أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 13. العنصرية والجندر والطبقة














المزيد.....

13. العنصرية والجندر والطبقة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 04:50
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


تواجه المرأة السودانية في بلدان اللجوء ثلاثة أنظمة تمييز تعمل في آن واحد، ولا تظهر لها كمفاهيم نظرية، بل كحقائق يومية تحدد أجرها، وسكنها، وعملها، وحتى نظرات المارة إليها. التمييز الطبقي المرتبط بفقرها المدقع، والتمييز الجندري المرتبط بكونها أنثى في مجتمع أبوي، والتمييز العنصري المرتبط بلونها الأسود وأصلها الأفريقي، ليست طبقات منفصلة يمكن معالجة كل منها وحدها. إنها متشابكة بحيث لا يمكن فصل واحدة عن الأخرى، وهذا التشابك ليس عرضياً، بل هو جوهر الآلية التي تبقيها في موقع الهشاشة الأقصى، حيث يصبح استغلالها ممكناً بأقل تكلفة وأعلى ربح.

في مصر، يحدد اللون قيمة العمل بدقة نافذة. السودانية ذات الملامح الأفريقية تتقاضى أجراً أقل من السودانية الأقرب إلى الهوية العربية، وكلتاهما تتقاضيان أقل من العاملة المصرية. هذه التراتبية ليست انعكاساً لتحيزات فردية، بل هي بنية سوق العمل الفعلية. صاحب العمل لا يحتاج إلى الكراهية، بل يكفي أن يتبع المنطق الذي يخبره أن العمالة السوداء ستقبل بأقل أجر ولن تطالب بحقوقها. وهكذا تعيد السوق إنتاج العنصرية دون حاجة إلى مبررات، لأن الربح هو المبرر الوحيد. المرأة التي تنظف بيوت المصريين اثنتي عشرة ساعة لا تُحرم من الحد الأدنى للأجور بسبب موقف شخصي، بل لأن شروط السوق تسمح بذلك، وهذه الشروط هي نتاج بنية رأسمالية تحتاج إلى تراتبية لتبقي الأجور منخفضة والعمالة منقسمة.

في أوروبا، تظهر المسألة بشكل أكثر تهذيباً لكنها لا تختلف في جوهرها. استقبال اللاجئات الأوكرانيات عام 2022 ببرامج إيواء استثنائية وتصاريح عمل فورية، بينما تظل الأفريقيات تنتظر سنوات في مراكز بعيدة، لم يكن مجرد سياسة ظرفية، بل كشفاً صريحاً عن التراتبية العنصرية المبنية في صميم نظام اللجوء الأوروبي. أوكرانيا بيضاء ومسيحية وقريبة، فاستحقت الرحمة السريعة. السودان أسود ومسلم وبعيد، فاستحق البيروقراطيا المطولة والمخيمات النائية. هذه التراتبية ليست طارئة، بل هي التعبير عن البنية التي يقوم عليها النظام العالمي، حيث تُوزع الكرامة والفرص وفقاً للون والبعد والدين، والرأسمالية الأوروبية تستفيد من هذا التوزيع لأنها تحصل على عمالة رخيصة مع الحفاظ على شعاراتها الإنسانية.

الإسلاموفوبيا التي تواجهها المحجبات السودانيات في أوروبا ليست مجرد عداء ديني، بل هي أداة اقتصادية دقيقة، فالمرأة التي ترتدي الحجاب تجد أبواباً مغلقة في سوق العمل الرسمي، وسوق السكن، وشبكات التواصل المهني. هذا الإغلاق ليس نتيجة "خوف من الإسلام"، بل هو آلية لإبعادها عن الوظائف المرئية ودفعها إلى القطاعات غير الرسمية حيث يمكن استغلالها دون رقابة. الدين هنا يُلاحَق لأنه يشكل عائقاً أمام الاستيعاب في المواقع التي يراها الجمهور، فيُدفع صاحبه إلى حيث لا يراه أحد، وحيث يمكن خفض أجره إلى الحضيض. الرأسمالية لا تحتاج إلى كره الإسلام، بل تحتاج إلى أي أداة تسمح بتقسيم العمالة وتبرير دفع أجور متفاوتة.

