مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 18:13
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
اشرت الى مصدر ما في الحلقة الماضية من هذه السلسلة، لا اعلم موثوقيته للدقة في القول، لكن الكلام يمكن ان يكون معقولا الى درجة يمكن ان يكون متوافقا مع استنتاجاتي التي كتبتها والتي تتوافق مع الجوانب العلمية المتعلقة بالموضوع الاساس وهو التلوث الناتج عن الضربات النووية او الضربات التي توجه الى تلويث المنطقة بهذه الملوثات النووية. اقول ان الامر لا يتعلق بنوعية الضربة بل بما تنتجه هذه الضربات من تلوث لكل البيئة بكل صنوفها وتقسيماتها. هذه البيئة التي يمكن ان تكون بالقرب من المفاعل او على ابعاد مختلفة منه، يكون حينذاك الضرر حسب الاسباب التي ذكرناها مرارا: منها قدرة المفاعل وكميات الوقود المستخدم ونوعيته وانظمة السيطرة على كل مفاصل المنشآت بتفاصيلها. كما يعتمد على نوعية المفاعل التي كلما تغيرت كلما تغيرت بعض انظمة التعامل مع الحوادث وفق الهندسة الموضوعة. وكذلك من العوامل في هذا الاتجاه هو نوعية التعرضات لهذه المنشآت من ضرب اي قصف او تسرب بفعل متعمد او غير ذلك. وهناك العديد من العوامل. لكن هنا اشير الى تلك المفاعلات التي قيد الاشارة والبحث وهي مفاعلات ايران ومفاعلات الكيان المحتل لارض فلسطين. وكذلك لاي نشاط نووي في دول تقع تحت الضربات المستمرة للاسباب المعروفة.
تحتوي منطقة النقب على العديد من المنشآت السرية التي لا يعلم نشاطها حتى اقرب الناس في المجالات العسكرية. ان كان الامر هكذا من اين لك معلومات تتهم بها الجانب الاخر؟! من حقك ان تسأل هذا السؤال، ومن حقي اجيبك وفق التصورات التي املكها يا ايها العزيز! ان للخبرة حقا لنا وعلينا، فقد عملت مع الكثير من الاستنتاجات في هذا المجال، خاصة وان المنشآت التي تعمل، انّما تعمل بنفس الطرق الا من تلك الحلقات التي يحوّرها صاحب التحوير لغايات باتت معروفة وهي استخدامات منحرفة لتلك الطاقة بحجة حماية النفس والمجتمع وهي في الحقيقة تدمير مبرمج للمجتمع عموما!
لقد قام الكيان المحتل لارض فلسطين، بضرب مناطق حساسة في ايران بحجج واهية وقد اكدت في مقالات عديدة من الناحية العلمية التقنية الى ان اي بلد لديه القدرة على تصنيع ما يشاء من استخدامات الطاقة النووية للاغراض العسكرية وهي ليست بالصعبة كما هو معروف بعد اجراء التخصيب لليورانيوم الى نسب متقدمة تقترب من التسعين بالمئة، بينما ايران اكدت اكثر من مرة الى ان النوايا غير موجودة آنذاك لاي تصنيع لسلاح نووي باي شكل من الاشكال، وفيها فتوى من قبل مرشد الامة آنذاك بتحريم اي استخدام عسكري للطاقة النووية، بينما لم يقم الكيان باثبات ما يمكن اثباته لبراءته (!! هكذا) من السعي الى تطوير مختلف الاسلحة النووية. حتى باتت القدرات فوق طاقة تحمل المنطقة التي تعجّ بالسكان. فلو حصل اي تسرّب اشعاعي فستكون الخسائر كارثية على المنطقة عامّة وعلى المناطق المحيطة بالمنشآت النووية خاصّة.
