مزهر جبر الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 03:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
( الهجرة: الاسباب والدوافع الداخلية والخارجية)
ليس سهلا على الجل الاعظم من الناس؛ ان يتركوا بلدهم الذي نشأوا فيه وقضوا زمنا ليس بالقليل من حياتهم فيه؛ بل هو اصعب كثيرا مما يتصور الكثير منا؛ فهم في هذا سنسلخون تماما من الناحية الواقعية عن كل هذا الذي عاشوه وتعايشوا معه وفيه، حتى تضيع منهم هويتهم الوطنية، على الرغم من ان الكثير من الذين هاجروا لازالوا يعتزون بها. ان هناك حتما اسباب ضاغطة عليهم، هي التي دفعتهم الى الهجرة، و اكرر ما اقصده هنا؛ هو الجل الاعظم من البشر، وليس كل الذين هاجروا فهناك من رغب لأسبابه الخاصة في الهجرة وترك مختارا بلده وموطن ولادته والوضع الاجتماعي والانساني الذي عاش فيه ردحا ليس بالقليل من الزمن من حياته. ان تقريبا اغلب الهجرة هي من دول العالم الثالث، ومنها، بل هي في اولها الاوطان العربية، اضافة الى افريقيا وامريكا الجنوبية. ان اغلب الوجهة في هذه الهجرات هي الى دول الاتحاد الاوربي وامريكا. ان دول الاتحاد الاوروبي كما تعلن صحافتها ومسؤولوها؛ ان هذه الهجرة تشكل مشكلة لهذه الدول في العقد الاخير من القرن العشرين والى الآن من سنين العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، على عكس ما كان من الهجرة في القرن العشرين، فقد كانت هذه الهجرة؛ مرحب بها من دول الاتحاد الاوروبي وامريكا، فأنها اي هذه الهجرة في وقتها اعني القرن العشرين كانت محصورة في حملة الشهادات العلمية العليا، ومن المؤهلين فنيا لحاجة الشركات الاوربية ومؤسساتها الاكاديمية والتعليمية لخدماتهم بفعل قلة القوى العاملة سواء الفنية او الاكاديمية بالقياس الى حاجة تلك الشركات والمؤسسات التعليمية في ذلك الحين. لكن في القرن الحادي والعشرين وفي العقد الأخير من القرن العشرين؛ كان زخم الهجرة بمئات الالاف، الاغلب منهم ليسوا مؤهلين ومن حملة الشهادات العلمية والانسانية، مما شكل ضغطا على دول الاتحاد الاوروبي وعلى امريكا. السؤال المهم هنا وهو ايضا الاخطر والاهم انسانيا؛ ما هي الاسباب والدوافع الداخلية، المحلية لهذه الهجرة:-
اولا، قلة فرص العمل، الفوضى والاضطراب في بلدانهم، الاقتتال الداخلي في أوطانهم. الحرية الشخصية تكاد تكون معدومة في اوطانهم. ضعف الخدمات التي في البعض من دول العالم الثالث وفي اولها الاوطان العربية باستثناء دول الخليج العربي، والتي في بعضها تكاد تكون معدومة، او كأنها لاتزال تعيش في خمسينيات القرن العشرين.
ثانيا، تعشش الفساد المالي والاداري في البعض من هذه الدول. تناحر القوى والاحزاب السياسية في هذه الدول التي يتسيد فيها او على مقاليد امورها ثلة من الفاسدين الذي يفتقرون، او ليس في اذهانهم خطط علمية وعملية لوضع برنامج واضح وعملي في احداث تنمية حقيقية وواقعية لتطوير وزيادة وتوسعة الانتاج من ناحية ومن الناحية الأخرى؛ لاوجود للتنمية البشرية اي تنمية مؤهلات وتطوير قدرات البشر كي يساهم مساهمة فعالة في التطور على مختلف الصعد. ان حدثت في القليل من هذه الدول، العراق على سبيل المثال لا الحصر؛ فهي عشوائية غير مقيدة الحدود والاعداد والحقول بما يتناسب مع خطط التطوير التعليمي وحاجات القاعدة الصناعية والزراعية وغيرهما مما لاوجود واسع لهما؛ مما يزيد اعداد البطالة منهم زيادة مهولة وهائلة ممن يبحثون عن غد امن ومستقر. أذ، لا يحصلون عليه في اوطانهم؛ فيبحثون عن مخرج للخروج الى حيث غاية ما هم يبحثون عنه في انتظارهم..
ثالثا، الحروب الاهلية او الصراعات مع الدول المجاورة، وفي الحالتين هي حروب تم توليدها في الدهاليز المظلمة.
