مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 16:21
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
لقد قلنا فيما يتعلق بالسيزيوم، ستكون هناك مشكلة كبيرة فيما لو انتقل الى البيئة بشكل او باي طريقة ليلوّث البيئة باشكال التلوث المتعددة. لكن التربة والاجواء المحيطة تلعب دورا مهما في زيادة او قلة هذا التلوث فيما لو استثنينا خواص النظير المشع. اي لو ثبّتنا خصائص النظير وعملنا على شرح البيئة بنوعيتها والمناخ وما الى ذلك من العوامل المؤثرة فيجب ان نشير الى ان منطقة انشاء المفاعلات النووية تفحص بشكل كبير ودقيق ويقرر ما اذا كانت المنطقة مناسبة من جميع الوجوه وعلى راسها الامان النووي والامن النووي كذلك. لذلك فالمنطقة التي يطلق عليها بمنطقة الانشاء كانت ومازالت تعتبر من المشاكل التي تعاني منها بعض الدول التي لا تتوفر فيها مثل هكذا ارض وتربة مناسبة. وقد اشرنا الى بعض المعلومات فيما يتعلق بالتربة الطينية والصخرية في مقالتنا السابقة حول منطقة مفاعل ديمونة او المنشآت التابعة له. وقد اشرنا الى ما يمكن ان نقول ان هذه السنين الطويلة منذ انشاء المفاعل لم يُزَر ولم يُفتّش ولا يعلم احد بما يجري هناك الا من تلك المعلومات التي اثارها فعنونو الذي كان يعمل في المفاعل في ثمانينيات القرن الماضي. لكن من المنطقي ان نقول الان يمكن ان يكون مجرّد تخزين المواد المتفاعلة وما نتج عنها من يورانيوم مخصّب ومن اسلحة نووية ومتفجّرات يكفي لابادة المنطقة بما فيها من احياء لو قدّرنا وحسبنا منذ عام انشاء المفاعل في التاريخ الذي ذكرناه الى الان. ومما يثير العجب هذه الاستفزازات المستمرة لكل من يمتلك نشاطا نوويا وان يكن للاغراض السلمية، من قبل الكيان لتلك الدول، باعتبار ان هذا النشاط يثير الشك وتظهر الاتهامات من قبل الكيان لتلك الدول ومنها ايران التي تعرضت مفاعلاتها الى اكثر بل الى جولات مستمرة من التفتيش ولم يثبت اي شيء مريب عليها ومن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما ترى الكيان ينشط في معاقبة الدول وباساليب القتل والاغتيال للعلماء وللباحثين وكذلك ملاحقة التقنيات المستوردة من خارج الدول. وتاريخ الكيان حافل بهذه الجرائم. بينما نلاحظ ان كل ما يتعلق بمفاعلاته او منشآته من ديمونا الى حيفا الى كييف (في اوكرانيا كمختبرات وغيرها في هذا الجانب والتعاون الوثيق بين هذه السلطة الحاكمة في كييف والكيان) الى مناطق اخرى في العالم حافلة بالتلويث والتطوير لاسلحة فتّاكة ضمن التقديرات العلمية التي تنشر، فقط التي تنشر وليس اكثر من ذلك. وقد تحدّثنا عن تربة المنشآت ونكمل الان فيما يتعلق بنظير السيزيوم والنظائر المشعة الاخرى التي تنتج عن التفاعلات النووية في ديمونا وفي غيرها من الاماكن.