والان لنكمل الحديث عن الوضع الخاص بهذا التلوث الذي يعتقد ان يكون كبيرا في الحالات التي ذكرت سابقا. فيما يتعلق بالاضرار الفنية التي تحدث في منشآت ديمونا بهذه المواصفات التي ذكرناها سابقا، والتي ذكرها المصدر السابق(!) حيث أشار المصدر الى انّه بالفعل قد حدث تدمير ما لغرف التشفير الرقمي وقد حصل ايضا تدمير لرادارات الإنذار المبكر من طراز "توباز"، بالإضافة لتدمير مهبط مروحيات الطوارئ التابع للوحدة (669). ومن الاضرار التي حدثت او يعتقد انها حدثت، او قد تحدث في الضربات القادمة فيما لو سارت الامور بتصعيد بالاتجاهات السابقة، او بتصعيد باتجاهات اخرى جديدة بحيث يكون التركيز على المباني التي تخص كل الاتصالات (قد اشار المصدر السابق الى هذا) أو اي جزء مؤثّر يتعلق بهذه الاتصالات.
لا شك ان سكان المنطقة او ما يحيط بها سيعاني من معاناة مستمرة على النطاقين القريب والبعيد زمنيا. فاذا حصل التسرب الاشعاعي، كغيمة اشعاعية في حالة العصف الاول او في حالة العصف التالي ما بعد احتراق مواد معينة فيها من الاشعاع الاولي او الثانوي سيكون هناك تعرض للاشعاع خلال الفترة الزمنية بسبب وجود مثل هذه الغيمة الاشعاعية او ما بعد تحركها الى اماكن اخرى وما تركته من آثار على الهواء والماء والارض في تلك المنطقة المشار اليها. ان الذي يحدث بعد ذلك هو تسمم اشعاعي حاد في الموجة الاولى، وان يكن تعرض لمدى طويل سيكون تسرب الى الغذاء والماء كما اشرنا مما يسرّع من الاصابة بالسرطان بانواعه حسب العضو الممتصّ للاشعاع او المتعرض له، علاوة على الانتقال الى المستوى الاخطر في ضرب الجينات الوراثية بعد حين. مما يجدر الاشارة اليه، ان اي ضربة من الضربات ستلحق خسارة من نوع معين، إلّا تلك التي تأتي على المفاعل بشكل مباشر، فإنّ القصف سيأتي ليس على المواد التي تحوي النظائر المشعة فقط، بل الى سيؤدي الى احتراق مواد كيميائية عديدة، منها ما تستخدم لأغراض متعدّدة داخل المنشأة او خارجها. واذا تعرّضت تلك المواد الواقعة بالقرب من المفاعل فستحوّل المحيط الى محيط ملوّث بيئيا ـ كيميائيا او الى تلوث بيئي وكيميائي. اي ان الذي يحدث هو، ان الانفجار (ان يكن انفجارا للمفاعل او بالقرب الشديد منه فسيحدث ما نطلق عليه بالوضع الجديد للمفاعل. حيث يكون قد وصل الى حالة عدم السيطرة على الخطوط الدفاعية للمفاعل، اي يكون العمل بدون مضخات وبدون وسط تبريد، اي يتحول المفاعل من آلة لإنتاج الطاقة إلى كتلة حرارية مشعة لا يمكن كبحها إلا بمعجزات هندسية خارجية أو انتظار استقرار الكتلة المنصهرة بعد تدمير المحيط.
سيؤدي هذا الوضع الى انتشار واسع من نوع يسمى بالانتشار الميكانيكي والحراري. اي ستتحول التاثيرات الى تاثيرات القنبلة القذرة، اي ان التفجير والاحتراق يعملان كأداة لنشر المادة المشعة. بدلاً من أن تظل المادة في مكان واحد محكم، ستقوم الطاقة الناتجة عن الانفجار بتحليل النظائر المشعة إلى نواتج انحلال وفق نوعية النظير المتهيّج وغير المستقر، حيث هناك جسيمات الفا وبيتا وغاما ويمكن ان تتحرر نيوترونات من خلال ما يتسرب من قلب المفاعل في حالة من حالتين: احداهما حينما يضرب القلب فتخرج النيوترونات، وفي حالة ثانية حينما تصاب قضبان السيطرة او منظومة متعلقة، مما يؤدي الى عدم قدرة المبردات على تبريد او سحب قضبان السيطرة فتزداد التفاعلات وتزداد كمية النيوترونات المتحررة من قلب المفاعل.
