أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل على الإطلاق















المزيد.....

8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل على الإطلاق


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 13:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن فقراء أوموفيا أقل غضباً من فقراء فيتنام أو كوبا. كانوا يدفعون الضرائب للشيوخ ويعملون في حقول النخبة ويقدمون أبناءهم قرابين للأوراكل. كان لديهم كل أسباب الثورة. لكنهم لم يثوروا. لم يحرقوا بيت الأوراكل، ولم يقتسموا أراضي النخبة، ولم يشكلوا تحالفاً بين الأوسو والمدينين. هذا الفشل في التحول إلى طبقة ثورية لم يكن لأنهم "متخلفون" أو "غير واعين"، بل لأن الأوراكل نجح في إقناع كل فقير أن الفقير الآخر هو عدوه. الأوسو يظن أن المدين يتعالى عليه، والمدين يظن أنه أفضل من الأوسو لأنه ليس "ملوثاً". النخبة تغذي هذا التناقض لأن بقاءها مرهون به. غياب الطبقة الثورية في أوموفيا لم يكن قدراً محتوماً، بل كان انتصاراً للأوراكل في معركته الأهم: منع المضطهدين من التعرف على بعضهم.

السودان اليوم أكثر تعقيداً من أوموفيا، لكن الجوهر واحد. الفقراء هناك ليسوا أقل غضباً، وقد أثبتوا ذلك في ثورة ديسمبر 2019 حين خرج الملايين بشعار واحد. لكن الغضب وحده لا يصنع طبقة ثورية. الطبقة الثورية تحتاج إلى تنظيم، ومنهج، ووعي بمصالحها المشتركة التي تعبر الانقسامات. هذه الأشياء كانت حاضرة في ثورة ديسمبر لحظياً، ثم تلاشت. لماذا تلاشت؟ لأن الأوراكل تدخل مجدداً: القبيلة قالت إن عدوك هو من قبيلة أخرى، والدين قال إن المشكلة في أخلاق الناس، والإصلاحيون قالوا انتظرونا نتفاوض، والكجور قال انتظروا بركة الموسم. كل أوراكل أعاد توجيه البوصلة بعيداً عن العدو الحقيقي، فانشغل الفقراء بقتال بعضهم أو بانتظار حلول وهمية. غياب الطبقة الثورية ليس غياباً مطلقاً، بل هو حضور مشوه: طاقة ثورية موجودة لكنها تُصرف في قنوات لا تهدد النخبة.

لماذا نجحت ثورات في فيتنام وكوبا وفشلت أوموفيا وسودان اليوم؟ ليس لأن الفيتناميين أكثر شجاعة، بل لأن ظروفهم المادية أنتجت أوراكل أضعف وبديلاً ثورياً أقوى. في فيتنام، كان الإصلاح الزراعي الفوري في المناطق المحررة هو ما حطم الأوراكل. الفلاح الفيتنامي لم يعد بحاجة إلى وسيط روحاني أو قبلي ليخبره من عدوه، لأنه رأى بعينيه: الجيش الفرنسي أو الأمريكي جاء ليأخذ أرضه التي منحه إياها الفيت مينغ. الأرض الملموسة كانت أقوى من أي خرافة. في السودان، لم يقدم أي طرف ثوري بديلاً مادياً مماثلاً. لجان المقاومة وزعت الخبز أحياناً، لكنها لم توزع أرضاً، لم تؤمم مناجم الذهب، لم تكسر احتكار النخبة للريع. وبقي الأوراكل هو المرجع الوحيد الذي يقدم إجابات عن أسئلة الجوع والموت. الفارق أن فيتنام كان لديها جبهة وطنية موحدة برنامجها الزراعي يبدأ من أول يوم، بينما ثورة السودان ظلت بلا برنامج اقتصادي يمس حياة الفقراء.

في كوبا، لم يواجه الثوار الأوراكل الديني بشكل مباشر، بل وجدوا فيه نقطة التقاء. كاسترو وغيفارا لم يقولا للفلاحين "آلهتكم كاذبة"، بل قالوا "آلهتكم تستخدم ضدكم". استخدموا لغة العدالة الدينية (المضطهَدون المبشَّر بتحررهم) لربطها بمطالب مادية حقيقية: أرض، تعليم، صحة. الدين لم يختف، بل تحول من أوراكل يشرعن الاستغلال إلى قوة دافعة للمقاومة. هذا هو الفارق الجوهري بين نجاح وفشل الطبقات الثورية: ليس في وجود الأوراكل من عدمه، بل في قدرة الثوار على تحويله أو تجاوزه عملياً. في السودان، غابت هذه القدرة. اليسار السوداني التاريخي، الذي كان يمكن أن يلعب هذا الدور، انقسم وتشرذم وبقي أسير خطاب مديني لا يصل إلى الريف والهامش. الأحزاب السياسية تقاتلت على السلطة لا على تحرير الجماهير. والأوراكل ملأ الفراغ.

الحالة المضادة التي يجب دراستها هي الكونغو بعد اغتيال لومومبا عام 1961. هناك، انهارت الدولة، وتدفق السلاح، وتنافست الميليشيات على الموارد، وتدخلت الإمبريالية بقوة. الفقراء عانوا لعقود، لكن ذلك لم ينتج طبقة ثورية، بل أعاد إنتاج القبلية والمنقذ العسكري بصور متكررة. لماذا؟ لأن في غياب أي تنظيم يترجم الغضب المادي إلى برنامج سياسي، يسقط الناس تلقائياً على الهويات الجاهزة المتاحة. القبيلة شبكة أمان موجودة، والمنقذ المسلح يحمي فعلياً حين لا تحمي الدولة. هذه هي الدوامة التي يخشى كل سوداني أن يكون السودان داخلها اليوم: انهيار ينتج فوضى، وفوضى تعيد إنتاج الأوراكل، وأوراكل تمنع ظهور الطبقة الثورية، فينهار أكثر. كسر هذه الدوامة يحتاج إلى تدخل واعٍ، لا إلى انتظار تلقائي.

