مؤيد الحسيني العابد
أكاديمي وكاتب وباحث
(Moayad Alabed)
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 14:07
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
عند الحديث عن انظمة حكم تتحكم برقاب الناس يقفز مباشرة الى ذهنك انك تكره هؤلاء لسبب يتعلق بنفسك او مصلحة لك قد تضررت! وفي الحقيقة ليس من هذا ابدا! فلذلك يكون من المهم توضيح بعض الامور المهمة بعد ان قرأت الكثير من لاعقي صحون الحاكم حينما يكتبون عن انبياء وليس عن حكّام فاشلين غير مقتدرين على السير قدما في السلوك العام للحاكمية المطلوبة.
واقول هنا: تعتبر الفلسفة الرواقية او Stoicismمذهبا من المذاهب الفلسفية التي وجدت او نشأت في اليونان القديمة، حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، أسسه الفيلسوف زينون الرواقي ثم تطورت على يد فلاسفة مثل سينيكا وابيكتيتوس والامبراطور ماركوس اوريليوس. حيث يقوم هذا المذهب الفلسفي على مبدأ بسيط لكنه عميق حيث ينص او من ضمن ما يؤكد عليه هو قول: ركّز على ما يمكنك التحكم فيه، وتقبّل ما لا يمكنك التحكم فيه. اي ان الموازنة في السلوك الرواقي هي حالة التمييز بين ما نتحكم فيه وما لا نتحكم فيه. هو التوازن في القدرات والتوازن في الامكانيات. وقد وردت مثل هذه التوازنات في بعض الايات القرآنية ولو بمعنى اخر لكنها تشير الى صفة التوازن والتي يشير اليها قول الرواقيين ولو بمعنى اخر الا من التوازن. فمثلا في الاسراف تشير الاية في سورة الفرقان في الاية 67 الى القول:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
ولو حللت المعنى في التوازن سيكون لديك ما تستطيع ان تتحكم به في عقلك الراشد الذي يعطي ولا يسرف ويوازن في الصرف دون التقتير او البخل. وهنا يكون الحديث للاشارة لا اكثر من خلال التوازن الذي يشير اليه الرواقيون. حيث يشيرون الى ان لدينا العديد من الافكار والقرارات والافعال التي نتحكم فيها ولنا القدرة على السيطرة عليها وبين ما لا نتحكم فيه كالاحداث الخارجية وافعال الاخرين، الحظ، المرض والموت (لا تقل لي بان لا علاقة مع الاية في هذا الجانب، واقول قلت لك عن التوازن ليس الّا!) وهنا يسرد المذهب عددا من الموازنات بين الجهتين منها: لا تدع ما لا يمكنك تغييره يسيطر على مشاعرك.
ما الغاية من هذه الافكار الواقعية ان وضعت على ورق او في مكان ما؟ ان الغاية الاساسية هي التدوين والتقوية لهذه الافكار في وضعها في الذهن او في المكان كي تتفاعل وتتحول الى مبدأ انساني للعاقل. حيث ان الفضيلة من وجهة نظر هذا المبدأ هي اعلى قيمة، وان الخير الحقيقي هو الفضيلة فقط والتي تشمل الحكمة والشجاعة والعدالة والاعتدال. لكن بسبب طغيان سوء السلوك وما هو اخطر من ذلك، والمقصود به التزلف والتلون والتطفل على الاخرين والفضول القاتل الذي يقتل صاحبه من الهم والغم، هي التي تحول الانسان من الفضيلة الى الاتجاه المعاكس. حيث ان السعادة الانسانية لا تاتي من الشهرة والمال اللتين تطغيان على الكثير من الناس بسبب الابتعاد عن الفضيلة والابتعاد عن حسن السلوك والعقلانية الى الاتجاه الاخر. وربما يسأل الانسان عن اي رواقية تتحدث وما هي الا قمع المشاعر؟ اقول لا، فالرواقية والمنطق العقلي يحيلك الى مفهوم مهم هو التنظيم باستخدام العقل الراجح بحيث يسيطر على الغضب والخوف وهما عاملان خطيران في سلوكيات الكثير من الناس ومنهم من يتحكم في رقاب الناس كونه حاكما لمجموعة او سلطة او دولة ما. وبالتالي حري بهذا ان ينتبه الى قوله وفعله واشاراته في الحديث والسلوك والسيطرة على من هو في معيته. حيث من خلال الانتباه والسيطرة يستطيع ان يجنّب كيانه او دولته من خسائر ربما تاتي عليه نفسه في اخر المطاف كما حصل مع بعض الساسة والحكام الذي انتهوا الى مهاو سحيقة من الذل والهوان ناهيك عن الذكر المشؤوم حيث ورود اسمه او فعله!
