أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليات التنفيذ















المزيد.....


19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليات التنفيذ


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 02:39
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بعد أن أسست الحلقات السابقة المهام العاجلة لوقف الحرب وإعادة بناء المجتمع، ثم إعادة تنظيم قاعدة الإنتاج والتحرر من اقتصاد الحرب، ثم إعادة تعريف موقع السودان في النظام العالمي وإعادة تنظيم السيادة المالية والثقافية والتكنولوجية، ثم بناء السلطة الشعبية والدولة الجديدة، تصل هذه الحلقة الختامية إلى السؤال الأكثر حسماً: من هي القوة الاجتماعية القادرة على حمل هذا البرنامج وتنفيذه وحمايته؟

فالبرنامج لا يتحول إلى قوة مادية بمجرد اتساقه النظري، بل يحتاج إلى قوة اجتماعية منظمة قادرة على تحويله إلى ممارسة سياسية، والعمل داخل التناقضات الموضوعية والظروف التاريخية التي يتحرك فيها الصراع الطبقي، وتغيير ميزان القوى من خلال التنظيم والنضال. والتاريخ لا تصنعه حسن النوايا، بل تصنعه الصراعات الاجتماعية حين تتحول المصالح الطبقية إلى قوى منظمة قادرة على التدخل في ميزان القوى وتغييره. ولذلك فإن وجود برنامج انتقالي متماسك شرط ضروري، لكنه غير كافٍ؛ فالبرنامج لا يتحرك بذاته، ولا يجد طريقه إلى التنفيذ بمجرد كونه صحيحاً من الناحية النظرية. إنه يحتاج إلى قوة اجتماعية تناضل من أجله، وتنظم نفسها حوله، وتربط المطالب المباشرة بمشروع سياسي قادر على تغيير الواقع.

فالقوة الاجتماعية القادرة على إنجاز البرنامج الانتقالي ليست نخبة مدنية تتبنى خطاباً إصلاحياً، ولا تحالفاً بين أحزاب تقليدية يقوم على توافق النخب، ولا قوة سياسية منفصلة عن الجماهير. بل هي تحالف طبقي تتصدره الطبقات والفئات الكادحة، وفي مقدمتها الطبقة العاملة، ويضم صغار المنتجين والفلاحين والرعاة والحرفيين والعاملين لحسابهم، وتدعمه قطاعات من البرجوازية الصغيرة والمهنيين الذين تتقاطع مصالحهم مع مشروع التغيير. ويضم هذا التحالف العمال في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، والعمال الزراعيين وصغار المزارعين، بمن فيهم العمال الموسميون، وصغار الرعاة والصيادين والحرفيين وسائر صغار المنتجين والعاملين لحسابهم، وكل الفئات التي تعتمد أساساً على عملها المباشر ولا تعيش من استغلال عمل الآخرين.