السودان ليس الكونغو، وهذه هي ميزته الوحيدة. السودان يملك ذاكرة ثورية حية: ثورات 1964 و1985 و2019 ليست مجرد تواريخ، بل تراكم تجربة أن الشعب يستطيع إسقاط الطغاة حين يتحد. هذه الذاكرة هي رأسمال رمزي هائل لم تملكه الكونغو ولا أوموفيا. لكن الذاكرة وحدها لا تصنع طبقة ثورية. في كل مرة، ينجح الأوراكل في استعادة السيطرة بعد انقشاع الزخم الأول. السؤال الحقيقي ليس "هل السودان قادر على الثورة؟" بل "لماذا تفشل كل ثورة سودانية في التحول إلى تنظيم دائم؟" الجواب ليس في المؤامرات الخارجية فقط، بل في غياب برنامج اقتصادي يمس حياة الفقراء مباشرة. كل ثورة أسقطت ديكتاتوراً، لكنها لم تقدم بديلاً عن نموذج الريع، ولم تؤمم الذهب، ولم توزع الأرض، ولم تكسر احتكار النخبة. وبقي الفقراء فقراء، وعاد الأوراكل ليخبرهم أن المشكلة في أخلاقهم أو قبيلتهم أو دينهم.

الثورة لا تصنعها الأغلبية، بل تصنعها الطليعة المنظمة التي تقنع الأغلبية بأن التغيير ممكن. هذه الطليعة غائبة في السودان اليوم. ليس لأن النخبة الثورية غير موجودة، بل لأنها مشغولة بالتفاوض مع العسكر أو بإصدار البيانات أو بالقتال على السلطة. الطليعة الحقيقية هي التي تنزل إلى المخيمات وتنظم النازحين، وتفتح ممرات إنسانية، وتدير تعاونيات زراعية، وتعلم الأطفال في مدارس تحت القصف. هذه الطليعة موجودة بأعداد صغيرة في لجان المقاومة، لكنها بحاجة إلى التوسع والتنسيق. وحدها يمكنها كسر الأوراكل، لأنها لا تتكلم بلغة القبيلة أو الدين، بل بلغة الخبز والدواء والأرض. وهذه هي اللغة التي يفهمها كل فقير، بغض النظر عن انتمائه.

غياب الطبقة الثورية ليس قدراً، بل هو نتيجة فشل تنظيمي. وفشل تنظيمي يمكن تداركه. لكن تداركه يبدأ بالاعتراف بأن الثورة لم تفشل بسبب "تخلف الشعب" أو "تعقيد الوضع" أو "تدخل الخارج"، بل بسبب فشل الثوار أنفسهم في بناء أدوات دائمة تربط المطالب الفورية بالأهداف الاستراتيجية. هذا الاعتراف مؤلم، لأنه يضع المسؤولية على من يريدون التغيير، ليس على عدو خارجي. لكنه ضروري، لأنه بدونه يبقى التمرير هو الأسلوب: نلقي اللوم على القبيلة، على الدين، على الإمارات، على مصر، على روسيا، ونستمر في انتظار اللحظة السحرية التي تنقلب فيها الموازين. اللحظة السحرية لن تأتي. الطبقة الثورية لا تظهر من العدم. تُبنى، ببطء، بصبر، وبأخطاء كثيرة. السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل السودان قادر على بناء هذه الطبقة قبل أن ينهار تماماً؟ لا أحد يعرف. لكن المؤكد أن من ينتظر الجواب دون أن يبدأ العمل، لن يراه أبداً.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته ...
- 6. الإصلاحيون ليسوا بديلاً عن الأوراكل بل هم أوراكل ما بعد ا ...
- 5. الكجور والطرق الصوفية: أوراكل السودان المتعددة بين الخراف ...
- 4. القبلية والتكفير هما أوراكل السودان الجديد
- 3. دولة الريع السودانية ليست استثناءً بل نموذجاً للتراكم الط ...
- 2. الأوراكل كجهاز أيديولوجي للدولة لم يمت بل تطوّر ليُلبس ال ...
- -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟


المزيد.....




- تصعيد على جبهة لبنان وسط مخاوف إسرائيلية من اتفاق بين أمريكا ...
- مصدر سعودي لـCNN: التطبيع مع إسرائيل مرهون بمسار لا رجعة فيه ...
- نصائح للحجاج قد تساعد في الحفاظ على صحتهم أثناء أداء مناسك ا ...
- كيف تنقذ شخصاً مصاباً بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس؟
- اشتباكات عنيفة بعد احتجاج حاشد في بلغراد
- وفد إيراني في الدوحة.. وترامب يربط الاتفاق مع طهران بتوقيع إ ...
- حالة ذعر في مركز تسوق فاخر بطوكيو بعد رش مادة مجهولة
- -الشعاع الحديدي-.. سلاح استراتيجي إسرائيلي جديد قريبا في الخ ...
- ليزر في سماء الخليج.. نهاية عصر الصواريخ ضد مسيّرات إيران؟
- غارة إسرائيلية تستهدف مركز الدفاع المدني اللبناني في النبطية ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل على الإطلاق