أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حسب الرسول الطيب - -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي















المزيد.....

-الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 18:16
المحور: الادب والفن
    


قبل أن نغوص في تشريح التناقضات الطبقية التي أنتجت هزيمة أوموفيا، لا بد من تحديد المادة الخاضعة للتحليل. تشينوا أتشيبي لم يكتب روايته عام 1958 كمرثاة لحضارة ضائعة، بل كتشريح لآليات الانهيار الداخلي التي جعلت مجتمعه قابلاً للهيمنة الاستعمارية. ولأن القراءة الماركسية الجذرية تبدأ من الوقائع المادية لا من النوايا الأدبية، فإن استيعاب هذه الوقائع شرط لفهم التناقض الذي سنتعقبه عبر حلقات السلسلة.

وُلد أتشيبي عام 1930 في أوغيدي لعائلة إيغبو كانت من أولى العائلات المتحوِّلة إلى المسيحية. نشأ على وقع صراع بين تراث آبائه الإيغبو والثقافة الاستعمارية التي تلقاها في المدارس التبشيرية. تلك الثنائية لم تكن مجرد خلفية سير ذاتية، بل هي عين التناقض الذي سيعالجه أدبياً: كيف يكتب كاتب بلغة المستعمر عن هزيمة مجتمعه أمام المستعمر؟ في جامعة إبادان، حيث درس الأدب الإنجليزي والتاريخ، اكتشف أتشيبي أن الأفارقة في الرواية الاستعمارية إما وحوش أو أطفال يحتاجون إلى وصاية. قرأ "قلب الظلام" لجوزيف كونراد فوجد الأفارقة يوصفون بأنياب متوحشة وظلال بلا روح. أدرك حينها أن المعركة ليست فقط مع رصاص المستعمر، بل مع قلمه أيضاً. فكتب "الأشياء تتداعى" كرواية مضادة تستعيد للأفارقة قدرتهم على رواية أنفسهم.

تدور أحداث الرواية في تسعينيات القرن التاسع عشر، ذروة ما سمي "التدافع على أفريقيا". كانت نيجيريا آنذاك فسيفساء من ممالك وإمارات وقبائل، من بينها الإيغبو الذين عاشوا في نظام لا مركزي قائم على القرى والعشائر. لكن الذي يهم التحليل الطبقي ليس المشهد الأنثروبولوجي بقدر ما هو التحول البنيوي. طور الإيغبو قبل الاستعمار بنى تحتاج إلى فحص طبقي: مجالس حكم مثلت تحالفات النخبة، أوراكل دينية قدست الترتيبات القائمة، أنظمة عدلية حميت تراكم الثروة، وطقوساً للترقي الاجتماعي أوهمت الفقراء بإمكانية الصعود الفردي. هذه البنى لم تكن "ثقافة" محايدة، بل غلافاً أيديولوجياً لعلاقات إنتاج محددة. حين وصل البريطانيون بثلاثة أجهزة استعمارية متزامنة - إدارة مركزية قوضت السلطة المحلية، ومحاكم بدلت القانون العرفي بقانون الغازي، وإرساليات مسيحية جردت الأوراكل من قداستها - لم يكونوا يواجهون مجتمعاً متماسكاً. كانوا يواجهون هرماً طبقياً متصدعاً، وفقراء يبحثون عن بديل، ونخبة تفضل الهزيمة على منح الجماهير حق تقرير مصيرها.

صدرت الرواية قبل عام من استقلال نيجيريا، وترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وأسست لما يسمى "الرواية الأفريقية الحديثة". لكن قيمتها بالنسبة لنا ليست أدبية بل معرفية: تقدم أتشيبي صورة معقدة لمجتمع قبل الاستعمار وأثناءه، فكسر الصورة النمطية الاستعمارية الأُحادية. كتبها بالإنكليزية، وهذا الاختيار ليس بريئاً. البعض رأى فيه خضوعاً، والبعض رآه ثورياً: استخدم لغة الإمبراطورية لهدم أساطيرها. هذا التناقض نفسه سيظهر في تحولات الشخصيات: هل يتحول إنووي إلى المسيحية هروباً من قسوة أبيه أم بحثاً عن إنسانية بديلة؟ السؤال الماركسي ليس عن دوافعه النفسية بل عن موقعه الطبقي الجديد.

تنقسم الحبكة إلى ثلاثة أجزاء تتبع مسار أوكونكو من قمة سلالمه الاجتماعية إلى قاع انهياره. الجزء الأول يعرّفنا بأوموفيا، إحدى قرى الإيغبو، وبأوكونكو الذي صعد من قاع الفقر إلى قمة النجاح: مصارع بطل، فلاح يمتلك حقول يام متعددة وثلاث زوجات وعشرة أطفال، نال أرفع الرتب الاجتماعية. لكن هذا الصعود الفردي كان ثميناً: بناه على نقيض أبيه أونوكا، الرجل المدين الكسول الذي مات دون رتبة، فجعل من القسوة على الضعفاء شرطاً لكرامته. أتشيبي يرسم بالتفصيل حياة الإيغبو اليومية - طقوس الكولا، تعدد الزوجات، القروض الزراعية، احتفالات الحصاد - ومعه ممارسات تثير الاشمئزاز: التخلص من التوائم في الغابة الملعونة. لكنه يصر على تقديم هذه الممارسات كجزء من نسيج له منطقه الداخلي، وهذه هي النقطة التي سننقض عليها ماركسياً: "المنطق الداخلي" ليس عذراً، بل هو بالضبط ما يجب تفكيكه.

