مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 20:47
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
في هذا الايام الماضية كانت اعتداءات مختلفة على مناطق المفاعلات في بوشهر ونطنز في ايران من قبل الكيان، ولم يعلم عن الاضرار التي لحقت بالمفاعلين او بالمنشآت التي تحتوي المفاعلين او منشآت التخزين. مقابل ذلك قامت ايران بضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة لمناطق محيطة بمفاعل او منشأة ديمونا. وكما اشرنا في الحلقة السابقة الى ان هذه الضربات كانت مؤثرة على بعض المختبرات والمحتويات (وفقا لبيانات ايران حول هذا). اقول ان هذه الحوادث يمكن ان تدخل في قاموس المواجهة النووية بين خصمين، على انها مواجهة تهدد المنطقة، وبالتالي تهدد العالم بمسافات مختلفة عن مناطق التدمير او الاصابات. كما اشرت الى منطقة ضربات تصل الى 30 كيلومتر بعيدا عن مركز الضربة، باعتبار ان هذه المسافة او المساحة تقع ضمن دائرة مؤثرة بمختلف التأثيرات البيئية او الأحيائية عموما. وحينما تصاب منطقة المفاعلات، ويظهر فيها تسرب اشعاعي لبعض النظائر المشعة كاليود المشع الذي ذكرناه في حلقة سابقة، تقوم حينها الجهات المختصة بتوزيع اقراص ايوديد البوتاسيوم كي يتم الوصل الى حالة اشباع الغدة الدرقية باليود السليم بحيث لا تجد مكاناً لامتصاص اليود المشع إذا دخل الجسم. هذا اذا حصل بالفعل انذار لتسرب ما، قد حدث بالفعل، اما اذا لم يكن هناك اي انذار كما يحصل الان من الضربات والقصف فلا يمكن تقدير الموقف ومدى احتياج الناس لهذا. اما اذا حصل التسرب الى الماء داخل الارض والذي يحتوي على بعض النظائر المشعة فمن ضمن ما يحدث هو ان تقوم بعض هذه النظائر بإذابة المعادن الموجودة في الصخور (مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والكبريتات). لذا، غالباً ما تكون المياه الجوفية في هذه المناطق عسيرة او عالية الملوحة. اما في الحالة الطبيعية المتعارف عليها من تلوث ما، نقول قد تحتوي بعض طبقات التربة على معادن ثقيلة أو نسب عالية من الفلوريد تذوب في الماء المتسرب، مما يجعل المياه الجوفية بحاجة لمعالجة معقدة قبل الشرب. وهذا ما يمكن ان يحدث في المناطق التي تحيط بديمونا والتي لم يعلم بتفاصيل ما حدث من قبل سلطات الكيان. واذا تحدثنا عن الوضع الزراعي الذي يكون هو المورد الاساس لاستمرار الحياة فسيكون هذا صعبا للغاية. فمثلا اذا حاول الإنسان زراعة هذه الأراضي وهي مالحة بنسب معينة غير تقليدية، واستخدم الري التقليدي، ومع ارتفاع معدل التبخر، تزداد ملوحة التربة أكثر وأكثر بسرعة كبيرة حتى تصبح الأرض غير قابلة للزراعة (أرض سبخة). وهذا ما سيحصل في المنطقة رغم ان السكان الذين يعيشون حول المنطقة بمساحات متعددة هم الفئات السكانية التي تعيش في المناطق المحيطة بديمونا أو في صحراء النقب بشكل عام، هم من السكان اليهود حيث يعيش في مدينة ديمونا نفسها مهاجرون يهود من شمال إفريقيا (خصوصًا المغرب)، ومن اليمن، ومن أوروبا الشرقية وهم بضعة آلاف (وغير معروف السبب الذي يجعل الكيان يقوم باسكان هؤلاء في تلك المناطق التي تعد مناطق خطيرة