وهذه الفئات، رغم اختلاف مواقعها في عملية الإنتاج وتباين بعض مصالحها المباشرة، تتقاطع مصالحها في مواجهة الاحتكار والريع والاستغلال والتهميش، وفي توسيع سيطرة المجتمع على الموارد والقرار الاقتصادي، وهو ما يوفر أساساً لتحالف طبقي وسياسي بينها. والعاملون في الاقتصاد غير الرسمي يشكلون قطاعاً واسعاً من القوى العاملة في المدن، ويعيش كثير منهم في هشاشة دائمة، مما يجعل تنظيمهم حول مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية قاعدة محتملة لانخراطهم في مشروع تغيير جذري، إذا تطور وعيهم السياسي والتنظيمي داخل الصراع. والعمال الزراعيون وصغار المزارعين هم منتجو الغذاء الأساسيون، ويواجهون ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومشكلات الأرض والمياه والتمويل والأسواق، بينما تختلف مصالحهم عن كبار ملاك الأراضي والرأسماليين الزراعيين الذين قد يرتبط تراكمهم بالاستغلال والريع والاحتكار. ولذلك فإن إصلاح علاقات الأرض والإنتاج الزراعي يجب أن ينطلق من مصالح صغار المنتجين والعمال الزراعيين، لا من افتراض وجود مصلحة زراعية واحدة. وصغار الرعاة ومربو الماشية يعتمدون على المراعي والمياه ومسارات الحركة، ويواجهون تقييد الموارد والنزاعات حول الأرض والمياه، مع التمييز بين صغار الرعاة وملاك القطعان الكبيرة وشبكات التجارة والتصدير التي قد تسيطر على القيمة المتحققة من الإنتاج الحيواني. ويشمل ذلك أيضاً صغار الصيادين وغيرهم من المنتجين المرتبطين بالموارد الطبيعية، الذين تتوقف معيشتهم على حماية الموارد من الاستنزاف والاحتكار. ولا تُعامل النساء والشباب هنا كطبقات مستقلة، بل بوصفهما فئات اجتماعية عابرة للانقسامات الطبقية، تتحدد مصالحهما السياسية بدرجة كبيرة بموقعهما داخل علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج الاجتماعي. ولذلك يولي البرنامج اهتماماً خاصاً بالنساء والشباب المنحدرين من الطبقات الكادحة، ويشمل التنظيم الاجتماعي والسياسي للبرنامج النازحين والمهجرين والعائدين، لا باعتبارهم فئة خارج الصراع الطبقي، بل باعتبارهم جزءاً من الطبقات الاجتماعية التي أعادت الحرب تشكيل مواقعها الاقتصادية والاجتماعية، مع ضمان مشاركتهم في المجالس وفي قرارات إعادة الإعمار والعودة واسترداد الحقوق.

أما الحلفاء المحتملون فيشملون قطاعات من البرجوازية الصغيرة المنتجة والمهنيين الذين تتقاطع مصالحهم مع مشروع التغيير، مثل صغار التجار والمهندسين الزراعيين والأطباء والمعلمين وغيرهم من المهنيين، إلى جانب قطاعات من صغار المنتجين. ويمكن لهذه الفئات أن تنحاز إلى البرنامج حين ترى فيه طريقاً لحماية شروط عملها وتوسيع الإنتاج والخدمات العامة، لكن هذا التحالف يظل مشروطاً بميزان القوى وبقدرة القوى الكادحة على الحفاظ على استقلالها السياسي، لأن قطاعات من البرجوازية الصغيرة قابلة للتذبذب بين مشروع التغيير ومصالح الطبقات المسيطرة. ويظل انضمام هذه القطاعات إلى التحالف تحالفاً سياسياً مشروطاً، لا إلغاءً للاستقلال الطبقي للقوى الكادحة أو تنازلاً عن قيادة البرنامج.

أما الخصوم الرئيسيون فهم أصحاب المصالح المرتبطة بالسيطرة على الدولة والاقتصاد العسكري والريع والاحتكار والتهريب والفساد، بما في ذلك شبكات رأس المال المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، والرأسمال التجاري والمالي الطفيلي، وكبار المستفيدين من الموارد والعقود العامة، والشبكات السياسية التي تحمي هذه المصالح، ورأس المال الخارجي حين يرتبط بهذه البنية ويعمل على إعادة إنتاجها. ولا يُختزل الصراع في أصل رأس المال، محلياً كان أم خارجياً، وإنما في موقعه داخل علاقات السيطرة والتبعية والاستغلال وفي المصالح التي يخدمها. وبين هذين القطبين توجد قوى متذبذبة، هي شرائح من البرجوازية الصغيرة المدنية التي قد تنحاز للبرنامج إذا تغير ميزان القوى، أو تعود إلى صفوف النخب إذا استعادت سيطرتها، مثل بعض التجار المتوسطين، والمستثمرين الصغار، وبعض المثقفين والكوادر المهنية المرتبطة بمصالح الدولة أو الطبقات المسيطرة. ومعرفة هذه القوى وتصنيفها هو شرط أساسي لأي استراتيجية سياسية، لأنه يحدد مع من نتحالف، ومن نواجه، ومن نحاول كسبه، ومن نعزله.

