبر التجربة البشرية الطويلة لحماية الإنسان من الانزلاق إلى الإساءة، وحماية المجتمع من التفكك. فعندما يتكلم الإنسان، لا يتحدث بوصفه فردًا معزولًا، بل بوصفه كائنًا اجتماعيًا يعيش ضمن نسيج من القيم والعلاقات التي يجب تنسيقها وتشذيبها مع الحفاظ على الجمالية العامة للعلاقات بين الناس. حيث ان الكلام الذي يحترم حدوده هو كلامٌ واعٍ بأثره، مدرك لمسؤوليته، قادر على إيصال الفكرة بوضوح دون أن يهدم ما هو إنساني في التواصل. لذلك وجب على الانسان الواعي ان يختار الألفاظ، ويضبط حتى نبرة صوته، ويوزنه بالمقدار الذي يجعله في تالق دائم في حديثه وصمته معا. وان يتجنب الابتذال أو الإهانة. لذلك نقول ان هذه المظاهر انما هي مظاهر لحدودٍ لا تُضعف المعنى، بل تمنحه قوةً واحترامًا. فالحدود هنا دليل نضج، لا علامة خوف. والحرية في القول ليست أن نقول كل ما يخطر لنا، بل أن نختار ما نقوله وكيف نقوله. إنها قدرة على التعبير الواعي، لا اندفاعًا أعمى. فالحرية الحقيقية لا تعني إنكار الحدود، بل فهمها والعمل داخلها بذكاء وإبداع. وإنّ الإنسان الحر هو من يستطيع طرح أكثر الأفكار حساسيةً وجرأةً دون أن يهين، وينتقد دون أن يُسقِط، ويختلف دون أن يُجرِّد الآخر من كرامته. إنّ الحرية هنا فعل مسؤول، وليست رخصة. وكلما ازداد وعي الإنسان، ازدادت قدرته على ممارسة حريته دون الوقوع في فخ الفوضى.
اريد ان انطلق لشرح بعض الحدود في القول. حينما يتكلم الانسان يجب ان يكون لكلامه حدود بحيث لا يتجاوز التقليد الاخلاقي الذي تقره كل الثقافات. حيث يمكن للانسان ان يوصل المعلومة او الفكرة دون تخطي الحواجز في الكلام. فتعبيراته بالانطلاق المنحرف يدل على عجزه في ايجاد الحلول او الكلمات التي يفتقرها(كما اشرنا آنفا).
حينما يصدر الكلام عن اللسان يكون الانسان اسيرا له. كما يقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام: "تَكَلّمُوا تُعْرَفُوا، فَإنّ المَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ". اي ان الانسان اذا تحدث عرف بما يضمره. ففي حديثه سيظهر كل ما يريد ان يظهره او بما يخبّئ في قلبه. وهنا ليست مشكلة كبيرة فيما لو تحدث بلغة مهذبة طبيعية توصف بانها تعبير عن رأي او لغة تعبير عن رأي. لقد فسر العديد من المتخصصين في مجالات السياسة والسياسة الاجتماعية او في علم الاجتماع، إنّ جوهر الإنسان، وعقله، وقدراته تُعرف من خلال منطقه وكلامه وليس بمظهره. حيث عرف هؤلاء وتطرقوا الى الحرية على انها من أسمى القيم التي سعى الإنسان عبر التاريخ إلى تحقيقها والدفاع عنها، غير أن الحرية، في معناها العميق، ليست حالة انفلات ولا دعوة إلى كسر كل قيد، بل هي ممارسة واعية تتحقق ضمن حدودٍ تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع تماسكه، وللقيم الأخلاقية معناها الإنساني المشترك. ومن هنا تبرز إشكالية الحدود واللاحدود، لا سيما حين يكون القول أداة الإنسان الأساسية للتعبير والتواصل. حيث أنّ الكلام ليس مجرد أصواتٍ تُطلق أو ألفاظٍ تُقال، بل هو فعلٌ أخلاقي قبل أن يكون فعلاً لغوياً. فالإنسان، عندما يتكلم، لا ينقل فكرة فحسب، وإنما يكشف عن وعيه، ومستواه الثقافي، وقدرته على ضبط ذاته واحترام الآخر. ومن هذا المنطلق، يصبح لزاماً على الانسان في القول أن يلتزم بحدودٍ أخلاقية تُقرّها كل الثقافات الإنسانية، مهما اختلفت ألسنتها أو تنوعت مرجعياتها. فاحترام الكرامة الإنسانية، وتجنب الإهانة، والابتعاد عن الابتذال، هي مبادئ تكاد تكون مشتركة بين جميع الحضارات. حيث ان الحدود لا يمكن ان تكون عائقا في التعبير عن اي حرية حيث ان الحدود ليست قيدا بل تشذيبا للكثير مما يتعلق بالسلوكيات اللا محترَمة واللا اخلاقية في اطار عام. اي ان ليس الالتزام بهذه الحدود قيداً على الحرية، كما قد يتوهم البعض، بل هو في الحقيقة شرطٌ من شروطها. فالحرية التي لا تعرف حدودها تتحول سريعاً إلى فوضى، والفوضى لا تنتج فكراً ولا تبني إنساناً. إن القدرة على إيصال المعلومة أو الفكرة دون تجاوز الحواجز