لاي سبب من الاسباب المتعلقة باي نشاط نووي، فكيف اذا حصل تسرب ما او ضربت المناطق اذا ما عرفنا ان الكيان غاصب للارض ويعرف انه في حالة حرب دائم مع دول عربية واسلامية! والغريب كذلك وجود بعض اليهود من الهنود ويبلغ عددهم عدة آلاف بالرغم من العلاقات المتميزة (! هكذا) مع نظام الهند المعروف مع الكيان! هناك ايضا البدو حيث يسكنون بالقرى المحيطة بديمونا في النقب، وهم بعشرات الالاف من العرب البدو وهم السكان الاصليون للمنطقة حيث يعيشون في قرى حورة ورهط وقصر السر، وهي قرى بدوية معترف بها وهناك قرى غير معترف بها وهي حوالي 35 قرية، منها ما هو قريب من ديمونا بمسافات ليست بعيدة. وبعض هذه القرى تحاول سلطات الكيان المحتل ان تجليها عن المنطقة بعد توسعة المنشآت (!) ومنها قرية رأس جرابة. وهناك عدد من القرى مهددة بيوتها بالهدم لنفس السبب. هنا اشير فيما لو حصل تسرب فعلي لاي سبب من الاسباب فان التلوث سيسلك المسارات التالية: في مسار يطلق عليه بالترشيح العمودي وفيه يتسرب السائل لأسفل باتجاه "خزان مياه أحد الأحواض الجوفية في المنطقة". وهناك مسار الانتشار الافقي وفيه ان اذا وصل التسرب إلى مجاري الوديان الجافة خلال موسم الأمطار، يمكن للمياه الملوثة أن تنتقل لعشرات الكيلومترات شرقاً باتجاه وادي عربة والبحر الميت. وبما ان المناخ صحراوي بنسبة كبيرة منه (اي في النقب) فهذا يؤدي الى تبخر للجزء المائي الملوث بسرعة كبيرة، مما يترك الملوثات (مثل الغبار المشع أو الأملاح الملوثة) متركزة في الطبقة السطحية من التربة، وهذا يسهل انتقالها عبر العواصف الرملية. وكذلك مما يساعد على انتشار التلوث هو عامل الجيولوجيا في تلك المنطقة، لانّ هذه المنطقة تتمتع بالأحواض الجوفية الرئيسية والتي تكون عميقة جداً، مما قد يعطي وقتاً زمنياً قبل وصول التلوث إليها، لكن بمجرد وصوله، يصبح من المستحيل استخراج الماء الملوث أو معالجته. اما في الاماكن الاخرى ذات العمق الاقل فستكون التلوثات عالية.
لو تطرقنا الى سكان المناطق المتضررين من التلوث فيكون من الضروري القول انهم عدد من القبائل الاردنية من وادي عربة وبالقرب من البحر الميت وهي من العشائر المحلية بالاضافة الى وجود تجمعات سكانية صغيرة تتبع اداريا لمحافظة العقبة. وهناك مثلا قبيلة السعديين والاحيوات والعماريين والرشايدة والعزازمة وهناك قرى صغيرة تمتد بمحاذات وادي عربة وعلى الطريق المؤدي الى البحر الميت ومنها مثلا: الريشة والقريقرة وغيرها من القرى الصغيرة والعشائر الاخرى. يمكن ان تستخلص من هذا ان هذه التجمعات مهددة بتدمير بيئتها، ليس الان بل منذ فترة طويلة حيث تم انشاء المنشآت النووية في النقب ولا توجد أي مصادر تشير إلى أن كيان (إسرائيل!) قام بإبلاغ المملكة الأردنية الهاشمية رسميًا عند إنشاء مفاعل ديمونا في خمسينيات القرن الماضي، ولا عند بدء تشغيله بين عامي 1962–1964. حيث كان بناء المفاعل يتم بسرية شديدة، ولم تُكشف تفاصيله إلا بعد تسريب مردخاي فعنونو عام 1986، أي بعد أكثر من عشرين عامًا على تشغيله. ولا يوجد اي انذار او توجيه اردني للساكنين عن خطورة هذا المفاعل وعن نشاطات هذه المنشآت لان الاردن من الناحية الرسمية لم يبلغ من قبل الكيان عن اي شيء يخص المفاعل النووي المذكور (كما اشرنا). لكن المواقع الاردنية تشير الى أنّ (الأردن يملك خططًا ودراسات شاملة منذ عام 2023 حول المفاعل، تشمل نوع الوقود، اتجاهات الرياح، السيناريوهات المحتملة، وخطط الإخلاء، وذلك بناءً على مراقبة أردنية مستقلة وليس معلومات مقدمة من إسرائيل(!))