السؤالان المهمان؛ هو من يقف وراء كل هذا الانحدار، وبالذات والحديث هنا ليس عن عقد او عقدين، بل عن قرن كامل مضافة له عقدين ونيف من القرن الحالي؟ السؤال الأخر وهو ايضا سؤال اكثر اهمية وخطورة من الاول؛ لماذا لاتزال البعض وهم الاكثر من دول العالم الثالث ومنها الدول العربية باستثناء دول الخليج العربي، وربما دول المغرب العربي باستثناء ليبيا؛ متخلفة عن ما يجري حولها في العالم من التنمية سواء البشرية او ايجاد قاعدة صناعية وزراعية ناهيك عن التنمية في حقول الذكاء الاصطناعي والذي يعتبر ثورة صناعية في العصر الحديث لا تقل عن الثورة الصناعية الاولى والتي غيرت تغيرا كليا البشرية وعلى جميع الاصعدة؟ لماذا تشهد كل دول العالم المتقدم تطورا مذهلا وسريعا وعلى مختلف الصعد وفي مقدمتها؛ تطورات الذكاء الاصطناعي، مما جعل منها مراكز جذب لفقراء العالم الثالث بحثا عن الحرية والعيش الرغيد وعن الامان وليس الامن؟ حتما هناك اسباب لها توليداتها بقصدية او من دونها؛ سواء كانت داخلية وخارجية:
اولا، الاسباب الداخلية والتي تتركز في النظم الدكتاتورية وهيمنتها الطاغية والاستبدادية على دفة الحكم وعلى الشعب في اخضاعه الى المراقبة والتضييق عليه لناحية حرية الرأي والعيش اذا كانوا معارضين يتم حرمانهم بمختلف الطرق عن فرص العمل والعيش حسب مؤهلاتهم سواء الاكاديمية او الفنية او الانسانية. مما يدفعهم الى الهجرة، اعني هنا هو البعض منهم وليس كل من هاجر فهناك من هاجر كرغبة في التغيير والدخول في اجواء وفضاءات العالم المتقدم، الذي يمنحهم واقصد حملة المؤهلات العلمية العالية؛ كل ما يحلمون به او ترغب انفسهم وعقلوهم فيه. ان جميع الانظمة الدكتاتورية لا تجنح الى حل المعضلات او التمردات للبعض من القوميات او من الاقليات القومية، التي تعيش تاريخيا ضمن جغرافية البلد المحكوم بالنظام الدكتاتوري؛ بالتفاوض والحوار في ايجاد حل لتلك المطالب وهي حتما مطالب مشروعة؛ كالحكم الذاتي الحقيقي وليس الصوري، والمساهمة في صنع قرارات الدولة سواء في برامج التنمية، او في غيرها. ان انعدام هذه الحلول يفتح كل الابواب في التدخل الخارجي في تأزيم الوضع حتى يدفع الجميع النظام والاقلية الى المواجهة العسكرية والتي تتدمر فيها جميع جسور التفاهم والالفة والتعايش السلمي. مما يساهم في حفر مساحات واسعة يتخندق فيها طرفي الحرب او الصراع. هذا يؤدي الى ان تتضيق مساحة الحرية ومساحات او فرص التنمية الحقيقية امام الناس في السلم الاهلي وفي الامان العام والشخصي. ان هذه الحروب او الصراعات وغيرها مما يقع في عين الخانة؛ هو الذي يدفع الناس الى الهجرة، هجرة وطنهم على الرغم مما تسببه للبعض منهم لاحقا في المستقبل من وجع وألم سواء وجع الغربة او ألم الانفصال عن الذات الجمعية، والتشظي النفسي الذي يقود الى سيكولوجية تتصارع مع ذاتها في احيانا وللبعض في صراع مرير داخلي بين المورث في العقل والنفس الذي حدد معالم الشخصية وجوهرها بكل ما تحمل من سلوكيات وتصرفات ومواقف وأراء تتقاطع مع الحاضر الزمكاني الذي يعيش فيه بكل ما فيه من سلوكيات وتصرفات ومواقف وأراء مما يؤدي الى الاضطراب الداخلي مع انعدام الوضوح في رؤية الاوضاع سواء الاجتماعية او السياسية، المقصود هنا هؤلاء الذين اجبرتهم ظروف اوطانهم على الهجرة وليس من خطط لها وهو ريعان شبابه. هؤلاء يختلفون كليا عن غيرهم المجبرين.
