أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مزهر جبر الساعدي - صدمة واقعية تماما















المزيد.....

صدمة واقعية تماما


مزهر جبر الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


وسط السكون والصمت في الغرفة التي جعلت رئاسة تحرير الجريدة منها، أو شغلتها الصفحة الثقافية حسب توزيع غرف البناية على صفحات الجريدة من قبل رئاسة التحرير؛ انتهيت من تدخين سيجارتي والتي دخنتها بعد شرب قدح من الشاي الساخن. ألتفت الى حسن الذي بدى مشغولا جدا في قراءة وتصحيح النصوص قبل دفعها الى النشر. سألته
: حسن، ألم تنته.
رد مبتسما كما هو ديدنه دوما.
:- اياد، دقائق وسوف انتهي من التصويب اللغوي لهذه القصة، وهي أخر مادة. هذا اولا وثانيا، زميلنا محمد، صاحب الدعوة التي تفضل ودعانا فيها الى الغداء، قبل مغادرته الى مقر الصحافة، بمناسبة قبول والد نوال خطوبته لها؛ لم يأت بعد.
: حسن، لقد اتصلت به، محمد، قبل دقائق، حين كنت في مكتب رئيس التحرير، قلت له نحن في الانتظار.. اجابني
:- خرجت توا من مقر الصحافة، الاجتماع استغرق ما يقارب الساعتين. دقائق وسوف أكون عندكم. ثم سألني
:- هل انتهى حسن من التصويبات اللغوية للنصوص التي وردت الى الصفحة الثقافية في الجريدة. اذا انتهى منها، قل له؛ ان يدفعها الى النشر. قلت مع نفسي قبل ان اجيبه.. محمد، لم يتغير ابدا. حتى وهو مشغول في اعمال أخرى، في الاعداد لمراسم خطوبته، ومشاغله في نقابة الصحافة كونه عضوا في المكتب التنفيذي للنقابة؛ كما هي عادته دوما في الدقة والتدقيق والتنفيذ. في كل عملي في الصحافة الثقافية منذ تقريبا ربع قرن، لم الاحظ أي مسؤول ثقافي، عملت معه؛ اكثر حرصا من الصديق محمد على الرغم من انه لازال شابا، من المؤكد قلت لنفسي؛ سيكون في الزمن المقبل قامة من اهم قامات الثقافة في العراق. ثقافة واسعة، عميقة، متواضع، شفاف، ذوق رفيع، طيبة، أنسان، اضافة الى انه بارومتر زئبقي حساس للعدالة والظلم الذي تطالب العدالة بإزالته، وتخليص الناس من ثقل وطأته عليهم، على هذه الصفحة التي يرأسها..
:- اخر نص، قصة قصيرة على وشك الانتهاء منها. هذا هو ما قاله لي حسن قبل ثواني. اجبته.
قلت لحسن مستفهما، وأنا أراه غارقا في اخر نص، لم يلتفت، لم يشرب قدح الشاي الذي ظل كما هو على الطاولة، لم يدخن على غير ما اعرفه عنه من شراهة التدخين. النص كان قص قصير. ارسلته له من بريد الجريدة الى الحاسوب خاصته، قبل ساعات، عبر اثير المترين اللتان تفصلنا عن بعض. لكنه انشغل عنها بأمور أخرى، قصائد، مقالات نقدية، وامور تنظيمية أخرى. الى ان بدأ بها قبل نصف ساعة وربما اكثر او اقل. كنت أتأمله عندما بدأ بها.. رأيته بعد دقيقة قد تغيرت ملامح وجهه، تقطيب، تقلصات في الوجنتين والحاجبين.
:- حسن؛ اشعر انك مهتم جدا بهذه القصة القصيرة، تشعرني بأهميتها وأنت تقرأها.
:- اياد، صديقي، اولا انها قصة ناجحة جدا، ناضجة، لغتها محلقه، تحمل فكرة عميقة قالتها حروفها من دون ان تقولها.
:- عليه ومن باب هذا القول عنها؛ جعلتني ارغب بقراءتها، على عجل، قبل ان يصل محمد الى الجريدة، او قبل ان تدفعها الى النشر مع بقية النصوص.
:- انها طويلة، اكثر من 200كلمة. لقد انهيت التصحيح اللغوي لها. ثانية وسوف ارسلها الى حاسوبك. فتحت حاسوبي.. بدأت بقراءتها..
عدت الى الوطن من المنافي بعد الاحتلال الامريكي لوطني. أحلم بالحرية. لكنهي اصطدمت بواقع مغاير تماما وكليا لهذا الذي كنت يوما أحلم به. لكني مع كل هذا الذي صدمني ظللت اواصل حلمي بالتغير بقوة واصرار عنيد لا هوادة فيه، بالحروف وبالكلمات؛ علها تشق دربا الى جميع ما كانت أحلم به، لعدة سنوات. مرت عليَ عدة اشهر. حين دخلت في السنة الثانية لعودتي، اول يوم من السنة الثانية لرجوعي، في الرابع من اغسطس اب؛ في ظهيرة ذلك اليوم، في الطريق الى مقر سكني، على طريق محمد القاسم السريع؛ اوقفت سيارتي سيارة أخرى، اعترضت طريقي. ملثمون قاموا بإخراجي من سيارتي. اقتادوني، معصوب العينين الى جهة مجهولة. وضعوني في بيت يبدوا مهجورا، اذ، تأكد لي، من ذلك حين تركوني