ولا يعني التحالف الطبقي المقترح إلغاء التناقضات بين مكوناته؛ فبين العامل المأجور وصاحب الحيازة الصغيرة، وبين صغار المنتجين وبعض أصحاب الأعمال الصغيرة، وبين المنتجين في الأقاليم المختلفة، توجد مصالح متباينة قد تظهر بحدة مع انتقال الصراع من مواجهة النخب القديمة إلى إعادة تنظيم علاقات الإنتاج نفسها. ولذلك فإن وحدة التحالف لا تقوم على إنكار هذه التناقضات، بل على تنظيمها سياسياً ووضع آليات ديمقراطية لحسمها على أساس البرنامج ومصلحة الأغلبية المنتجة.

غير أن وجود هذا التحالف الطبقي العريض لا يكفي وحده. فالمصالح المتفرقة للعمال والفلاحين والرعاة وصغار المنتجين لا تتحول تلقائياً إلى وعي سياسي موحد، ولا تترجم ذاتياً إلى مشروع تاريخي بديل. فالطبقة لا تتحول تلقائياً من موقعها في عملية الإنتاج إلى قوة سياسية موحدة، ولا ينتج موقعها الاقتصادي وحده وعياً سياسياً ثورياً. فالوعي والتنظيم يتشكلان تاريخياً عبر الخبرة والصراع والنضال والتنظيم والصراع الفكري. وهذا هو الدور الحاسم للتنظيم السياسي الثوري: ربط النضالات اليومية المتناثرة للفئات الكادحة، واستخلاص مصالحها المشتركة، وتطوير وعيها السياسي من داخل الصراع، وترجمة المطالب المباشرة إلى برنامج موحد، وبناء قدرتها على تحويل القوة الاجتماعية الكامنة إلى قوة سياسية فاعلة. فالتنظيم ليس بديلاً عن الجماهير، بل هو الأداة التي تصل بين الخبرة والنظرية، وبين النضال اليومي والمشروع التاريخي، وبين المصالح المتفرقة والقوة السياسية المنظمة.

ويقصد بالتنظيم السياسي الثوري هنا حزباً سياسياً مستقلاً عن الدولة، متجذراً في مواقع العمل والأحياء والمجتمعات المحلية، يقوم على برنامج واضح وديمقراطية داخلية ومحاسبة دورية، ويجمع بين وحدة العمل السياسي وحرية النقاش الداخلي، وبين القيادة الجماعية والارتباط اليومي بالجماهير. وتشمل ديمقراطيته الداخلية انتخاب الهيئات القيادية، ودورية المؤتمرات، وحق النقد والنقد الذاتي المنظم، والشفافية المالية، وتداول المسؤوليات، وآليات سحب الثقة والمساءلة. ولا يعني ذلك استبدال التنظيم السياسي بالتنظيمات الجماهيرية أو إخضاع النقابات والمجالس له، بل بناء علاقة تنسيق وصراع فكري وسياسي بينها، تحفظ استقلال كل منها وتمنع احتكار تمثيل المجتمع. وتظل النقابات والتنظيمات الجماهيرية مستقلة عن الحزب والدولة، حتى حين تتقاطع معها سياسياً، لأن استقلال التنظيمات الجماهيرية شرط لقدرتها على ممارسة الضغط والنقد والمساءلة. ولا يحل الحزب السياسي محل النقابات أو المجالس أو التنظيمات الجماهيرية، كما لا يجوز لهذه التنظيمات أن تتحول إلى أذرع حزبية مغلقة؛ بل تتكامل أدوارها مع الحفاظ على استقلال كل منها. وتكون القيادة السياسية جماعية ومنتخبة وقابلة للمساءلة والعزل، مع تحديد مدد المسؤوليات وتداولها، بحيث لا تتحول القيادة إلى مركز دائم للسلطة أو إلى مصدر مستقل للامتياز.