تيارات عاصفة!
حينما يحصل بالفعل قصف للمنطقة بحيث يؤدي ذلك الى تسرّب الاشعاع، هنا قد تحدث تيارات آنية بفعل العصف فيؤدي ذلك الى انتشار الغبار المشع الى مسافات او مساحات اوسع. وان يكن المناخ هو من يساعد على الانتشار بمعزل عن العصف سيكون هذا الانتشار اكثر شدة من الانتشار العادي، قياسا من نقطة الانفجار أو من مركز الدائرة التي يكون فيها الانفجار او نقطة التاثير الاشد هي النقطة التي نحسب من خلالها المسافات، التي ستكون بالاتجاهات المختلفة، مما يؤدي إلى توسيع دائرة الخطر. تجدر الاشارة الى ان هناك تلوث اشعاعي داخلي وخارجي. اي ان المشكلة الكبرى هنا ليست في وهج الانفجار، بل في كيفية تفاعل الجسم مع هذه النظائر: حيث يكون التلوث الخارجي من خلال تساقط الغبار المشع على الجلد والملابس (رغم سهولة تنظيفه بالغسل الا انه يكون اكثر خطورة اذا تم استنشاقه او بلعه، كما سيأتي). اما التلوث الداخلي (الأخطر) فيعني استنشاق الدخان المحمل بالنظائر أو تناول طعام ملوث بها. بمجرد دخول النظير المشع (مثل السيزيوم-137 أو السنترونتيوم-90) إلى الجسم، فإنه يستقر في الأنسجة أو العظام ويستمر في إطلاق الإشعاع من الداخل، مما يسبب أضراراً جسيمة للحمض النووي DNA وزيادة مخاطر السرطان على المدى البعيد. ومما لا شك فيه فان المناطق التي توجد فيها المفاعلات المشار اليها في مقالاتي كلها، تمتلك من المواصفات البيئية العديدة التي اذكرها هنا. في حالة وجود الاثر البيئي طويل الامد، فذلك الاثر يعتمد على مدى الخطر الذي تسببه النظائر التي يكون لها اعمار نصفية مختلفة، كل حسب زمن تاثيره واقصد ذلك النظير الذي ظهر من خلال الاحتراق الذي حصل لاي سبب من الاسباب التي ذكرتها. إذا كان للنظير عمر نصف طويل، تظل المنطقة الملوثة غير صالحة للسكن لفترات قد تمتد لعقود (كما حدث في بعض المناطق المحيطة بـ "تشيرنوبل" نتيجة الحريق الذي أعقب الانفجار، أو ما حصل لتلك المنطقة التي لوثها القصف الامريكي لمناطق عديدة في العراق في التسعينيات من القرن الماضي، الى مرحلة سقوط النظام السابق، ومن قبله عدوان الكيان المحتل لفلسطين، على مفاعل العراق في التويثة والذي ترك آثارا كبيرة من التلوث لمناطق واسعة وقد اشرت الى تفاصيل ذلك في مقالات حول التلوث الاشعاعي في العراق بسبب العديد من الاعتداءات)، وكما ذكرنا فيما يتعلق بالنقطة الاخرى وهي ان تترسب الجزيئات المشعة في التربة وتنتقل إلى المياه الجوفية والدورة الزراعية. من المهم توضيح سوء فهم شائع: احتراق المواد المشعة هو تفاعل كيميائي (تأكسد) لا يغير من طبيعة النواة الذرية، أي أن الإشعاع لا ينطفئ بالنار، بل تظل المادة مشعة كما هي ولكن في صورة فيزيائية مختلفة (غبار بدلاً من كتلة صلبة). أما الانفجار النووي فهو تفاعل فيزيائي يغير هوية الذرة ويطلق طاقة هائلة. وهنا قد وصلنا الى المستوى الخطير في ان منظومة الامان الموجودة قرب المفاعل قد تهددت وربما قد دمرت تلك المنظومة التي نطلق عليها“Engineered Safety Features (ESFs)”.