هناك بعض مناطق التربة (بوجود بعض مناطق من الطين بنوعيات ما، منها الإليت والفيرميكوليت) قرب تلك المنشآت التي ذكرناها، تمتلك خاصية تشكّل الطبقات في حالاتها الجافة، حيث تتقلص هذه الطبقات وتطبق على أيونات السيزيوم الموجودة بينها، مما يؤدي إلى ما يسمى "التثبيت المحكم". هذا يجعل السيزيوم جزءاً شبه دائم من بنية التربة، بحيث يصعب جداً إزالته حتى لو هطلت الأمطار لاحقاً، مما يقلل من احتمالية امتصاص النباتات له ولكنه يبقي التربة نفسها "مشعة". ففي التربة الجافة (وهي موجودة كذلك في المنطقة) يظل السيزيوم محبوسا على السطح وفي التربة الرطبة (وهي موجودة كذلك في اماكن اخرى قرب المنشآت) ينتقل هذا النظير المشع عموديا نحو الاسفل مع الماء. ويكون الامتصاص النباتي لهذا النظير المشع عاليا لانه ذائب في محلول التربة. ومن جهة التلوث بهذا النظير يكون في المياه الجوفية عاليا وكذلك للمحاصيل النباتية ويكون التلوث للهواء عبر الغبار المشع كما ذكرنا. ومن المشاكل الكبيرة في التعامل مع التلوث بهذا النظير هو حينما يتغلغل الى الاعماق فلا تكون طريقة تنظيفه سهلة ابدا. وان يكن التلوث على سطح التربة يمكن ان يقشط شيء من هذا السطح ولكن ان يكن بمساحات واسعة تتعقّد العملية اكثر وتكون التكلفة المالية اعلى. اما اذا انتقل بفعل الرياح الى مناطق اخرى والى مسافات ابعد، كما يمكن ان يحصل بانتقاله الى حدود مصر والجزيرة العربية فستكون العملية اعقد ان تم العثور على شيء يدلل على سرعة الاستجابة او الاشارة الى وجود هذا التلوث ولا اعتقد ان لو حصل هذا التلوث سيخبر الكيان السلطات المحيطة به! وهناك مشكلة اخرى ان لو كان هناك تشابه كيميائي بين بعض النظائر في التعامل مع المحيط كالنباتات مثلا او الحيوانات كما يحصل ذلك التشابه الكيميائي ما بين نظير السيزيوم والبوتاسيوم مثلا، ستكون مشكلة كبيرة اخرى، حيث تكون هناك أخطاء فسيولوجية ترافق نمو الجذور النباتية بحيث تمتص السيزيوم 137 من التربة ظنا منها انه البوتاسيوم الذي يعتبر عنصرا غذائيا رئيسيا لها. حينها ينتقل السيزيوم من الجذور الى الاجزاء الصالحة للاكل في النباتات مثل الثمار والحبوب والاوراق فيحصل ما يعرف بالتراكم الحيوي. وما يحصل مع الحيوانات حيث تتغذى الابقار مثلا على هذه النباتات ينتقل هذا السيزيوم الى لحومها والبانها ثم الى الانسان. اي ان العملية تكون عملية انتقال ضمن السلسلة الغذائية، حيث يكون التلوث قد شمل النباتات والحيوانات ثم الانسان لتتعقد العملية اكثر واكثر. ناهيك عما يحصل من تلوث طويل الامد بالسيزيوم والذي يجعل العملية اخطر لو علمنا ان هذا النظير لا يتحلل حيويا بل يختفي فقط عن طريق الانحلال الاشعاعي. وهذه العملية في انتقال هذا التلوث عبر فترات زمنية طويلة يكون مختلفا عن الانتقالات التي تحصل بفعل الملوثات الكيميائية العادية. بسبب هذا اللا تحلل لهذا النظير. من المميزات التي يتميز بها هذا النظير انه يصدر اشعاعات غاما القوية مما يعني انه حتى لو ظلّ في التربة ولم يمتصه النبات فانه يمثل مصدر اشعاع خارجي يبقى مضرا للطبيعة بكل انواعها. ولو القينا نظرة على الفترة الزمنية التي يبقى فيها على سطح الارض ملوثا للتربة وما عليها، لعلمنا كم هو خطير، حيث يحتاج الى قرابة 300 سنة ليقل نشاطه الاشعاعي الى المستويات الامنة. اي يأخذ حوالي عشرة اعمار نصفية لهذا النظير المشع. ولو اجرينا مقارنة الان مع ما موجود في منطقة المنشآت المذكورة وما تسببه من تلوث لعلمنا لماذا يمنع الكيان الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التفتيش حتى على المنطقة المحيطة بالمفاعل او بالمنشآت المذكورة. حيث يعتقد ان هناك بالفعل قد حصلت طفرات جينية للعديد من النباتات والحيوانات بسبب هذه الاشعاعات المتسربة والتي تؤدي من ضمن ما تؤدي اليه هو تقليل الخصوبة في الكائنات الحية والديدان وبالتالي سيؤثر على الدورة الطبيعية للحياة في هذه المنطقة والمناطق التي يصل اليها الاشعاع او التلوث عموما.