ويحتاج هذا التنظيم إلى قدرة على التعبئة الجماهيرية، والتنظيم القاعدي في مواقع العمل والأحياء، والنقابات المستقلة، وتنظيمات الأحياء وأشكال المقاومة الجماهيرية السلمية والمجتمعية، والمجالس الشعبية، مع آليات تنسيق بينها، وحوار مفتوح، والجمع بين أشكال النضال المختلفة، من التنظيم القاعدي والإضراب والاحتجاج والمقاطعة والتفاوض والعمل المؤسسي، وفق ميزان القوى والظروف الملموسة، دون تحويل أي شكل نضالي إلى مبدأ ثابت أو التفريط في الأهداف الاستراتيجية للبرنامج.

ويجب أن يحافظ التنظيم السياسي الثوري على استقلاله التنظيمي والسياسي عن أجهزة الدولة، حتى بعد وصول قوى البرنامج إلى مواقع السلطة، لأن اندماج الحزب بالدولة هو أحد أهم مسارات تحول التنظيم الثوري إلى جهاز بيروقراطي وإعادة إنتاج الانفصال بين القيادة والجماهير. ويشمل هذا الفصل عدم تحويل مؤسسات الدولة إلى أجهزة حزبية، وعدم استخدام الموارد العامة لبناء التنظيم السياسي أو فرضه على المجتمع، وعدم احتكار الوظائف العامة على أساس الانتماء السياسي. ولا يعني هذا الفصل بين التنظيم والدولة تعطيل العمل المؤسسي، بل يعني الحفاظ على حركة نقدية وتنظيمية مستقلة قادرة على منع انفصال السلطة الجديدة عن قاعدتها الاجتماعية، وعلى تصحيح مسارها عند الحاجة. ولا يحل الحزب محل المجالس، والمجالس لا تتحول إلى أجهزة حزبية؛ فالحزب يخوض الصراع السياسي داخل المجتمع ومؤسساته، بينما تظل شرعية المجالس نابعة من انتخاب المواطنين والمنتجين وممارستهم الفعلية للرقابة.

وتتحول آليات تنفيذ البرنامج إلى سلسلة مترابطة تبدأ بتحويل أهدافه إلى قوانين وسياسات وموازنات، ثم تحديد المؤسسة المسؤولة عن كل هدف، والموارد المطلوبة، والجدول الزمني، ومؤشرات القياس، وآليات المراجعة والعزل والمساءلة. ويُنشر لكل برنامج عام هدف محدد، وموازنة معلنة، وجدول زمني، وجهة مسؤولة، ومؤشر قابل للقياس، وتقرير دوري عن مستوى التنفيذ، بحيث يصبح فشل التنفيذ قابلاً للتحديد والمساءلة لا مجرد وعد سياسي. ولا يكون التنفيذ مهمة الجهاز التنفيذي وحده، بل عملية اجتماعية تشارك فيها المؤسسات المنتخبة والنقابات والتعاونيات والتنظيمات المهنية والمجالس المحلية والإقليمية.

ولا يكفي امتلاك الإرادة السياسية لتنفيذ البرنامج؛ فالدولة الجديدة تحتاج إلى قدرة إدارية وإحصائية ومالية وفنية، وإلى إعادة تأهيل الكوادر المهنية القائمة حيث تتوافر شروط الكفاءة والنزاهة، وإعداد كوادر جديدة من داخل المجتمع في الإدارة والاقتصاد والتخطيط والقانون والهندسة والتعليم والصحة والتكنولوجيا، بحيث لا يصبح نقص الخبرة ذريعة لإعادة السلطة إلى البيروقراطية القديمة أو إلى خبراء غير خاضعين للمساءلة.