(1). وهنا اقوم بتسليط بعض الضوء الى قول احد المتخصصين في هذا المجال وفيما يخص الاردنيين في تلك المناطق. حيث من الغريب ان متخصصا في المجال النووي يقول ان مفاعل ديمونا "هو محصن تحت الأرض بحوالي 50 – 60 كلم، وأن ضربه بصواريخ سطحية صعب جداً، إلا من خلال الطيران مثلما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في قصفها للمفاعلات النووية الإيرانية، وهذه الإمكانيات غير متوفرة لدى إيران، لكن في أسوء الاحتمالات لو تم ضرب المفاعل وخرجت سحابة، فإنه لن يتم حصول انفجار نووي، وكل ما سيحدث يتمثل في تطاير المواد النووية الموجودة إما في بركة أو في قلب المفاعل" وبابسط تحليل يلاحظ المرء عددا من النقاط الغريبة بالفعل من قول هذا المتخصص(!): اولا: العمق مبالغ به جدا وليس هناك عمق لمفاعل بهذا الشكل او المسافة الى داخل الارض! ثانيا: "يؤكد(!) ان إستهداف مفاعل ديمونة لو حدث لن ينتج عنه انفجار نووي وهذا غريب بشكل مقزز حيث ان الضربة لو تمت لقلب المفاعل وبنفس اللحظة التي تضرب فيها النيوترونات نوى اليورانيوم فسيتحول هذا التفاعل الى تفاعل غير مسيطر عليه وهو لعمري ما يقصد به بالقنبلة النووية او التفجير النووي!. ثالثا: يشير الى "وجود خطط ودراسات أردنية موضوعة منذ عام 2023 عن مفاعل ديمونة الإسرائيلي بالكامل، والمرحلة التي وصلها والوقود المستخدم، واتجاه وسرعة الرياح في المنطقة، والمناطق التي قد تتأثر لو تم استهداف هذا المفاعل!" كما ذكرته آنفا، علما ان الكيان لم يشر الى اي معلومة لا من خلاله مباشرة ولا من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لا يسمح لها الكيان من زيارة او حتى كتابته لتقرير للوكالة عن محتوى العمل في المنشآة. ولا اعلم من اين جاء الاستاذ المتخصص بهذه المعلومات! رابعا: بعد التسريبات التي فضحها فعنونو في ثمانينيات القرن الماضي لم يقل ان المفاعل بحثي بل اشار في اكثر من قول الى ان هناك شكوكا كبيرة عن وجود نشاط نووي بل قال ان رؤوسا نووية يبلغ عددها 200 رأس نووي آنذاك فقط، اما الاستاذ المتخصص فيقول " إن مفاعل ديمونة بحثي وحسب دراستنا هو الآن يعتبر الجيل الثالث له و محصن تحت الأرض"! خامسا: يقول ان " في الاردن 30 محطة رصد اشعاعي ويتم مراقبة الوضع ساعة بساعة، وفي حال حصل اي تغيير سيتم تطبيق الخطط الموضوعة بالتعاون مع المركز الوطني للامن وادارة الازمات" اي بعد حدوث التسرب من مفاعل بحثي (!!!). بل ويقول "نحن في الأردن في مأمن وبعدين 20 – 30 كلم عن المفاعل، كما وأن أكبر نقطة تأثير للسحابة تبلغ ما بين 5 – 10 كلم، مشيرا إلى أنه لو خرجت سحابة فإنه لن تتأثر بها أي مدينة أو نقطة تجمع سكانية في المملكة، لكن قد تتأثر بشكل بسيط منطقة جنوب البحر