عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، تسابق المحللون إلى تقديم تفسيراتهم الجاهزة: صراع على السلطة بين جنرالين، حرب قبلية بين عرب وأفارقة، تداعيات الإرث الإنقاذي، صراع إقليمي بالوكالة. كل هذه التفسيرات ترى شيئاً من الحقيقة لكنها تخفي الجوهر الطبقي، والأخطر أنها تعيد إنتاج لعبة الأوراكل ذاتها التي شلت أوموفيا. فكما كان شيوخ أوموفيا ينتظرون إشارة الأوراكل قبل اتخاذ أي قرار، ينتظر السودانيون اليوم "إشارات" من قنوات فضائية أو فتاوى دينية أو زعماء قبائل ليفهموا من عدوهم. الحرب في السودان ليست انحرافاً عن مسار طبيعي، بل هي الذروة المنطقية لنمط تطور رأسمالي طفيلي قائم على الريع لا على الإنتاج، والأوراكل الجديد الذي يقدس هذا النمط هو خطاب القبلية والدين المسلح.
الذهب ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو المحدد المادي لمسار الحرب، وهو عصب الأوراكل الجديد الذي يشرعن القتل باسم الكرامة أو الوطن. يتركز الذهب في مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وتسيطر عليه شبكات تمويل موازية للدولة. قوات الدعم السريع، قبل أن تصبح طرفاً في حرب معلنة، كانت تحتكر مناطق جبل عامر وتدر عشرات الملايين شهرياً من الذهب المهرب عبر الإمارات. الجيش، بدوره، يسيطر على الموانئ والمناطق الحرة وشركات الاستيراد التي كانت تمول أجهزته. حين تصاعد الصراع بين البرهان وحميدتي، لم يكن حول من يحكم السودان، بل حول من يسيطر على صنابير الريع بعد إقصاء البشير. الشعب السوداني لم يكن طرفاً في هذا الصراع، بل هو الضحية التي تقدم قرباناً على مذبح الأوراكل الجديد، مثلما قدم إيكيميفونا قرباناً للأوراكل القديم.
دولة الريع تختلف جوهرياً عن الدولة الرأسمالية الإنتاجية، وتنتج أوراكل خاصاً بها. في الدولة الإنتاجية، ينشأ التناقض الرئيسي بين البرجوازية التي تملك وسائل الإنتاج والطبقة العاملة التي تبيع قوتها العاملة. هذا التناقض ينتج وعياً طبقيًا وإن تأخر. أما في دولة الريع، فالثروة لا تأتي من استغلال العمل في المصانع، بل من السيطرة على منافذ تصدير الموارد الطبيعية والتحكم في تدفق الإعانات الخارجية والديون. هنا، لا توجد برجوازية صناعية ولا بروليتاريا حديثة بالمعنى الكلاسيكي. بدلاً من ذلك، توجد نخب تتشكل حول أجهزة الدولة والعسكر، وتتصارع على من يأكل من الريع. الطبقات الدنيا لا تُستغل بالمعنى الصناعي، بل تُهمش بالمعنى الجغرافي والإقصائي، وهذا الإقصاء هو الذي ينتج الخرافة القبلية كتفسير جاهز للمعاناة. الأوراكل هنا ليس كاهنة في كهف، بل شاشات فضائية وفتاوى وقادة رأي يرددون أن الفقر "إرادة الله" والموت في الحرب "شهادة".
نظام الإنقاذ الذي حكم السودان ثلاثة عقود لم يصنع دولة رأسمالية حديثة، بل عمق نموذج الريع الطفيلي وأقام أوراكل دينية وسياسية تخدمه. سياسات الخصخصة في تسعينيات القرن الماضي لم تهدف إلى بناء قطاع خاص منتج، بل إلى توزيع أصول الدولة على رجال الأعمال المقربين من الأجهزة الأمنية. مشروع الجزيرة الزراعي الذي كان ركيزة الزراعة السودانية أُهمل لصالح منح أراض شاسعة لمستثمرين لا ينتجون غذاء للسودانيين بل يصدّرون. الذهب حُوِّل إلى مورد استراتيجي لا تخضع عائداته لأي رقابة. البنك المركزي طبع النقود لتمويل العجز دون أي قاعدة إنتاجية، فانهارت العملة وارتفع التضخم وأصبح 80% من السودانيين تحت خط الفقر. هذه البنية الطبقية لا تنتج ثورة، بل تنتج انفجارات غضب عابرة ثم يعيد العسكر إنتاج نفس النموذج، وفي كل مرة يُستدعى الأوراكل ليقدس الواقع القائم ويحرم الاعتراض عليه.