ويضع البرنامج إطاراً زمنياً إرشادياً، لا جدولاً ميكانيكياً، لأن انتقال كل مرحلة يرتبط بتحقق شروطها السياسية والاجتماعية وقدرة المؤسسات الشعبية على حمايتها. ولا تعني هذه المراحل فترات مغلقة أو متتابعة بصورة ميكانيكية؛ إذ يمكن أن تتداخل بعضها مع بعض، وقد تتقدم بعض المهام في إقليم أو قطاع بينما تتأخر في آخر بحسب الظروف الموضوعية وميزان القوى. فالمرحلة الأولى (أول 100 يوم) تشمل وقف الحرب، حماية المدنيين، الإغاثة، فتح الممرات الإنسانية، استعادة الخدمات الحيوية، وبدء حصر مؤسسات الحرب والموارد العامة. والمرحلة الثانية (السنة الأولى) تشمل تثبيت السلام، بدء العدالة الانتقالية، إعادة بناء الإدارة والخدمات، تفكيك البنية الاقتصادية العسكرية، إعادة بناء النقابات والتنظيمات الجماهيرية، وبدء تأسيس المجالس الشعبية. والمرحلة الثالثة (السنوات 2-3) تشمل إعادة الإعمار، الإصلاح الزراعي، استعادة الإنتاج، إصلاح الخدمة المدنية والإدارة المحلية، وتوسيع المؤسسات الشعبية والرقابة على الاقتصاد العام. والمرحلة الرابعة (السنوات 3-5) تشمل إعادة تنظيم النظام المالي والتجارة والطاقة والنقل، توسيع الملكية العامة والتعاونية في القطاعات الاستراتيجية، تنمية الأقاليم، ومعالجة اختلالات المركز والهامش. والمرحلة الخامسة (السنوات 4-6 وما بعدها) تشمل تعميق السلطة الشعبية، استكمال إعادة هيكلة القوات النظامية، انتخاب الجمعية التأسيسية وصياغة الدستور وفق تحقق شروط سياسية واجتماعية ومؤسسية تسمح بانتخابات حرة وتمثيل فعلي ومشاركة شعبية واسعة. والمرحلة السادسة (السنوات 6-10 وما بعدها) تشمل تعميق الملكية الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية، وتوسيع التخطيط الاجتماعي، وفتح الطريق أمام تحولات أعمق في علاقات الإنتاج وفق تطور ميزان القوى والتجربة العملية. ولا تختزل الملكية الاجتماعية في ملكية الدولة؛ فهي تشمل، بحسب طبيعة القطاع، الملكية العامة الخاضعة للرقابة الشعبية، والملكية التعاونية، والأشكال الجماعية للملكية والإدارة، مع بقاء الدولة أداة لتنظيم المصالح الاجتماعية لا مالكاً منفصلاً عن المجتمع. ولا تُحدد طبيعة هذا الانتقال بجدول زمني مسبق، لأن الانتقال إلى علاقات إنتاج اشتراكية لا تحدده السنوات، ولا يتحقق بمجرد زيادة الملكية العامة، وإنما يرتبط بتطور القوى المنتجة، وتغير علاقات الملكية، وقدرة المنتجين على الإدارة الديمقراطية للاقتصاد، وتحول علاقات العمل والتوزيع، وميزان القوى الداخلي والخارجي. ولا يعني التحرر من التبعية إلغاء التجارة الخارجية أو السوق بصورة مجردة، بل إعادة تنظيم موقعهما بحيث يخدمان توسيع الإنتاج الاجتماعي لا إعادة إنتاج التبعية والريع والاحتكار. ولا ينبغي فهم البرنامج الانتقالي باعتباره سلماً زمنياً مضمون النتائج، بل باعتباره استراتيجية مفتوحة تتحدد خطواتها الفعلية بميزان القوى، وبدرجة تنظيم المنتجين، وبقدرة المؤسسات الشعبية على إدارة المجتمع، وبالتناقضات الداخلية والخارجية التي يفرزها كل مستوى من مستويات التحول.