فمن المهم ان يكون ذكيا فطنا يقوم بتكييف وضعه مع الواقع دون المساس بمبادئه الانسانية والتي تنسجم مع طريق الحق الذي يرضي الضمير الحي ويرضي السماء. حيث يقوم بهذا التكيف من خلال تقبّل الظروف، ويعتبرها جزءا من نظام الكون الذي يسير بخطى علمية تصدر من عقل اسمى واعلى هو خالق هذا الوجود وهذا الكون المنظّم. لكن هذا لا يعني ان يخضعك الواقع الى ان تكون بلا جدوى، اي ان وجودك او عدمه سيّان. كما ان الانسان العاقل يعيش وفق القوانين الطبيعية دون المساس باحجار التكوين المبدئية التي يكون هو جزءًا منها ومن اوتادها ان سار على النهج الصحيح. اي ان الانسان السوي يعيش وفق العقل والمنطق وهما اللذان يميزانه عن باقي الكائنات. فاذا دخلت في تجربة ما وفشلت فيها فمن الصلاح والعقل والمنطق ان لا تنهار ولا تغضب او قل بمعنى اخر: وازن وقس نفسك هل تستطيع ان تسيطر على غضبك ولا تتحول الى كائن اخر بعيدا عن انسانيتك. فتسأل نفسك: هل بذلت جهدك للوصول الى نتائج جيدة وباقل خسارة ان وجدت احتمالية الخسارة. وتنتقل في لحظة الوعي الى صفحة من نوع: ما الذي يمكنني تحسينه لتكون النتيجة القادمة افضل وازكى؟ اي تتقبل النتيجة وتعمل على تطوير نفسك. ففي كل مرة تقوم بتحديث -Update-لاي سلوك مع المقارنة مع النتيجة لغاية التطوير والتحديث. ففي اجهزتنا نقوم بهذا او هي مبرمجة على ان تقوم باي تحديث ان وجد الجديد الاكثر تطورا. فمن ضمن ما يقول الرواقيون مثلا: حياتك هي نتاج افكارك كما يقول ماركوس اوريليوس. او كما يقول ابيكتيتوس: ليس ما يحدث لك هو المهم ، بل كيف تتعامل معه؟
واليوم في موضوعي هذا جئت بآراء بعض الرواقيين لاهميتها، حيث اصبحت الرواقية مهمة هذه الايام التي اثبتت الاحداث الاخيرة ان الحاكمية في العديد من الدول تحتاج الى هذا المنهج او لبعض ما يتطرق اليه الرواقيون. فهم ونحن نحتاج الى تقليل التوتر والقلق من المستقبل، ونحافظ على التوازن النفسي ليس بالخداع الذي يتبعه بعض الحكام للتغطية على الفشل والنكوص بالغناء والرقص (كالطير يرقص مذبوحا من الالم!)، بل بمواجهة الازمات بثبات، كل انواع الازمات ويكون الحاكم صريحا مع شعبه وان اخطأ يقول انا المخطئ ويطلب السماح ان سامحه الشعب فيمضي في طريق الحكم لقيادة الناس وان كان لا، فينسحب بهدوء ان كان سويا من البشر اصحاب العقل والمنطق والرجاحة. وهنا اشير الى ما يتطرق اليه الرواقيون من خلال: (اياكِ اعني واسمعي يا جارة!). فنقول قبل فوات الاوان في العديد من الدول في المنطقة، والى الحاكمية المسيطرة على رقاب الناس: تحكموا بذاتكم واسعوا الى الفضيلة والهدوء والنقاش الهادئ مع كل معيتكم بل ومع الشعب عموما بلا تكبّر وبلا تسلط فارغ. وربما يسأل احدهم بلا تفلسف! (بلغة العاجز عن اي تغيير والهروب الى ساحة الاعتماد على ذات شريرة تقوده الى الهلاك كحاكمية تلك الدول!). اقول في علم النفس الحديث والذي