هناك من النظائر المشعة الخطيرة كذلك نظير السنترونتيوم 90 وهو نظير انشطاري مهم بيولوجيا، حيث يكون له سلوك في الرمال، حيث يشبه هذا النظير الكالسيوم كيميائيا حيث لا يلتصق بشدة مثل السيزيوم لكنه يذوب في الماء بشكل جيد. ويتحرك في التربة بسرعة متوسطة ويمكنه الوصول الى المياه الجوفية في حالة مساميتها العالية. وتكمن الخطورة في ان هذا النظير سيتركز في العظام بدلا من الكالسيوم وتكون الخطورة كبيرة جدا. اذا ما علمنا ان عمره النصفي يكون 28.8 سنة. اي ان الانتقالات الجينية ستكون حاضرة لاربعة او خمسة اجيال ان لم تكن اكثر. اي ان النظير اذا ما تركّز في العظام فانه يعمل طوال هذه الفترة وبنفس الخطورة حتى يصل الى وضع الامان. اي بعد اكثر من 270 سنة فما فوق قليلا. وكما هو معروف عن هذا النظير انه من أخطر النواتج الثانوية للانشطار النووي، وحينما ينتقل الى المحيط الخارجي وبمجرد دخوله إلى الجسم عبر الغذاء أو الماء، يعامله الجسم كأنه كالسيوم. وهناك احتمال ان يستقر كذلك في الاسنان كما استقر في العظام الاخرى في جسم الكائن الحي. ومن الخطورات الاخرى انه يصدر جسيمات بيتا عالية الطاقة فيكون هناك اشعاع داخلي اي داخل جسم الكائن الحي. فيؤدي ذلك إلى تدمير الخلايا المجاورة، مما يسبب سرطان العظام وسرطان الدم (اللوكيميا) نتيجة تضرر نخاع العظم المسؤول عن إنتاج خلايا الدم. وان هذا النظير ينتقل عبر المشيمة من الأم إلى الجنين، كما ينتقل عبر الحليب، مما يهدد بنمو غير سليم للهيكل العظمي لدى المواليد. اما في السلسلة الغذائية فله دور خطير اخر، حيث ينتقل عبر ما يسمى بـ التضخم البيولوجي. ففي النباتات تمتص هذا النظير من التربة الملوثة عبر الجذور أو من خلال التساقط المباشر على الأوراق. وتاثيره على الحيوانات يكون عند تناول الماشية للأعشاب الملوثة، فيتركز العنصر في عظامها، والأخطر من ذلك أنه يتركز في الحليب، وهو الطريق الرئيسي لوصوله إلى الإنسان. ولو وصل الى الانهر والبحيرات السمكية التي توجد في اكثر من منطقة فانه يتركز في القشور والهياكل العظمية للأسماك، مما يؤثر على التوازن البيئي البحري. اذن من ذلك نستنتج الى ان نظير السنترونتيوم 90 يبقى نشطا في التربة لعقود يؤدي من ضمن ما يؤدي الى تسمم التربة حينما يتراكم ويغيّر الخصائص الحيوية للتربة، مما يجعل المحاصيل الناتجة عنها مصدراً دائماً للإشعاع بدلاً من الغذاء. اي ان هذا النظير من خطوراته المعروفة هو خداعه للأنظمة البيولوجية؛ فهو لا يمر عبر الجسم كفضلات، بل يُبنى داخل النسيج الحيوي كجزء من الهيكل العظمي، مما يجعل التخلص منه طبياً أو بيئياً عملية بالغة الصعوبة.
هناك من النظائر التي تتسرب الى المحيط هو نظير اليود 131، حينما تتعرض منطقة المفاعل او محيطه وزعزعة المفاعل او غير ذلك من المؤثرات بسبب القصف او الانفجار في المنطقة.