لكن أي برنامج انتقالي يواجه مخاطر داخلية وخارجية، وإدارة هذه المخاطر جزء عضوي من البرنامج ذاته. فالمخاطر الداخلية تشمل محاولات القوى المستفيدة من النظام القديم استعادة مواقعها الاقتصادية والسياسية، والثورة المضادة المنظمة، والانقسامات داخل التحالف الشعبي حين تعجز مؤسساته الديمقراطية عن إدارة الاختلافات الطبقية والسياسية بصورة علنية ومنظمة، والبيروقراطية التي قد تستحوذ على الدولة الجديدة وتحرفها عن أهدافها، والتآكل التدريجي للبرنامج تحت ضغط المصالح الخاصة. والمخاطر الخارجية تشمل الضغوط الخارجية، بما فيها العقوبات الاقتصادية حين تُصمم بصورة تضرب المجتمع، والدعم السياسي أو المالي أو العسكري للقوى المعادية للتحول، ومحاولات إعادة إدماج السودان في علاقات التبعية عبر شروط التمويل والتجارة والاستثمار، في حين لا توضع العقوبات الموجهة ضد شبكات الحرب والفساد في السلة نفسها. ويجب التمييز بين العقوبات الشاملة التي تحمل كلفتها الجماهير، وبين الإجراءات الموجهة ضد الأفراد والشبكات والمؤسسات المتورطة في تمويل الحرب والفساد، مع رفض استخدام العقوبات كأداة لإخضاع القرار الوطني لمصالح القوى الخارجية.

ومواجهة هذه المخاطر تتطلب بناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة، وتنويع الشراكات لتجنب التبعية لأي طرف، وتعزيز القدرة على الصمود الاقتصادي عبر توسيع الإنتاج المحلي وتنويع العلاقات الخارجية وتقليل مواطن التبعية، لا عبر الانعزال عن الاقتصاد العالمي، والحفاظ على التعبئة الجماهيرية والرقابة الشعبية كضمانة ضد الانزلاق البيروقراطي، وتطوير قدرات قانونية ومؤسسية ومجتمعية لحماية التحول من التخريب السياسي والاقتصادي والتدخل الخارجي، مع حصر استخدام القوة المسلحة في المؤسسات الوطنية الموحدة الخاضعة للسلطة المدنية والقانون، والحفاظ على مرونة البرنامج وقابليته للتكيف مع الظروف المتغيرة، مع التمسك بأهدافه الإستراتيجية.

وهكذا تتكامل عناصر البرنامج الانتقالي في صورة مشروع سياسي متكامل: وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع، وإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني، وإعادة تعريف موقع السودان في النظام العالمي، وإعادة بناء السلطة الشعبية والدولة الجديدة، وتحديد القوة الاجتماعية والتنظيم السياسي القادرين على حمل هذا المشروع وتنفيذه.

لقد بدأت هذه السلسلة بنقد وثيقة حمدوك، وكشفت حدودها الطبقية وإغفالاتها البنيوية، وانتقلت بعد ذلك إلى طرح برنامج انتقالي بديل يقوم على مصالح الكادحين وتغيير ميزان القوى. وقد كشفت قراءة وثيقة حمدوك، كما بينت الحلقات السابقة، حدود مقاربتها للأزمة السودانية: فقد عالجتها أساساً من زاوية الدولة والحوكمة والتوافق السياسي، دون أن تجعل الصراع الطبقي وعلاقات الملكية وتوزيع القوة الاقتصادية مركزاً للتحليل. وفي المقابل، ينطلق هذا البرنامج من سؤال مختلف: من يملك الموارد؟ من يملك القرار؟ ومن يملك القدرة الاجتماعية على فرض التحول؟ وتعلمنا من هذه الرحلة أن الأزمة السودانية لا تختزل في أزمة دستور أو حوكمة أو قيادة، بل تتجذر في طبيعة الدولة الطبقية، واقتصاد الحرب، وعلاقات التبعية، وتعلمنا أن الحل لا يكمن في إصلاح البنية القائمة بمعزل عن تغيير علاقات القوة التي تنتجها، بل في استخدام الإصلاحات الجزئية ضمن مسار يغير ميزان القوى ويفتح الطريق أمام بناء سلطة جديدة. وتعلمنا، فوق ذلك كله، أن البرامج لا تصنع التاريخ بمفردها، بل تصنعه القوى الاجتماعية المنظمة القادرة على تحويل هذه البرامج إلى نضال فعلي على الأرض.