إنّ من المشاكل العويصة التي يعاني منها العاملون في المجال هي مشكلة تهديد امن المفاعل، اي خروج منظومة الامان القريبة عن السيطرة كما قلنا، بسبب تضرر المفاعل او الوعاء الذي يحتوي المفاعل بل وحتى يمكن ان يتضرر بالارتجاجات او الاهتزازات، التي تحدث بسبب الضربات القريبة او الواقعة ضمن التاثير السلبي الذي يضعضع جدار المفاعل او جدران بعض الحاويات الاسمنتية التي تحوي او تخزّن المخلفات او الوقود الاشعاعي. أو يصيب ضرر ما من خلال اي سبب بفعل الضربات او الارتجاجات التي ذكرناها لاجهزة او انظمة الغلق التلقائي وهي كلها تكون قريبة للمفاعل (في يوم الاثنين الماضي بتأريخ 23 آذار) اعلنت هيئة الطاقة الذرية الايرانية ان مقذوفا اصاب محيط محطة بوشهر النووية مساء، وهذا يعني ان هناك امرا ما قد حدث ولو بتاثير معين، وهناك دليل على ان امريكا والكيان يريدان تنفيذ تهديدات مستمرة للمناطق الحساسة والمتعلقة بالمفاعلات النووية او المنشآت التابعة او التي تضمها! واليوم الاربعاء (الخامس والعشرين من آذار، اعلن مدير وكالة الطاقة الذرية الى ان هناك بعض الاضرار قد لحقت بمنشآت ايران النووية لكنها لا تزال تمتلك قدرات نووية!) لذلك فيجب التدخل الفوري ان استطاع العاملون المتخصصون ملاحقة الوضع والسيطرة الوقتية على المنظومة. وان لم يكن هناك امكانية للسيطرة فيجب اخلاء المنطقة كلها على الفور. كذلك من ضمن ما يمكن ان يصيب البيئة من كوارث من خلال ضربات او تسريبات باي فعل ما، هو تضرر كذلك أنظمة التبريد الطارئ للمفاعل ECCSفيما لو حدث ارتفاع حرارة يهدد الوقود. إنّ هذه الانظمة تكون داخل مبنى الاحتواء او على مسافة مترية بسيطة منه، اي ان الضرر الذي يلحق بالمفاعل سيلحق بهذه الاجزاء او الانظمة المذكورة، باعتبار ان زمن الاستجابة حرج جدًا. وهناك ما يمكن ان يحسب له حساب مهم في حالة الاصابة او بسبب التسرب الاشعاعي، تلك الاصابات التي تحدث لانظمة تنقية الهواء الداخلية Filters & Scrubbers والتي تشمل الكربون المنشّط ووحدات احتجاز الغازات النبيلة. وهذه الانظمة كلها تكون قريبة من منظومة المفاعل لانها تقوم بتنقية الهواء داخل غرفة الاحتواء وتمنع انتقال المواد المشعة الى الخارج. فاذا تضررت هذه فان المواد المشعة ستأخذ طريقها الى المحيط الخارجي بسهولة. ومن المشاكل التي احدثت العديد من الكوارث للبيئة هي اصابة وحدات معالجة المياه الملوثة داخل المنشأة، وهي انظمة ازالة اليود وازالة السيزيوم وفصل الغازات. فاذا ما اصيبت فان ذلك يسبب خروج الماء الذي لم يعالج وتسربه الى المناطق الخارجية، وهو كما قلنا يكون محتويا على الكثير من المشعات او النظائر المشعة او اي ملوثات اخرى. اما اذا تناولت الضربات مناطق بعيدة عن المفاعل وهي منظومة تكون مسؤولة عن حماية البيئة والسكان وادارة الانبعاثات طويلة المدى ومنها مثلا مراكز المراقبة الإشعاعية البيئية Radiological Monitoring Stations والتي يتم وضعها على بعد 500 متر و 1 كيلومتر ثم 5 كيلومتر. فستكون المشكلة اعقد بسبب تضرر من هي مسؤولة عن الحماية! التي يمكن ان تنشر على مسافات تصل الى 30 كيلومتر، وهي مراكز تراقب وترصد اي اشارة محتملة للتسرب.
د.مؤيد الحسيني العابد
Moayad Al-Abed
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