داخل مجتمع اللاجئين نفسه، تعيد الطبقة إنتاج نفسها. المرأة التي كانت معلمة في الخرطوم تحمل معها إلى المنفى رأس مال ثقافي واجتماعي يختلف تماماً عن المرأة التي كانت فلاحة في دارفور. الأولى قد تجد فرصة في قطاع التعليم أو الصحة، والثانية لا تجد سوى العمل المنزلي أو الشارع. "اللاجئ" ليس هوية واحدة، بل هو وضع قانوني يتقاطع مع تاريخ طبقي سابق يستمر في تحديد المسار حتى بعد العبور. الطبقة لا تموت مع العبور، بل تُعاد إنتاجها بآليات جديدة في البلد المضيف، والرأسمالية تستفيد من هذا الانقسام الداخلي لأن العمالة المنقسمة أسهل في السيطرة والاستغلال.

الصور النمطية عن المرأة السودانية ليست مجرد أفكار خاطئة، بل هي أدوات استغلال وظيفية. صورة "المرأة الأفريقية القوية الصبورة" تُستخدم لتبرير أجور أدنى وساعات أطول لأنها "بطبعها تتحمل". صورة "الأم المحتاجة" تُستخدم لإنتاج خطاب الشفقة الذي يقيم علاقة تبعية لا تحرراً. صورة "المسلمة المقهورة" تُستخدم لتبرير التدخل باسم تحريرها من ثقافتها. كل هذه الصور تعيد إنتاج موقع اقتصادي محدد للمرأة السودانية، وتجعل استغلالها مشروعاً في عيون المجتمع المضيف، وفي عيونها هي حين تستوعبها وتتصرف وفقها. الرأسمالية لا تنتج الصور النمطية، لكنها تستخدمها بكفاءة لأنها تخفض تكلفة الاستغلال وتجعل المقاومة أكثر صعوبة.

محاولة مقاومة هذه التراتبيات المتشابكة لا يمكن أن تكون بتفكيكها واحدة تلو الأخرى، لأنها ليست منفصلة في الواقع العملي. المرأة التي تتعرض للتمييز بسبب لونها وجنسها وطبقتها في آن واحد، لا يمكن تحريرها بتحريرها من عامل واحد فقط. العنصرية ليست خطأ يمكن تصحيحه بالتوعية، بل هي بنية اقتصادية تنتجها الرأسمالية وتستفيد منها لأنها تحتاج إلى تراتبية تبرر أجوراً متفاوتة لعمال متساوين في الجهد. لذلك، لا يمكن فصل النضال ضد العنصرية عن النضال ضد الرأسمالية، كما لا يمكن فصل تحرير المرأة عن تحرير الطبقة العاملة بأكملها. وكما كتب فرانز فانون في "معذبو الأرض": "المستعمَر الذي يتحرر داخل الاستعمار لا يكون محرراً، بل مُعاد الإنتاج بشكل أكثر تطوراً." وهذا ينطبق على المرأة السودانية التي تُمنح بعض الحقوق داخل النظام الرأسمالي العنصري، فهي تظل مستغلة، لكن بوجه أكثر تهذيباً.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 12. الذكورة المهشمة
- 11. جيش الاحتياط الكوني
- 10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
- 9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
- 8. الجيل القادم كرهينة
- 7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
- 6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
- 5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
- 4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
- 3. الحرب على النساء قبل اللجوء
- 2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
- المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست ...
- حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
- 12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
- 11. لماذا أوموفيا؟
- 10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
- 9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه ...
- 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل ...
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...


المزيد.....




- أردوغان يحذر من حظر الحجاب ويؤكد أن ارتداءه أمر طبيعي في ترك ...
- في شوارع طرابلس.. -تاكسي النساء- يكسر النمطية ويوفر الأمان ل ...
- من غرف العمليات إلى طوابير الإغاثة: مأساة النساء الحوامل في ...
- في يوم التأهل التاريخي.. اتهام قائد الرأس الأخضر باغتصاب متر ...
- الحضانة تعيد الأمهات إلى ساحة التحرير احتجاجا على تعديل قانو ...
- إنقاذ امرأة بعد سقوط سيارة في حفرة مغمورة بالمياه
- تظاهرة نسوية في -التحرير- للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخ ...
- 16 امرأة في منصب الرئيس.. لماذا يحدث في أمريكا اللاتينية؟
- حقّرت شعائر إحدى الملل الدينية.. البحرين توقف امرأة بعمر 47 ...
- تطبيق في كوريا الجنوبية لحماية النساء من الملاحقة، فهل ينجح؟ ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عماد حسب الرسول الطيب - 13. العنصرية والجندر والطبقة