الحدث الدرامي الأول يُدخل إيكيميفونا، صبي رهينة من قرية مبينو، إلى بيت أوكونكو. يعيش ثلاث سنوات، يكتسب حب الأسرة، ويصبح الأخ الأكبر لإنووي ابن أوكونكو. لكن الأوراكل يأمر بقتله قرباناً. الشيوخ ينصحون أوكونكو ألا يشارك، لكنه يخاف أن يتهم بالضعف. حين يلوذ الصبي به هارباً من السيوف، يرفع أوكونكو ساطوره ويقطعه. ليس هذا قسوة طبيعية، بل اغتراب طبقي: رجل يعرف أنه يقتل ابناً روحياً، لكنه يختار مكانته على إنسانيته. إنووي الذي يراقب من بعيد ينكسر داخله إلى الأبد. بعد سنوات، في مراسم دفن، تنطلق رصاصة من بندقية أوكونكو بالخطأ فتقتل ابن زعيم، فينفى سبع سنوات إلى بلدة أمه مبنتا.

في المنفى، تصل أخبار البيض. مبشرون مسيحيون يطلبون أرضاً لبناء كنيسة، فيمنحهم زعماء مبنتا أرضاً في الغابة الملعونة ظناً أن الآلهة ستقتلهم. لكن الرهان ينقلب: يقيم المبشرون مبانيهم، ويصمدون، ويبدأ المنبوذون اجتماعياً في الاقتراب منهم. الدين الجديد يقدم كرامة ومساواة لم يعرفوها. هنا يكمن التناقض الذي ستتعقبه الحلقات: لم يكن المسيحيون أكثر "حقاً" من الأوراكل، لكنهم كانوا بديلاً لمن لا مكان لهم في الهرمية القديمة. أوكونكو يصعق حين يتحول ابنه إنووي إلى المسيحية ويترك المنزل. إنووي لم يبحث عن الله، بل هرب من أبٍ ضحى بأخيه.

بعد سبع سنوات، يعود أوكونكو إلى أوموفيا فلم يجدها. الإدارة البريطانية والمحاكم والكنيسة زرعت شرخاً في المجتمع. براون، القس الحكيم، حل محله سميث المتعصب، وتصدع الهيكل القائم على الرجال الأحرار واحترام الأجداد. يحرق أوكونكو الكنيسة مع بعض الزعماء، فيذلهم الحاكم بجلد علني وفدية. لكن نقطة اللاعودة تأتي حين يقطع أوكونكو رأس مبعوث الحاكم وسط حشد جماهيري. يتطلع حوله منتظراً أن يتبعه الجمهور، لكنه يجد وجوهاً منكمشة، خطوات تتراجع، أصابع تشير إليه بخيانة أو جنون. يدرك فجأة أن شعب أوموفيا لن يقاتل. يشنق نفسه في الفناء الخلفي. حين يصل الحاكم الإقليمي ويسمع بالخبر، يعلق ببرود إمبراطوري أن قصة أوكونكو تستحق فصلاً هامشياً في كتابه القادم.

اقتبست الرواية عنوانها من قصيدة ييتس "العودة إلى ثانية" التي تنبأت بتداعي الحضارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى. المفارقة ساخرة: أوروبا كانت تخشى انهيار عالمها وهي تسرع بتدمير عوالم غيرها. هذا الاقتباس ليس زخرفاً أدبياً، بل اعتراف ضمني بأن الخرافة ليست حكراً على غابات الإيغبو، بل تسكن قصائد الشعراء الأيرلنديين أيضاً.

كل تلخيص يخون النص، لكن القراءة الماركسية لا تطلب الأمانة للنص بقدر ما تطلب استخراج تناقضاته الطبقية. هذا الهامش هو مجرد أرضية. الحلقات التالية ستشرع في التشريح الحقيقي: لماذا لم يتحد فقراء أوموفيا ضد النخبة؟ كيف عمل الأوراكل كجهاز أيديولوجي أنتج الهزيمة قبل وصول المستعمر؟ ولماذا يُعاد إنتاج ذات الخرافة اليوم بأدوات حديثة في سودان ينهار تحت القصف؟

كما قال غرامشي في دفاتر السجن: "المجتمع القديم يموت والمجتمع الجديد يكافح ليولد، وفي الفترة الانتقالية تظهر المسوخ بأعداد كبيرة". أوموفيا كانت فترة انتقالية أنتجت مسخاً اسمه أوكونكو: رجل فقير صار غنياً فنسي أصله الطبقي، فمات وحيداً بين مجتمع تخلى عنه. السودان اليوم ينتج مسوخاً أكبر.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من خرافة أوموفيا إلى خرافة السودان الراهن 1. أوموفيا لم تكن ...
- 15. أبريل كمهمة غير مكتملة: تركيب الدروس والأفق الاستراتيجي
- 14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية
- 13. السلطة المزدوجة: كيف تتحول القوة إلى سلطة؟
- 12. البرنامج الانتقالي: كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟
- 11.الانتقال الذي لم ينتقل: كيف يُعاد إنتاج الفصل بعد السقوط
- 10. الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: عجز الفاعل عن امتلاك الزمن
- 9. لماذا فشل الأكثر وعياً؟ (نقد اليسار)
- 8. أزمة التنظيم: لماذا لا يعوّض الشارع الحزب؟
- 7. -إسقاط النظام-: طاقة الشعار وعجزه
- 6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق
- 5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي
- 4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟
- 3. من في الشارع؟ البنية الطبقية لانتفاضة أبريل 1985
- 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حسب الرسول الطيب - -الأشياء تتداعى- ليست مرثاة بل تشريح لانهيار وعي طبقي