ثانيا، الاسباب الخارجية والتي تتداخل كليا مع الاسباب الداخلية في عملية تخادم من الطرفين على طريقة تلاقي الاسباب والاهداف بطريقين مختلفين من حيث النوايا والغايات، وعلى مسار واحد. في هذا كان قد لعب دورا كبيرا جدا واساسيا الكيان الصهيوني في اثارة الحروب سواء الداخلية الاهلية، او الحرب بين دولتين بطريقة لم يظهر فعل مفاعيله على سطح الاحداث. ان هذه الصراعات او الحروب الداخلية منها والخارجية هي في خدمة اولا مصانع السلاح سواء الامريكي او الاوروبي او غيرهما. كما ان هذه الحروب او الصراعات تقلص تقليصا يكاد يكون كليا من فرص التنمية وبالتالي تكون على حساب بناء قاعدة صناعية وزراعية. هنا يظل البلد الذي دخل في الفوضى والاضطرابات الداخلية او الحرب مع الجوار يحتاج تماما او اكثر من 70% من حاجات شعبه الى ما تنتجه مصانع العالم المتقدم. مما يقود بالنتيجة الحاكمة الى زيادة مهولة للبطالة وبالتالي تتقلص كل فرص التقدم على الصعيدين الشخصي والعام، في المقابل تشتغل مصانع العالم المتقدم بكل طاقاتها الانتاجية. يصاحب او يرافق كل هذا الذي سردته هذه السطور المتواضعة؛ من ضعف مهول في الخدمات كل الخدمات؛ مما يؤدي حتما الى الاختناقات الاجتماعية. أذ، يجد الانسان نفسه في وضع بائس وبالذات شريحة الشباب الطموح والباحث عن الحياة الحرة والكريمة التي لا يجد لها وجود في وطنه. للتخلص من هذا البؤس؛ يهاجر الى دول الاتحاد الاوروبي او امريكا او غيرهما من دول العالم المتقدم. ان كل تقريبا دول الاتحاد الاوروبي وامريكا وغيرهما يصرح جميع المسؤولون في هذه الدول؛ ان اكبر معضلة تواجههم هي الهجرة غير الشرعية. انهم نسوا او انهم تناسوا ان هذه المشاكل او المعضلات التي تواجه البعض من دول العام الثالث بما فيها الدول العربية باستثناء دول الخليج العربي، ويكون فيها الناس هم الضحية وبالذات الشباب منهم؛ انهم اي مسؤولو دول الاتحاد الاوروبي وامريكا وغيرهما من الدول العظمى والكبرى احيانا؛ هم من يتحملون الجانب الكبير والواسع من هذه المشاكل والمعضلات كما في التالي، وباختصار: القوى العظمى وربما في حدود ما الدول الكبرى في بحثها عن مناطق النفوذ والسيطرة والمغانم في الاقتصاد والمال والتجارة والاعمال و الثروات الاستراتيجية والمواقع الاستراتيجية لهذه الدولة او لتلك الدولة من دول العالم الثالث، ومنها دول الخليج العربي وبقية الدول العربية. عندما تكون دولة ما من دول العالم الثالث في (شراكة او في تحالف) ما مع هذه القوى العظمى؛ تقوم الأخرى في دعم واسناد الفوضى في هذه الدولة، او في دعم تمرد ما سواء كان من الاقلية او من المعارضة ليس الدعم والاسناد المعنوي والاعتباري والاعلامي والسياسي فقط، بل تحويله الى معارضة مسلحة كما كان وقد حدث هذا في الكثير من الدول وعلى كل الزمن الذي مر من القرن العشرين والحادي والعشرين. هذه العملية لا تنحصر فقط بأمريكا او بدول الاتحاد الاوروبي، بل تقوم بها او هي قد قامت بها كل القوى العظمى والكبرى في القرن العشرين والحادي والعشرين وهم يقومون بها حتى هذه اللحظة. هذا لا يعني ابدا وباي شكل او صورة تبرئة انظمة دول العالم الثالث كما ورد في اعلى هذه السطور المتواضعة. في ألقى نظرة سريعة وفاحصة على جميع تاريخ الصراعات والحروب في دول العالم الثالث، الوطن العربي، اسيا، افريقيا، وامريكا الجنوبية؛ ان اغلبها من صنع القوى العظمى سواء كان تأجيجا او ايقاد النار في رماد هذا الصراع او ذلك الصراع. احيانا يتم صناعته بالاعتماد على التاريخ، تاريخ الصراع المنسي بإشعال النار فيه عصريا، اي بما يتناسب ويلائم حروب وصراعات هذا العصر على ما فيه حداثة.. في الخلاصة ان ما تعاني منه دول العالم الثالث ومنا الدول العربية من تخلف وتأخر عن ركب العالم في التنمية والتطور والحرية والكرامة؛ الانظمة المتجبرة والتابعة والخاضعة لهذه القوة العظمى او لتلك القوى العظمى؛ وسياسة القوى العظمى في بحثها الدؤوب عن مناطق للسيطرة والنفوذ والنهب والاستغلال بجميع طرق الوصول الى اهدافها هذه. هذا هو ما يفسر لنا وبوضوح كامل صراع هذه القوى العظمى وتنافسها مع بعضها البعض. وايضا سباقها في التسلح..
#مزهر_جبر_الساعدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