عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 02:53
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
بعد أن فككت السلسلة وهم "العقد الاجتماعي" وحدود "الدولة المدنية" ورهانات "الحوكمة"، وصولاً إلى تفكيك الإمبريالية والتبعية، ثم كشفت كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطبقي المسيطر، ثم تتبعت الأزمة الإنسانية بوصفها جوهر الأزمة السودانية، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله: ما البديل؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في رفض كل ما ورد في وثيقة حمدوك، بل في تجاوز حدودها الطبقية نحو مشروع يبدأ من حيث ينتهي الناس، لا من حيث تبدأ النخب.
البرنامج الانتقالي، في المنظور الماركسي، ليس برنامجاً إصلاحياً يكتفي بتحسين ما هو قائم، ولا برنامجاً اشتراكياً كاملاً يفترض ظروفاً موضوعية لم تنضج بعد. إنه سلسلة من المهام تنبثق من حاجات الجماهير المباشرة في لحظة تاريخية محددة، وتقود عبر النضال والتنظيم إلى تغيير ميزان القوى. وميزان القوى يعني التوزيع الفعلي للقوة الاقتصادية والسياسية والتنظيمية بين الطبقات الاجتماعية، وهو الذي يحدد ما يمكن فرضه على الواقع وما يظل حبراً على ورق.
لا يختلف البرنامج الانتقالي عن البرامج الحكومية في محتواه فقط، بل في منطقه ذاته. فالبرنامج الحكومي يهدف إلى إدارة الدولة القائمة بكفاءة أكبر، أما البرنامج الانتقالي فيسعى إلى توسيع قدرة الجماهير على التنظيم والرقابة، بحيث يصبح تنفيذ المطالب نفسها وسيلة لتغيير ميزان القوى، وليس مجرد تحسين أداء السلطة القائمة. وليست المطالب الإصلاحية نقيضاً للثورة، بل تصبح جزءاً منها حين تُطرح بطريقة توسع تنظيم الكادحين وتكشف حدود النظام القائم. والبرنامج الانتقالي ليس وثيقة جامدة، بل إطار يتطور مع تغير موازين القوى، بحيث تُراجع أولوياته ووسائله بصورة دورية دون التخلي عن أهدافه الأساسية.
وتحدد طبيعة المرحلة الانتقالية في السودان ملامح هذا البرنامج. فهي مرحلة حرب مدمرة، وانهيار شامل للدولة، وتبعية إمبريالية مكشوفة، واقتصاد ريعي يستنزف الموارد، ومجاعة ونزوح غير مسبوقين. والحرب نفسها ليست مجرد صراع بين جيش ودعم سريع، بل هي نظام متكامل من التهريب والذهب غير المشروع والمرتزقة والحدود المفتوحة، أي اقتصاد حرب بأكمله أصبح نمطاً للتراكم الرأسمالي بذاته. لذلك، لا يمكن أن يكون البرنامج برنامجاً لحكومة مستقرة في ظل ظروف طبيعية، بل برنامجاً لانتقال ثوري في ظل أزمة شاملة، حيث تتشابك المهام العاجلة مع المهام البنيوية، وكل مطلب منها ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتوسيع قدرة الكادحين على التنظيم والرقابة وانتزاع السلطة من الطبقات المسيطرة.
وإذا كانت طبيعة المرحلة تحدد منطق البرنامج، فإن ترتيب المهام لا يقل أهمية عن مضمونها، إذ توجد مهام لا يمكن تأجيلها لأنها شرط لوجود المجتمع نفسه. ويحدد البرنامج حداً أدنى لا يجوز التراجع عنه في أي حال: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتأمين الإغاثة، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، واسترداد الأموال المنهوبة. ويحدد حداً أقصى يرتبط بتطور ميزان القوى: التأميم الشامل، والتحول الاشتراكي التدريجي، وإعادة هيكلة الدولة بالكامل. وما بينهما توجد مهام مرحلية تبدأ بالتوازي أو تتوقف على استعادة الدولة، وفق آليات انتقال واضحة. فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يبدأ قبل وقف الحرب، وإعادة هيكلة الجيش والتأميم الكبير لا يمكن تنفيذها إلا بعد استعادة الدولة، بينما تبدأ الإغاثة وبناء النقابات والعدالة الانتقالية بالتوازي مع تفكيك الاقتصاد العسكري تدريجياً. أما التحول الاشتراكي الكامل وإعادة الهيكلة الدستورية الشاملة فتُؤجل إلى مراحل لاحقة تتطلب تغيراً أعمق في ميزان القوى.
وهذه المدد تقديرية، وترتبط بتطور ميزان القوى وإمكانات التنفيذ، ولا تمثل آجالاً جامدة.