وحيدا بعد ان احكموا اغلاق الباب الخارجي للبيت، رفعوا الخرقة التي كانوا قد اغلقوا عينيَ بها، مع انهم لا حاجة لهم بها، فقد وضعوني في صندوق السيارة. عندما دفعوني الى داخل بيت، واغلقوا الباب وراءي. ظللت لدقائق لا أرى شيئا في البيت. بعد هذه الدقائق تعرفت على البيت. شكلت لي هذه المعرفة صدمه. هزت اعماقي هزا عنيفا لا رحمة فيه. بدأت أفتر فيه، في البيت المتواضع. ثم اخذت استرجع ما مر عليَ وانقضى من زمن بعيد جدا. استحضرته ذاكرتي من غياهب ليل مظلم. كنت وحيدا للعائلة، لم يكن لديَ، لا اخوات ولا اخوان. اشعرتني الجدران والسقوف والارضية بأنها قريبة مني. صاح ابوي على امي
:- سعديه يا سعديه، احضري بسرعة الأكل، أنا جوعان، تعبان، عملي في المجزرة متعب كما تعرفين. سعيد اين هو؟
:- يقرأ بالكتب، في غرفته، من الصبح.
نظرت الى الغرفة خاصتي؛ تأملتها مليا. كانت ايام عدة خوالي لزمن بعيد قد مضى، بل هي عدة سنوات؛ كنت أقرأ في هذه الغرفة. قرأت فيها كل ما كتبه دوستوفسكي، ونجيب محفوظ، ومحمد خضير، وفؤاد التكرلي، وعبد الرحمن منيف، وجبرا ابراهيم جبرا، وأخرون. أسمع صراخ اطفال وهم يلعبون في الشارع. اصوات المارة تصل إليَ، على الرغم من انهم قد اغلقوا الباب المطل على الشارع بأحكام، والشبابيك ايضا التي كانت مصبوغة بلون داكن جدا، لا يتسرب منه أي حزمة ضوء الا خيوط شفيفة لنور باهت جدا، حتى بدت الغرفة على الرغم من انها تطل على الطريق كأنها غارقة في العتمة مع ان خيوط الضوء الشفيفة تسبح فيها مما جعلني بعد دقائق من وجودي فيها؛ أبصر كل زاوية فيها. كنت أرى اثار ابويَ في الغرفتين الوحيدتين في البيت. أسمع صوت اباي وهو يصلي الفجر في الغرفة التي تقع الى جانب غرفتي، لا يفصل بينهما سواء ممر يسع لمرور شخص واحد. في ذلك الفجر البعيد لم أنم في كل الليل الذي مر عليَ. كانت فكرة ان أهاجر تقض مضجعي، إنما، كنت قد عقد العزم على ان أرحل. فقد رتبت كل شيىء، لم يبق لي الا التنفيذ بعد يومين على اكثر احتمال. ان الذي اوجعني كثيرا وكثيرا جدا، اولا ما هي الطريقة التي بها أبلغ ابوي بها، اباي وامي بما عزمت عليه؟ وثانيا، كيف أتركهما يعيشان لوحدهما؟ من ثم قر قراري بعد ان فكرت به، الليل كله حتى انبلج فجر اليوم التالي؛ ان أبلغ عمي الذي يسكن على مقربة من بيتنا، ثم ان عمي يعرف وضعي تماما، ويعرف ما ينتظرني قلت لنفسي، وأنا يسمع او يتناهى إليَ تهدج ابوي في هذا الفجر الملبد بغيوم الخوف والتوجس والرعب مما سوف تأتي به كل القادمات من الايام. طالما قرأت وقد امنت في الذي قرأته؛ ان للمكان روح لا تختلف عن الروح البشرية. في ثنايا كل حجر وكل الابواب والشبابيك والحديد والفضاءات التي يحدد مساحاتها ومعالمها المكان؛ تحمل روح جميع الذين سكنوا فيه؛ أمالهم، طموحاتهم، عواطفهم، حبهم لبعضهم البعض، نقاشاتهم، انسجامهم، خلافاتهم، كلها تتحدث للذي يدخل فيه، في هذا المكان. وهو يستعد للخروج في هذا المساء قبل الغروب بقليل؛ رأيت ابي وهو يخرج من الحمام البدائي والبسيط، والماء لايزال يقطر من لحيته التي غزاها الشيب. قال لي
:- سعيد؛ الى اين العزم؟ الامتحانات قريبة، أقرأ دروسك.
في هذه الثانية ابصرت في زاوية الغرفة كارتون تغطيه الاتربة. فتحته واذا به يفاجئني، فقد كان ممتلىء بكتبي. وأنا أتصفح الكتب خاصتي؛ طقطق الباب الخارجي. قلت لذات نفسي
: يظهر انهم قد جاءوا.
رن تلفون حسن الذي نظر الى شاشة التلفون ومن ثم قبل ان يجيب، قال
:- انه محمد. داس على مربع الاجابة الاخضر
:- نعم محمد، لماذا تأخرت
:نعم..............................................................................
...................................................................................
ألتفت حسن الى صديقه وزميله اياد، عندما انتهى من المكالمة، قائلا بألم ووجع لا حدود له
:- لقد اختطفوا محمد، تركوا سيارته قبالة جامع النداء مع جميع ما تحمل من اغراضه بما فيها تلفونه. ان هذا التصرف من قبل الخاطفين بترك كل حاجاته بما فيها تلفونه؛ يثير الخوف، الخوف على حياة محمد..
كاتب وقاص



