أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 14. الإسلام كحيز للتفاوض















المزيد.....

14. الإسلام كحيز للتفاوض


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 02:50
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


يتعامل الخطاب الإنساني والنسوي السائد في الغرب مع الإسلام كعقبة أمام تحرر المرأة، وكأن الدين في ذاته هو المصدر الأصلي للقهر، بينما تتعامل التيارات الإسلامية المحافظة مع الدين كحصن ضد التغريب والانحلال، وكأن التمسك بالشكليات الدينية هو شرط البقاء والكرامة. كلا الموقفين يخطئان التحليل المادي للدين، لأنهما ينظران إليه كمجموعة نصوص ثابتة يمكن تفسيرها بشكل أو بآخر، بينما هو في الواقع ميدان صراع طبقي وجندري يتشكل وفق شروط مادية متغيرة. المرأة السودانية اللاجئة لا تتعامل مع الإسلام كفكرة مجردة، بل كأداة للبقاء اليومي، وشبكة علاقات، ومرجعية تشرعن أو تحد من خياراتها، وساحة تتفاوض فيها مع قوى أبوية واستغلالية في آن واحد. فهم هذا الموقع المزدوج للدين هو شرط أي تحليل جاد لمقاومتها، وأي اختزال للإسلام إلى قمع أو تحرر هو هروب من المادية الجدلية إلى الأيديولوجيا.

في المخيمات وأحياء اللجوء الفقيرة، يكون المسجد في كثير من الأحيان المؤسسة الاجتماعية الوحيدة القائمة بجانب المنظمات الإنسانية. النساء يلتقين فيه، ليس فقط للصلاة، بل لتبادل الأخبار، وتنسيق المساعدات، وتنظيم حلقات الذكر التي تتحول إلى شبكات دعم غير رسمية. الزكاة والصدقة، كآليات دينية للتبرع، تصبح مصادر دخل إضافية للنساء الأكثر فقراً، سواء عبر توزيع المنظمات الخيرية الإسلامية أو عبر التبرعات الفردية من أفراد الجالية. هذه الشبكات الدينية لا تعوض غياب الدولة، لكنها توفر حداً أدنى من التضامن المادي والمعنوي في غياب أي بنية رعائية أخرى. المرأة التي تجد في المسجد من يمد لها يد العون عند مرض طفلها أو أزمة إيجارها، لا تستخدم الدين كغطاء أيديولوجي، بل كآلة مادية للبقاء، وكما قال ماركس في نقده لفويرباخ: "الدين هو صوت الكائن المقهور، وقلب العالم القاسي."

في مواجهة تمييز دول اللجوء، يتحول الإسلام أحياناً إلى هوية مقاومة. المرأة المحجبة في أوروبا أو أمريكا التي تتعرض للتحرش والإقصاء الوظيفي بسبب حجابها، تجد في التمسك به ليس فقط فعلاً عبادة، بل فعلاً سياسياً يرفض الاندماج في مجتمع يطالبها بالتخلي عن جزء من هويتها كي تقبل باستغلالها. هذا التمسك لا ينفي أن الحجاب نفسه قد يكون أداة قمع في سياقات أخرى، لكنه يثبت أن معنى الدين يتحدد بالصراع الذي يُستدعى فيه، وليس بنص مقدس ثابت. النساء السودانيات في المهاجر الأوروبية اللواتي يخترن الحجاب أو يُعدن ارتداءه في المنفى، غالباً ما يقلن إنه وسيلة للحفاظ على الهوية السودانية والإسلامية في مواجهة ثقافة غربية تغمرهن وتطلب منهن المحو. هذا ليس "تطرفاً دينياً"، بل استجابة عقلانية لضغط ثقافي عنصري.

في الجانب الآخر، يُستخدم الدين لتبرير استغلال النساء داخل مجتمعات اللجوء ذاتها. الزواج المبكر الذي تدفع إليه الأسر الفقيرة غالباً ما يُغطى بغطاء ديني، وكأن تزويج الفتاة في سن الخامسة عشرة هو "سنة" أو "حماية" من الفتنة، بينما هو في حقيقته نقل لعبء إعالة إلى طرف آخر وتقليل للأفواه الجائعة. القيود على حركة المرأة، ومنعها من العمل في بعض القطاعات، وإخضاعها لولاية الرجل، كلها تُشرعن باسم الدين، بينما وظيفتها الحقيقية هي إبقاء المرأة في موقع الهشاشة الذي يسمح باستغلالها اقتصادياً وجنسياً. التيارات الإسلامية المحافظة في المخيمات وفي بعض منظمات الإغاثة الخيرية، تعيد إنتاج الأبوية ذاتها التي هربت منها النساء من السودان، وتقدمها كشرط للبقاء في المنفى، وكأن الخضوع للرجل هو ثمن الحماية في غياب الدولة. هذه الآليات ليست جوهر الإسلام، بل هي استغلال للدين من قبل قوى طبقية أبوية تستفيد من الحفاظ على تبعية المرأة.

الخطاب النسوي العلماني الذي يرفض الدين تماماً باعتباره مصدر القهر يرتكب خطأ مماثلاً، لأنه يتجاهل أن النساء أنفسهن هن من يملأن المساجد، وهن من ينظمن حلقات الدعوة، وهن من يستخدمن الدين لتبرير مطالبهن بالعدالة أحياناً. في السودان، كانت النساء في ثورة 2019 يرفعن شعارات دينية وسياسية معاً، ويصلين في الاعتصامات، ويستدعين خطاباً إسلامياً لتبرير مطالبهن بالحرية والكرامة. هذا التداخل بين الديني والسياسي ليس تناقضاً، بل هو تعبير عن أن الإسلام في السياق السوداني هو لغة مشتركة يمكن توظيفها لأغراض متضادة: تارة لقمع المرأة، وتارة لتحريرها من الطغيان. تجاهل هذا التداخل هو تجاهل للواقع المادي الذي تعيشه النساء، وهو وعظ أكثر منه تحليل.