يعتبر اليود 131 من النظائر سريعة الانحلال وهو من النظائر الشائعة في محطات الطاقة النووية. فلو تسرب الى المحيط الخارجي ووجود التربة التي وصفناها قرب ديمونا وما حولها، يكون قابلا للذوبان ويتحرك بسهولة في المياه الجوفية ويمكنه الانتقال عبر الهواء كذلك حيث انه يتبخّر بسهولة. لكنّ عمره النصفي قصير جدا، حيث يبلغ عمره 8 ايام فقط اي انه يختفي خلال اسابيع بعد ان يفعل فعله في الطبيعة. لكن يجب ان نشير الى ان تربة اللوس التي تتضمنها منطقة النقب يمكن ان يحصل لها جريان سطحي اكثر من التسرب بسبب ظاهرة القشرة في تلك التربة وحينما تكون الامطار غزيرة، فتكون هناك جريانات للمياه، ووجود كذلك المناطق الجبلية فان الجاذبية تدفع هذا الماء نحو الوديان وربما يتركّز احيانا في مناطق معينة. وان ندرت النباتات في منطقة ما وهي موجودة بالفعل في اماكن على ابعاد معينة من المنشآت، فان هذا الوضع يؤدي الى زيادة سرعة ارتطام الماء بالارض مما يعزز انغلاق المسامات الارضية وبالتالي يكون الانتشار لهذا النظير وغيره سطحيا (اي على السطح). وفي المناطق الصحراوية، تتبخر كميات هائلة من المياه قبل أن تصل للأعماق، وهذا يؤدي لنتائج عكسية. فعندما يتبخر الماء السطحي، يترك خلفه الأملاح التي كان يحملها وهي التي تحتوي على ذلك النظير المشع. مع مرور الوقت، تتكون طبقة ملحية بيضاء على السطح أو في الطبقات القريبة منه. اي ان النظير ولو ان عمره الزمني قصير فانه سينتشر خلال ايام عمره في مساحات واسعة على سطح الارض. وهناك خاصية مهمة كذلك تعمل على قتل النباتات هي الخاصية الشعرية، حيث في فترات الجفاف، يتحرك الماء المتبقي في باطن الأرض نحو الأعلى (عكس الجاذبية) ليتبخر، ساحباً معه الأملاح من الأعماق إلى منطقة جذور النباتات، مما يقتل المحاصيل الحساسة. وهذا يحصل خلال فترة قصيرة تتناسب مع الفترة الزمنية التي يعمل فيها اليود 131.
يعتبر اليود من النظائر ايضا الخطيرة الا انّ خطورته تتركز في الهجوم على الغدة الدرقية. وهي الغدة المسؤولة عن امتصاص اليود من الدم لإنتاج الهرمونات. عندما يتسرب اليود المشع اليها لا يستطيع الجسم ان يميّز ما بين اليود الطبيعي واليود المشع فتقوم الغدة الدرقية بامتصاصه وتركيزه بداخلها. يصدر اليود المشع 131 اشعة بيتا واشعة غاما، وحيث انه يتركز في مساحة صغيرة (الغدة)، فإن الإشعاع المركز يؤدي إلى تلف الخلايا، مما يسبب سرطان الغدة الدرقية أو قصوراً حاداً في وظائفها. وهنا ينبغي ان نشير الى ان الاطفال هم الاكثر عرضة للخطر بسبب كون الغدة الدرقية لديهم اصغر واكثر نشاطا مما يجعل الإشعاع لكل غرام من الأنسجة أعلى بكثير منها عند البالغين، وهذا ما لوحظ بشكل مأساوي بعد كارثة تشيرنوبل. ولو حصل في مفاعل ديمونة ليس فقط ذلك القصف او الانفجار المتوقع بل هناك احتمال لاي تسرب باي سبب من الاسباب فان المشكلة ستتجاوز كارثة تسرنوبيل بسبب القدرة العالية في مفاعل ديمونة والقدرات المجهولة الاخرى التي لا يعلمها اي من المتخصصين لا في المجال الامني ولا في المجال البيئي او الصحي ولا حتى الوكالات الدولية المعروفة، كل باختصاصها، تعرف ذلك.
وكما قلنا يتميز اليود 131 بسرعة انتقاله في البيئة، مما يجعل خطره "حاداً ومكثفاً" في الأسابيع الأولى من التسرب (وفق العمر النصفي له). ولو تسرب هذا النظير كغاز أو هباء جوي، فيسقط على المراعي والمزارع. وحينما تتناوله الحيوانات (ايضا) كالابقار والاغنام عن طريق الاعشاب الملوثة فسينتقل النظير المشع المذكور الى حليبها والذي يعتبر السبب الاساس او المصدر الرئيس لدخوله الى اجسام البشر وخاصة الاطفال. وهناك خطورة قد اشرنا اليها وهي خاصيته الغازية وقابليته للذوبان فانه ينتشر بسرعة عبر الرياح والامطار مما قد يلوث مناطق واسعة بعيدة عن موقع التسرب الاصلي. كذلك هناك نوع من المخاطر فيما يتعلق بامتصاص هذا النظير المشع من قبل الطحالب والنباتات المائية مما يؤدي إلى دخوله في السلسلة الغذائية البحرية، رغم أن تأثيره يقل بمرور الوقت بسبب تحلله الإشعاعي السريع. وسنعود الى المزيد ان شاء الله تعالى.
د.مؤيد الحسيني العابد
Moayad Al-Abed
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