#مزهر_جبر_الساعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايران: تغييرات القيادة الايرانية استعدادا لمواجهة طويلة
- الهجرة: الاسباب والدوافع الداخلية والخارجية
- ايران: الانطلاق نحو المستقبل
- اتفاقية مكة: وراءها ما وراءها
- الثاني من اب: خطيئة ام خطايا الدكتاتورية
- ربما تأتي رياح الحرب الامريكية على ايران...
- الحرب الامريكية على ايران: تعدد الجبهات للزمن القليل المقبل
- الحرب الامريكية على ايران: الخاتمة اتفاق نهائي
- الاتفقيتان النوويتان بين امريكا والسعودية:
- في ظل الغياب التام لأي دور...
- دوافع قادة ايران الى مغامرة خطيرة بالسيطرة على مضيق هرمز
- في ذكرة ثورة الرابع عشر من تموز مرة اخرى
- الحرب الاوكرانية:
- في ذكرى ثورة 14 تموز المجيدة:
- التطورات الاخيرة في الصراع الامريكي الايراني:
- اصلاح الاوضاع في العراق:
- العلاقة الامريكية الاسرائيلية:
- الصبر والصود صنعا لإيران الانتصار
- المباحثات الامريكية الايرانية..
- ايران وامريكا: يقتربان بعد شهرين من الاتفاق النهائي


المزيد.....




- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
- فرقة موسيقى الميتال -ديمون هانتر- ترفع دعوى قضائية ضد نتفليك ...
- في -عش العُقاب-.. رحلة إلى قلعة أَلَموت معقل -الحشاشين- الحص ...
- بعد 15 عاما من الغياب.. -عودة الأصالة- من قلب دمشق
- ريدلي سكوت يبحث عن الأمل بعد نهاية العالم في فيلم -نجوم الكل ...
- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...
- بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع ...
- -الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا ...
- سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي ( ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مزهر جبر الساعدي - صدمة واقعية تماما