ما يسمى "القبيلة" في السودان ليست كياناً أثرياً متحجراً، بل هي إنتاج سياسي استعماري وإنقاذي صُلِّب وسُلِّح وجُنِّد في خدمة نموذج الريع، وهي تؤدي ذات الوظيفة التي كان يؤديها الأوراكل في أوموفيا: تشريع التراتبية، تفريغ الطاقة الاحتجاجية، إدارة العنف بلغة مقدسة، وشل الاستجابة الجماعية. الإدارة البريطانية صنعت "قبائل" بحدود وزعماء وسجلات إدارية حيث كانت الهويات سائلة ومتداخلة. نظام الإنقاذ عمّق هذه القبلية لأغراضه: الحكم الأهلي جعل الانتماء القبلي مفتاحاً للوصول إلى الأراضي والمياه والمراعي، وتوزيع السلاح على قبائل ضد أخرى في دارفور حوَّل الصراع على الموارد إلى صراع هوياتي، والاقتصاد السياسي للهوية جعل القبيلة شبكة أمان وحيدة في غياب الدولة. الفقير الدارفوري الذي يقاتل تحت راية قبيلته لا يعرف أن قائد قبيلته يتقاسم عائد الذهب مع قائد القبيلة الأخرى، فهو يصدق الخرافة لأنها الإجابة الوحيدة المتاحة له عن أسئلة معاناته.
التكفير كممارسة سياسية كان هامشياً في الحرب الراهنة، لكن آليات إنتاج الخرافة الدينية اشتغلت بكفاءة أعلى، مكمّلة وظيفة الأوراكل القديم بثوب جديد. نظام الإنقاذ الذي حاول إحلال إسلام سياسي تعبوي محل الإسلام الصوفي الطرقي، صنع فرداً منفصلاً عن شبكاته الاجتماعية التقليدية، قابلاً للتعبئة نحو عدو معرف دينياً. حين استخدم الجيش خطاب "حماية الدولة والأمة من المرتزقة"، وصف المعركة كصراع وجودي بين الإسلام والكفر، بين الوطنية والخيانة. هذا الخطاب يجعل أي اعتراض على الجيش خيانة للأمة والدين معاً، ويغلق باب السؤال المادي: لماذا يموت جنود الجيش الفقراء بينما يتراكم ثراء قادته؟ إنها ذات آلية الأوراكل التي جعلت أوكونكو يقتل إيكيميفونا خوفاً على مكانته.
الطبقة التي يمكن أن تكسر هذا الأوراكل هي الطبقة العاملة السودانية، لكنها توجد في حالة تبعثر وتفكك غير مسبوقين. العمال الصناعيون قلة والنقابات التي كانت قوية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي انهارت تحت وطأة عقود من التهميش والقمع. معظم السودانيين يعملون في قطاع غير رسمي أو زراعة معيشية أو هجرة مؤقتة إلى الخليج. النازحون أكثر من عشرة ملايين، مختلطون جغرافياً لكنهم مفككون تنظيماً. لجان المقاومة التي نشأت في ثورة 2019 قدمت نموذجاً للتنظيم الأفقي لكنها ظلت مدينية ونخبوية نسبياً، وفشلت في بناء جسور مع الريف والمناطق المتأثرة بالحرب. هذا هو التناقض الطبقي الذي يستغله طرفا الحرب عبر أوراكلهم: جماهير غاضبة لكن غير منظمة، فقيرة لكن متفرقة، تحتاج إلى أي بديل يوفر الخبز والأمان، فتقع في شباب الخرافة القبلية أو الدينية التي تقدم إجابات وهمية عن أسئلة حقيقية.