أولاً: وقف الحرب وحماية المدنيين
لا يمكن البدء بأي مشروع سياسي دون وقف شامل للأعمال العدائية. فالحرب ليست مجرد أزمة سياسية، بل هي آلة موت يومي، ومحرك لاقتصاد النهب، وأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية لصالح قوى الصراع. ولذلك، يجب أن يكون وقف الحرب هو الإجراء الأول، عبر عملية تفاوض ملزمة بإشراف إقليمي ودولي يضمن تنفيذ الاتفاق، مع رقابة شعبية وضمانات تنفيذية تمنع خرق وقف الأعمال العدائية، وتأمين الممرات الإنسانية، وإطلاق سراح المحتجزين تعسفياً، وتبادل الأسرى وفق القانون الإنساني. ويتبع ذلك برنامج تدريجي لإعادة هيكلة القوات النظامية ودمج التشكيلات المسلحة وفق أسس وطنية وديمقراطية. وفي هذا السياق، تبرز أمثلة سودانية حية: فمشروع الجزيرة، الذي كان العمود الفقري للاقتصاد الزراعي، دمرته الحرب وتحولت أراضيه إلى ساحات نزاع. والسكة الحديد، شريان النقل الرئيسي، توقفت حركتها، وعطّلت آلاف الأسر عن مواطن عملها. ومستشفيات الخرطوم ومراكز الرعاية الصحية الأولية في ولايات مثل سنار والجزيرة ودارفور، أصبحت خارج الخدمة أو تعمل بطاقة ضئيلة، بينما توقفت هيئة المياه والصرف الصحي عن أداء وظائفها في كثير من المدن، مما فاقم أزمة المياه والأمراض الوبائية. هذه الأمثلة ليست استثناءات، بل تعبير عن حجم الدمار الذي أوقعته الحرب بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، مما يجعل إعادة تأهيلها أولوية لا يمكن تأجيلها.
ثانياً: العدالة الانتقالية واسترداد الأموال المنهوبة
لا يمكن إعادة بناء الدولة دون معالجة جرائم الماضي. والعدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات الفردية، بل تشمل تفكيك البنية الاقتصادية التي أنتجت الجرائم. وهي توازن بين المحاسبة والمصالحة وإعادة الدمج الاجتماعي، بحيث لا تتحول العدالة إلى أداة للانتقام أو إلى غطاء لإفلات الجناة. وتشمل محاسبة جرائم الحرب والفساد، واسترداد الأموال المنهوبة والأصول المسروقة والذهب المنهوب، وضمان حقوق الضحايا والتعويض العادل، وكشف الحقيقة حول انتهاكات الحرب، ومصادرة الثروات المتأتية من جرائم الحرب، ومراجعة الخصخصة، وإبطال الامتيازات غير المشروعة، وإعادة ملكية الأصول المنهوبة. ويتطلب ذلك تعاوناً دولياً لاسترداد الأموال المهربة إلى خارج السودان، مع بناء قدرات قضائية مستقلة، ومحاكم خاصة أو دوائر قضائية متخصصة تنظر في قضايا الفساد الكبير وجرائم الحرب، مع ضمان استقلالها وحيادها. كما يحتاج الأمر إلى حماية الشهود والمبلغين، وضمان حق الضحايا في المشاركة في الإجراءات القضائية.
ثالثاً: الإغاثة وإعادة الإعمار تحت رقابة شعبية
لا يمكن إعادة تأسيس الدولة على أنقاض الجوع والنزوح. ولذلك يجب أن تُدار عمليات الإغاثة وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية عبر لجان شعبية منتخبة من العاملين والمجتمعات المحلية والنازحين، لا عبر الأجهزة البيروقراطية التي أثبتت عجزها وشبكات الفساد المرتبطة بها. والهدف ليس تحويل الإغاثة إلى إدارة دائمة للأزمة، بل ربطها بإعادة بناء القدرات المحلية، وإعادة تشغيل المدارس والمستشفيات، وإعادة دفع أجور العاملين في الخدمات العامة، مع ضمان تمويلها عبر إعادة توجيه الإنفاق العام من الأمن والحرب إلى الخدمات الاجتماعية.
رابعاً: ضمان الخدمات الأساسية وإعادة بناء الخدمة المدنية
الصحة والتعليم والمأوى ليست سلعاً، بل حقوق أساسية. ولذلك، يجب أن يضمن البرنامج مجانية التعليم الأساسي والرعاية الصحية الأولية، وبرامج إسكان وإعادة إعمار للمناطق المتضررة، مع إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والاستقلال وإلغاء التمكين والمحاصصة، وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية: المياه، الكهرباء، الطرق، الصرف الصحي. وتتطلب هذه المهمة رفع أجور العاملين في الخدمة المدنية، وتدريبهم وإعادة تأهيلهم، وبناء كادر إداري جديد قادر على حمل مشروع الإصلاح، مع ضمان استقلالية المؤسسات الرقابية وحماية المبلغين عن الفساد.