في دول الخليج وأوروبا، تواجه المرأة المسلمة السودانية تحدياً مزدوجاً: من المجتمع المضيف الذي ينظر إليها على أنها "متخلفة" بسبب دينها، ومن مجتمعها الذي ينظر إليها أحياناً على أنها "مفرطة في التحرر" بسبب تأثرها بثقافة الغرب. هذا الموقع الوسيط ينتج وعياً مزدوجاً، حيث تضطر المرأة إلى التفاوض مع هويتين وثقافتين وقوانين مختلفة في آن واحد. هذه المفاوضة ليست ضعفاً، بل هي شكل من أشكال المقاومة اليومية التي لا تظهر في خطابات الثورات الكبرى، لكنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه أي مقاومة منظمة. كما كتب غرامشي: "الهيمنة لا تُمارس بالقوة فقط، بل بالتوافق والقيادة الفكرية والأخلاقية." والمرأة التي تتفاوض على موقعها داخل الإسلام وخارجه تفعل ذلك ضمن صراع الهيمنة هذا، وتستخدم كل الموارد المتاحة، بما فيها الدين، لتوسيع هامش حريتها.

المقاومة النسوية الإسلامية ليست تناقضاً في المصطلحات، بل هي واقع عملي في كل مكان توجد فيه نساء مسلمات يعانين من القهر ويستخدمن أدواتهن الثقافية والدينية لمواجهته. في السودان، وفي الشتات، ثمة نساء يقرأن النصوص الدينية قراءة نقدية، ويستعدن التراث الإسلامي لاستدعاء نماذج نسائية قوية، وينظمن حلقات درس نسوية داخل المساجد، ويطالبن بتفسير قرآن يتساوى فيه الرجال والنساء. هذه الحركات لا تظهر في عناوين الصحف الغربية، لكنها تشكل تياراً حقيقياً في مجتمعات اللاجئات، وتقدم بديلاً عن كل من الخطاب الأصولي الذكوري والخطاب العلماني الذي يرى في الحجاب رمزاً للقهر فقط. هذه الحركات هي دليل على أن الدين ليس كتلة واحدة، بل هو ميدان صراع، والنساء يدخلن هذا الميدان بأسلحتهن الخاصة.

ما يجمع كل هذه المظاهر هو أن الدين في يد المرأة اللاجئة هو سلاح ذو حدين. يمكن أن يقيها من الانهيار النفسي، ويمدها بشبكات البقاء، ويمنحها هوية في مواجهة الغربة، ويشرعن مقاومتها للظلم. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يستخدم لتقييد حركتها، وتبرير استغلالها، وإخضاعها لسلطة أبوية جديدة في المنفى. الفارق بين الاستخدامين لا يحدده النص الديني، بل تحالفات القوى والمواقع الطبقية للمرأة داخله. المرأة الغنية المتعلمة قد تستخدم الدين كزينة ثقافية، والمرأة الفقيرة الأمية قد تستخدمه كشبكة أمان، والمثقفة الناشطة قد تستخدمه كلغة سياسية. كل هذه الاستخدامات مشروعة ضمن منطقها، ولا يمكن الحكم عليها من خارج شروطها المادية. وكما كتب فريدريك إنجلز في "أنتي دورينغ": "كل دين ليس سوى الانعكاس الوهمي في أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التي تتحكم في حياتهم اليومية، انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى خارقة للطبيعة."

هذا الانعكاس الوهمي ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو تعبير حي عن قوى اجتماعية وطبيعية تعصف بحياة البشر وتسيطر عليها. والنساء السودانيات في اللجوء يعشن هذا التناقض يومياً: الدين يعكس خضوعهن لقوى لا يسيطرن عليها، لكنه في الوقت نفسه يصبح، بأيديهن، أداة للتفاوض مع تلك القوى ذاتها، ومجالاً لإعادة تعريف مكانتهن ضمنها.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...


المزيد.....




- بطرسبورغ تخصص مشروع -الجسور المغنية- للاحتفال بيوم الأسرة وا ...
- بلجيكا.. تجربة رائدة في رعاية ضحايا العنف الجنسي ومرافقتهم
- منزل بلا عنوان ثابت.. امرأة تترك منزلها على اليابسة للاستمتا ...
- الجزائر: حرقها أمام طفلتهما.. مقتل عمور سعيدة على يد زوجها
- “أنقذوا أختي من القتل”.. استغاثة مواطنة أردنية بالسلطات لحما ...
- الفلسطينية مريم بشارات تفوز بذهبية الدوري العالمي للكاراتيه ...
- سوريا: احتجاج نسائي للمطالبة بتمثيل عادل في مجلس الشعب
- قرد ينهش امرأة حتى الموت في جنوب روسيا (فيديو)
- دراسة جدلية جديدة تنفي صلة الباراسيتامول أثناء الحمل بالتوحد ...
- -لو فيغارو-: الاشتباه بامرأة ثلاثينية في تفجير موناكو والتحق ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 14. الإسلام كحيز للتفاوض