التحالفات الدولية والإقليمية التي تمول الطرفين ليست مؤامرة خارجية، بل شراكة طبقية، وهي تمثل الأوراكل الخارجي الذي يضاف إلى الأوراكل الداخلي. الإمارات لا تمول الدعم السريع حباً في حميدتي، بل لأن الذهب السوداني المهرب عبر دبي يعوضها جزئياً عن ثروتها النفطية المتناقصة، ولأن سوداناً ضعيفاً ممزقاً أسهل استغلالاً من سودان موحد. مصر تدعم الجيش ليس بدافع قومي عروبي، بل لأن أي حكومة سودانية قوية قد تعيد التفاوض على حصتها من مياه النيل. روسيا تدعم الطرفين أحياناً، ليس لأنها حليف استراتيجي لأفريقيا، بل لأن الذهب السوداني ملاذ آمن من العقوبات الغربية. هذه الإمبريالية الإقليمية الجديدة لا تعمل عبر احتلال مباشر كالاستعمار الكلاسيكي، بل عبر تمويل الانقسامات الداخلية واستغلالها لخدمة مصالحها، مثلما استغل المبشرون الانقسامات الداخلية في أوموفيا لتمرير هيمنتهم.
كل هذا التشريح يقود إلى سؤال التحرر: كيف يمكن بناء وعي طبقي مضاد يكسر الأوراكل الجديد، في ظل غياب دولة، وتشرذم الطبقة العاملة، وتدفق السلاح من الخارج، وتسلط خطابين خرافيين متناقضين؟ الإجابة ليست في انتظار لحظة ثورية نظيفة، بل في استغلال التناقضات داخل البنية الراهنة. أولها أن الحرب نفسها تُري العدو مكشوفاً: حين يقصف الطيران مستشفى أو يقطع الدعم السريع إمدادات الغذاء عن حي كامل، تتجرد الخرافة وتظهر المصالح الطبقية العارية، وتنكشف قداسة الأوراكل الزائفة. ثانيها أن النزوح الجماعي يخلط المجموعات البشرية ويخلق ظروفاً موضوعية لتجاوز الانقسامات القبلية، شريطة وجود تنظيم يعمل على ترجمة هذا الخلط إلى وعي مشترك يفضح أن الأوراكل القبلي صنعة النخبة. ثالثها أن لجان المقاومة، رغم قصورها، تقدم نموذجاً حياً للتنظيم الأفقي يمكن تطويره وتعزيزه ليكون بديلاً عن الأوراكل، لا أوراكل جديداً.
الاستعمار لم يسقط في أفريقيا بفضل خطاب وطني مجرد، بل بفضل حركات تحرر ربطت بين الإخراج العسكري والإصلاح الزراعي، بين الاستقلال السياسي والتوزيع العادل للأرض، والأهم أنها فضحت أوراكل المستعمر وأوراكل النخب التقليدية معاً. السودان اليوم يحتاج إلى وعي يربط بين وقف الحرب وتوزيع عائد الذهب، بين طرد الميليشيات وتأميم الثروة، بين إسقاط النخبة المسلحة وبناء سلطة محلية منتخبة تكسر احتكار الأوراكل للتفسير والتحريم. بدون هذا الربط، ستظل الجماهير تتأرجح بين طرفي الصراع، وأي انتصار لأحدهما سيعيد إنتاج نموذج الريع نفسه بوجه جديد، مع أوراكل جديد يبارك الاستغلال باسم الكرامة أو الدين أو الوطن.
كما قال فانون في "معذبو الأرض": "إن الاستعمار لم يكتفِ بمنع اتحاد شعبه؛ لقد عمل على كسب الوقت، وصنع الشخصية القبلية، وشرعنة الحركات الإقليمية، وجعل المحكومين يعيشون في حالة من الانغلاق والجمود". السودان الراهن يعيد إنتاج هذا المشهد الاستعماري بأدوات محلية وإقليمية، وأوراكله الجديدة لا تقل فتكاً عن أوراكل أوموفيا. كسر الخرافة القبلية والدينية لا يتم بالبيان النظري، بل بتنظيم أنفسنا حول مطلب مادي واحد يمس الجميع ويجعل الأوراكل عاجزاً عن تبرير استمرار المعاناة: وقف الحرب وتوزيع الثروة بعدل تحت سلطة منتخبة لا تباركها القبيلة ولا الدين ولا الجنرالات. أي شيء آخر هو إلهاء تنتجه النخبة لتبقى على كراسيها، مثلما ألهى الأوراكل أوموفيا حتى انهارت.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