خامساً: إعادة بناء النقابات والتنظيمات الجماهيرية
لا يمكن للكادحين أن يفرضوا مشروعهم دون تنظيم. ولذلك، يجب أن يبدأ البرنامج بإعادة بناء الحركة النقابية على أساس ديمقراطي ومستقل، بعيداً عن هيمنة الدولة والبيروقراطية والتبعية الحزبية الضيقة، مع ضمان استقلالها المالي والتنظيمي وحقها الكامل في الإضراب والتفاوض الجماعي. وتشمل هذه المهمة بناء اتحادات للعمال والفلاحين والرعاة والصيادين، وتفعيل لجان المقاومة وسائر أشكال التنظيم الشعبي القاعدي مع احترام استقلاليتها وعدم تحويلها إلى أجهزة تابعة لأي حزب. ويشمل ذلك ضمان المساواة الكاملة للنساء في الحقوق الاقتصادية والسياسية، والاعتراف بالعمل المنزلي غير المأجور كجزء من إعادة الإنتاج الاجتماعي، وبرامج لتشغيل الشباب وإعادة دمجهم في الحياة الاقتصادية، والتدريب المهني وإعادة التأهيل للعائدين من الحرب.
سادساً: الرقابة الشعبية والاقتصاد التعاوني
الرقابة الشعبية ليست شعاراً، بل آليات عملية: جلسات علانية للمجالس، ونشر الميزانيات والعقود والوثائق الحكومية، وحق استدعاء المسؤولين واستجوابهم وعزلهم انتخابياً، وتشكيل لجان مراجعة منتخبة من العاملين والمجتمعات المحلية، وحق الوصول إلى المعلومات وتكوين لجان تحقيق شعبية. وتخضع المجالس المنتخبة نفسها للمراجعة الدورية، وحق العزل، وتجديد الثقة عبر الانتخابات الدورية. وفي مجال الاقتصاد، تُمثل التعاونيات أداة انتقالية أساسية، ليس فقط في الزراعة، بل في الصناعة والاستهلاك والائتمان، من خلال بنوك تعاونية، وتسويق تعاوني، وشراء جماعي، كجمعيات منتجة تُبني ملكية اجتماعية خاضعة للرقابة الشعبية. وفي حال نشوب خلاف بين المجالس المحلية والإقليمية أو بينها وبين المجلس الوطني، تُعقد مؤتمرات عامة تجمع ممثلي الأطراف المتنازعة، مع إمكانية اللجوء إلى التحكيم الشعبي أو التصويت العام لحسم القضايا الخلافية، مع الاحتفاظ بحق الطعن والمراجعة أمام المجالس العليا.
يبدأ هذا البرنامج من إعادة بناء المجتمع، لا من إعادة ترتيب أجهزة الدولة، لأن الدولة التي فقدت قاعدتها الاجتماعية لا يمكن إصلاحها بقرارات إدارية وحدها. وإعادة بناء قدرة الناس على التنظيم والإنتاج والرقابة هي الشرط الذي يجعل إعادة بناء الدولة نفسها ممكنة. فالحياة اليومية لملايين السودانيين، بجوعها ونزوحها ومرضها، هي التي تحدد وعيهم السياسي، وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحياة يفقد صلة الواقع ويصبح مجرد خطاب نخبوي بلا جذور.
مؤشرات النجاح المرحلية:
يمكن قياس تقدم هذه المهام عبر مؤشرات ملموسة: انخفاض عدد النازحين وعودة الخدمات الأساسية، انتظام صرف أجور العاملين في الخدمة المدنية، انخفاض وفيات المجاعة والأمراض الوبائية، توسع التنظيمات الجماهيرية المستقلة وارتفاع نسبة العضوية النقابية، وبدء تفكيك الاقتصاد العسكري عبر نقل أصوله إلى ملكية عامة خاضعة للرقابة الشعبية.
هذه المهام العاجلة ليست غاية في ذاتها، بل مداخل لتغيير ميزان القوى وبناء قدرة الكادحين على التنظيم والرقابة. وهي تتبع جدولاً زمنياً تقديرياً: أول 100 يوم لوقف الحرب والإغاثة وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، والسنة الأولى للعدالة الانتقالية وتفكيك الاقتصاد العسكري وإعادة بناء النقابات، والسنوات التالية لإعادة الإعمار الشامل والتحول الاقتصادي. والحلقة القادمة ستكمل البرنامج بمعالجة البنية الاقتصادية، وطرح تصور للتحرر من اقتصاد الحرب وإعادة بناء الإنتاج الوطني.
كتب لينين في "الدولة والثورة" أن مسألة السلطة هي المسألة الأساسية لكل ثورة. ولذلك فإن كل مهمة وردت في هذا البرنامج تُقاس في النهاية بالسؤال الذي طرحه لينين: من يملك السلطة؟ لأن تغيير السياسات دون تغيير من يملك القرار يعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