وبذلك لا ينتهي البرنامج الانتقالي عند تحديد ما يجب تغييره، بل يصل إلى تحديد الشرط السياسي لتغييره: بناء قوة اجتماعية منظمة، مستقلة عن الدولة والنخب، قادرة على تحويل المصالح المشتركة للطبقات الكادحة إلى مشروع سياسي، وعلى تحويل التنظيمات الجماهيرية المتعددة إلى قوة سياسية متماسكة دون إلغاء استقلالها. ولا يكفي أن تتحدث الدولة الجديدة باسم العمال والفلاحين والمنتجين؛ فالمسألة هي أن يمتلك هؤلاء مؤسساتهم المستقلة التي تمكنهم من ممارسة الرقابة والقرار والعزل وإدارة الموارد. فالتمثيل باسم الطبقات ليس بديلاً عن تنظيمها الذاتي. واستبدال نخبة تتحدث باسم الجماهير بنخبة أخرى تتحدث باسمها لا يغير جوهر العلاقة السياسية؛ ومعيار التحول هو انتقال القدرة الفعلية على اتخاذ القرار إلى مؤسسات يشارك فيها المنتجون بصورة مباشرة.

ولهذا فإن التنظيم الثوري لا يكون غاية مستقلة عن الجماهير، ولا بديلاً عنها، بل أداة لربط النضالات المتفرقة، وتطوير الوعي السياسي من داخل الصراع، وتنسيق القوى الاجتماعية، وتحويل البرنامج إلى قوة سياسية قادرة على خوض الصراع وحماية مكاسب التحول. ويظل استقلال هذا التنظيم عن الدولة شرطاً دائماً، لأن اندماجه الكامل فيها يفتح الطريق أمام البيروقراطية وإعادة إنتاج الانفصال بين القيادة والجماهير. التنظيم الثوري ليس بديلاً عن الجماهير، بل أداتها الواعية لتنظيم قوتها وتحويل مصالحها إلى قوة سياسية قادرة على تغيير ميزان القوى.

وكما كتب ماركس وإنجلز في «البيان الشيوعي»: «ليس لدى العمال ما يخسرونه سوى قيودهم. ولديهم عالم بأسره ليكسبوه.»

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين


المزيد.....




- انفجار في محطة كهرباء مدينة الزاوية غرب ليبيا
- عزيزي: الأجدر بترامب أن يهتم بأمنه الشخصي بدلا من التهديدات ...
- دراسة تكشف دورًا غير متوقع للعضلات في التئام كسور العظام.. م ...
- متربي في كندا.. بيع صقر بالمزاد في السعودية بنحو 1.3 مليون ر ...
- الجيش الإسرائيلي يستعد لشن هجمات على لبنان الليلة
- جندي أمريكي -ميت- على شاطئ هرمز.. رسالة تهديد إيرانية جديدة ...
- موسكو تحذر أنقرة وواشنطن من تسليح كييف
- وسائل إعلام: العثور على حطام ثالث طائرة مسيرة في تركيا خلال ...
- صحيفة ألمانية تكشف تداعيات الفساد المحيط بزيلينسكي على أوروب ...
- صحيفة: كييف تعاني من مشاكل في الدفاع الجوي بينما تطور موسكو ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليات التنفيذ