الأخلاقية هي دليل نضج فكري ورقي لغوي، وليست علامة ضعف أو خضوع للتقليد. بل على العكس، إن اختيار الكلمات بدقة، وصياغة العبارات بحكمة، يعكس قدرة المتكلم على الإبداع داخل الإطار، لا خارجه. أما الانطلاق المنحرف في القول، حين يتجاوز الإنسان كل خطٍ أخلاقي بحجة الصراحة أو الحرية المطلقة، فإنه غالباً ما يدل على عجزٍ داخلي عن إيجاد البدائل اللغوية والفكرية المناسبة. إن اللغة الغنية قادرة دائماً على احتضان أكثر الأفكار جرأة دون الحاجة إلى كسر القيم. فالناقد الحقيقي لا يحتاج إلى الإهانة، والمفكر العميق لا يلجأ إلى الابتذال، وصاحب القضية العادلة لا يختبئ خلف العنف اللفظي. بل إن قوة الفكرة تتجلى في هدوئها، وفي قدرتها على الإقناع لا على الصراخ، وفي احترامها لعقل المتلقي لا في استفزازه. وهنا يتضح الفرق الجوهري بين الحرية والفوضى. فالحرية وعيٌ بالمسؤولية، أما الفوضى فهي هروب منها. والقول الحر ليس ما يُقال دون تفكير، بل ما يُقال بعد وعيٍ بنتائجه، وبعد تقديرٍ لأثره، وبعد إدراكٍ لحدوده. إن الإنسان الحر هو من يمتلك نفسه عندما يتكلم، لا من يفقدها. والتعبير عن اللاحدود هو تعبير عن غياب القيود او هو فعل ما نريد دون اعتبار لغيرنا. والمشكلة التي تظهر مع العديد من الناس وخاصة عند الاعلاميين والعرب والمحاورين تبرز ظاهرة اللاحدود التي تبدو او هكذا تريد القنوات الاخبارية ان تظهرها على انها حرية في التعبير (إلّا اذا مسّت الحاكم المستبد!)، لكنها في العمق هي ظاهرة نفي واقصاء للاخر والغاء واضح للمجتمع من خلال الذي يراد له ان يلغى وتظهر فيه القناة رأي من تريد ان تبرزه لنا كي يخاف ويرتبك المجتمع وتحاول ان تلغيه من خلال هذه البرامج الحوارية التي ان اطلقنا عليها باللامهنية فهي كلمة تهذيبية اقل مما يراد قوله وهو اللااخلاقية! لذلك تحاول هذه الوسائل الاعلامية الفاشلة ان تحول الانسان الى كائن دفاعي فقط فهو المتهم وهو محل التشكيك وان اظهر الاخلاق في قوله تتكالب عليه الالسن الملوثة لتكيل له الكلمات التافهة كي تخرجه عن وضعه الاخلاقي وهدوئه. ان اللاحدود ليست حرية بل هي سقوط في الغريزة وفي وحل اللاانسانية.
ان الاخلاق عموما والاخلاق المهنية خصوصا هي عملية توازن بين الحرية والحدود (اي ان لا اؤذي الناس لا في القول ولا في الفعل). والاخلاق الانسانية التي جبل عليها الانسان السوي لا تعني القمع بل هي تنظيم الحرية على ان لا تتحول الى اعتداء على الاخرين ولا على حقوقهم في العيش والتعبير. وكما قلنا ان الحرية لا تعني ان افعل ما اريد بل هي ان يكون الانسان قادرا على اختيار ما ينبغي عليه فعله. فالحرية مجموعة مكتملة من الوعي والمسؤولية والادراك للهدف من هذا، والقدرة على توجيه النفس نحو ما هو افضل. اذن يمكن القول ان هذه الحرية الفوضوية التي نراها في بعض المجتمعات والاعلام تجاه جزء ما من جهة وموجهة بشكل اقصائي لجهة مقصودة من جهة اخرى. فهي ضغط على الناس وسلب لقدراتهم وللتعبير حين الحديث عن الحاكم المستبد، وهي فلتان وتدمير لجهة معارضة لهذا المستبد. فلا هي تعبير حقيقي ولا هي فوضى حقيقية بل هي تدمير لكل قيم المجتمع واستبداد على بعض قيم المجتمع. اذن من ذلك يمكن القول ان الإنسان لا يصبح حرًا حين يزيل كل الحدود،، بل حين يفهم لماذا توجد الحدود، ويختار أن يحترمها دون أن يُجبر عليها. او بمعنى اخر نقول ان الحدود تحفظ المعنى بينما اللاحدود تذيب المعنى والاخلاق تنظّم العلاقة وتكون الحرية الحقيقية اختيار مسؤول داخل حدود واعية. من هنا نقول انّ العلاقة بين الحدود، واللاحدود، والحرية علاقة دقيقة لا تحتمل التبسيط. فالحدود تحمي المعنى، واللاحدود تهدده، والحرية هي ميزان الاختيار بينهما. وليس الإنسان حرًا لأنه كسر كل القيود، بل لأنه عرف أي القيود يحافظ عليها وأيها يتجاوزها بحكمة.
إن الكلام الحر هو ذلك الذي يظل إنسانيًا، عميقًا، ومسؤولًا، لأنه صادر عن عقلٍ يمتلك نفسه، لا عن لسانٍ منفلت منها.
Moayad Alabed
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