الميت بطول 6 – 7 كلم وهي غير مأهولة بالسكان(!!). لا تعليق من قبلي لانني اشرت الى الكثير من المعلومات التي لا تتفق مع قول الاستاذ المتخصص! علاوة على ما تذكره المصادر العلمية والجغرافية عن السكان والمفاعل (من خلال التسريبات التي سربها فعنونو لا اكثر!) والتي تتعارض مع قول الباحث المذكور ورئيس وكالة الطاقة الذرية الاردنية. بينما المعروف عن ان المياه الجوفية تحت النقب تتحرك غالبا باتجاه الشرق اي نحو وادي عربة والبحر الميت، وبالتالي ستسحب التلوث الى الاماكن المذكورة والتي يعيش عليها العديد من السكان ومازالوا. ولم يعلمنا المتخصص هل له علاقة في مجال المراقبة الاشعاعية مع سلطة الكيان حيث ان هناك مجسات للرطوبة في التربة ولهم معلوماتهم حول كمية التلوث والتسريبات الاشعاعية ولكن لا توجد اي معلومات عند السلطات الاردنية حول هذا فكيف يكون التعامل للمعالجة اذا وصلت بالفعل الملوثات الى الاراضي الاردنية حينها تكون الكارثة! خاصة اذا ما حصلت السيول بفعل امطار قوية وشديدة فانها تقوم بكنس سطح التربة لتسيل في الوديان لتصل الى الارض الاردنية، خاصة اذا ما علمنا ان تربة اللوس قد يبقى فيها التلوث كامنا لسنوات ثم يتحرك فجأة مع اي فيضان واحد كبير. ولو تم هناك بعض من تعاون بين الاردن والكيان مثلا، فان تطهير التربة في النقب عملية معقدة جدا بسبب طبيعة المناخ الجاف وتركيبة التربة كما اشرنا سابقا. لكن حسب تصريحات المسؤولين الاردنيين فلا تعاون بين المتخصصين في الاردن وبين أؤلئك في الكيان. ولو اجريت عملية تطهير فلن يصرّح بها الكيان لان ذلك سيكشف كل النوايا من تصنيع وتقنيات نووية لان الملوثات ستدفن في اماكن معينة ومنها ذلك الماء الذي يضم الملوثات المشار اليها حيث توضع هذه المياه في حاويات محكمة الإغلاق وتوضع في مواقع دفن النفايات الخطرة (مثل موقع "رمات هوفاف" القريب من ديمونا). وقد اشرنا الى احتمال دفن شيء من ذلك في الاماكن التي دخلها جيش الكيان في المناطق العربية ان كانت في فلسطين او لبنان او سورية او حتى بعض الاماكن التابعة للجزيرة العربية. اما فيما يتعلق بالعدوان الجديد الذي قام به الكيان مع امريكا والذي استهدف مصنع لانتاج الكعكة الصفراء في اردكان بمحافظة يزد، فيكون بحق تعمد واضح لتدمير المنطقة التي يسكنها الناس على ابعاد مختلفة. وقد اشار مساعد وزير الخارجية الايراني الى ان غروسي لم يقم باي عمل مفيد بشأن ايران بل حذّر من قول غروسي (مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية) بان تدمير القدرات النووية الايرانية لن يكون الا بحرب نووية! حيث يعتبر هذا التصريح تصريحا استفزازيا الى درجة كبيرة! كذلك هناك تعرض عدواني فعلي لمحطة خنداب النووية في المحافظة مركزي رغم التصريح بعدم وجود تسرب اشعاعي للمنطقة او للسكان، لكن الوضع يبعث على القلق. ولنا عودة ان شاء الله تعالى.
د.مؤيد الحسيني العابد
Moayad Al-Abed
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
طوقان: دراسة أردنية كاملة لمفاعل ديمونة والمرحلة التي وصل إليها – هلا اخبار
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