اهمله الحاكم وتمسك بسفسطائيات السياسة وتشويش المقربين، ثلّة التأثير على قرارات الحاكم، ان الكثير من هؤلاء يحتاج الى العلاج المعرفي السلوكي الذي ينسجم مع الكثير من آراء الرواقيين، ليكون هذا العلاج من اهم انواع العلاج النفسي في الوقت الحالي. فيتطرق هذا النوع من العلاج الى ان: "الاحداث لا تسبب مشاعرنا بل تفسيرنا للاحداث هو ما يسببها" وهذا ما يتطابق مع رأي إبيكتيتوس الذي يقول"الناس لا يضطربون بسبب الأشياء، بل بسبب آرائهم عنها". كما يتجاهل الحاكم ما نقول الان ليفسر قولنا باننا نكرهه ليشعر بالحزن والحقد علينا ليقوّض ما نقول ويجيّر ذلك باننا نبغي اسقاطه ليس الا، لانه منقذ الامة من ضلالها! وقد بُعث سيدا ليدير الدولة او المجموعة الى برّ الامان! لذلك فالرواقية تطالبنا بتغيير طريقة التفكير هذا وباسلوب علمي واقعي حديث. فلنبحث عن ادوات جديدة فعّالة لادارة الامور قبل ان تفلت الى الفوضى والاناركية. يجب ان لا يركّز على فقدان السلطة حينما يكون في طريق التحديث والصراحة والصدق، ويركّز على: ماذا لو فشلت في اقناع الناس؟! فوجب هنا عليه ان يقلل الخوف ويزيد من استعداده للتحديث والمضي قدما الى الامام للبناء بتصميم عال وواقعي وصادق. لذلك يجب ان يكون من بعض صفات الحاكم السياسي او من يتحكم برقاب الناس أن تكون لديه المرونة في تدريب عقله على تقبل المخاطر وتقليل القلق المفرط. اما المواطن العادي فيجب عليه ان لا يركّز في تغيير الحاكم قبل ان يعطيه الفرصة للتصحيح ان استطاع وان كان صادقا في النية والتعبير والسلوك الصحيح. حيث يمكن للمواطن ان يغيّر من ردات فعله بين فترة واخرى لحين اتمام الفرصة لهذا المتحكم برقاب الناس وليس لفترة زمنية مفتوحة. ويضع مع افراد المجتمع اساليب صحيحة وحديثة لتحسين الاداء وتطوير مهارات الحاكم ان قبل ان يشاركه الاخرون في ذلك والا فهو غير سوي وليس بعاقل، خاصة اذا لم يتحكم بانفعالاته وينقل هذه الانفعالات الى ساحات المواجهة على مستوى افراد الامة بملايينها وبالتالي ستكون الحروب والاشتباكات كما يحصل الان من قبل رئيس دولة انتقل مع معيته الى حالات خطيرة من امراض وسلوكيات ادت وتؤدي الى مشاكل على مستوى العالم امنيا واقتصاديا وبشريا ومن معه من حاكم لكيان متعطش للدماء وبعقد غريبة! فهذا الخليج يريك العجب من سلوكيات الحاكم وهذا المتعطش للدماء ماذا فعل ويفعل بغزّة وفي لبنان وغيره. فلو كان المال خارج سيطرتك جزئيا فاخلاقك وسلوكك هما تحت سيطرتك. فهؤلاء الذين لا يتحكمون باخلاقهم ولا بسلوكياتهم ولا يراجعون اخطاءهم الماضية فهم كارثة على الشعوب وعلى العالم كله. فمن يقوم بدوره الاكمل لتخليص الناس من هذه العقليات البائسة وتخليص العالم من هؤلاء المضطرِبين والمضطرَبين؟!
Moayad Alabed
#مؤيد_الحسيني_العابد (هاشتاغ)
Moayad_Alabed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