أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العربي















المزيد.....

22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العربي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 12:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مثلت الانتفاضات العربية لحظة تاريخية فتحت تناقضات المجتمع العربي على مصراعيها وكشفت عن عمق الأزمة الذي تعيشه الطبقات الشعبية. لكن هذه اللحظة الثورية، رغم قوتها واتساعها، لم تستطع أن تتحول إلى مشروع طبقي متماسك قادر على ملء الفراغ الذي تركته الأنظمة المنهارة. بين لحظة خروج الملايين إلى الشوارع ولحظة عودة الأنظمة القديمة أو ظهور أنظمة جديدة أكثر عنفاً، تشكل فراغ سياسي واجتماعي عميق عجزت القوى الثورية عن تعبئته. هذا الفراغ هو جوهر أزمة المشروع الطبقي في الربيع العربي، وهو ما يحتاج إلى تحليل دقيق لفهم مآلات الانتفاضات وشروط أي نهضة ثورية مقبلة.

يمكن قراءة هذه الأزمة من خلال ثلاث حلقات مترابطة تشكل معاً بنية متكاملة للفشل في تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع طبقي بديل. الحلقة الأولى هي أزمة التمثيل. خرجت الملايين إلى الساحات دون أن يكون لها ممثلون حقيقيون يعبرون عن مصالحها الطبقية. القوى التي تصدرت المشهد بعد سقوط الأنظمة، من إسلاميين وليبراليين ويساريين تقليديين، كانت تعبر في معظمها عن مصالح شرائح نخبوية ضيقة: برجوازية صاعدة تطمح في موقع في النظام القائم، أو برجوازية صغيرة تبحث عن حماية مصالحها، أو نخب مثقفة منفصلة عن القواعد الشعبية. هذه القوى لم تكن قادرة على تمثيل الطبقات المسحوقة التي صنعت الثورة، لأن مصالحها الطبقية كانت تتعارض مع مصالح هذه الطبقات في أكثر من نقطة حاسمة. فالإسلاميون، مثلاً، كانوا مهتمين بالسيطرة على مفاصل الدولة لصالح قاعدتهم الاجتماعية الصاعدة، وليس بتفكيك علاقات الملكية التي تنتج الفقر والتهميش. والليبراليون كانوا مهتمين بتطبيق نموذج اقتصادي نيوليبرالي يعزز مكانة النخب المرتبطة برأس المال العالمي. واليسار التقليدي كان عاجزاً عن تقديم برنامج جذري يستجيب لحجم الأزمة، وظل أسير خطاب سياسي متقادم وخبرات تنظيمية محدودة.

الحلقة الثانية هي أزمة التنظيم. خرجت الملايين إلى الشوارع بشكل عفوي، مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي للتنظيم السريع والفعال في لحظة الانتفاض. لكن هذه العفوية، رغم قوتها في إسقاط الأنظمة، كانت عاجزة عن بناء تنظيمات دائمة قادرة على إدارة الصراع الطويل وبناء البديل. الساحات أنتجت تمثيلاً رمزياً للجماهير عبر الوجوه الإعلامية والأحزاب الوليدة، لكنها فشلت في إنتاج تنظيمات قاعدية في الأحياء والمصانع والحقول، تنظيمات قادرة على حماية مكاسب الثورة، وتعبئة الجماهير في لحظات التراجع، وبناء سلطة بديلة من الأسفل إلى الأعلى. غياب التنظيم يعني أن الثورة بقيت رهينة لحظات الزخم الجماهيري، وعندما تراجع هذا الزخم وجدت الجماهير نفسها عارية أمام آلة الدولة المنظمة، التي استعادت زمام المبادرة بسرعة.

الحلقة الثالثة هي أزمة البرنامج. لم تكن الانتفاضات العربية تحمل برنامجاً سياسياً اقتصادياً واضحاً يحدد البديل المطلوب. الشعارات العظيمة التي رفعت في الساحات، "عيش، حرية، كرامة إنسانية"، عبرت بدقة عن الرفض الشامل للنظام القائم، لكنها لم تترجم إلى خطوات عملية واضحة حول شكل النظام البديل. كيف يمكن إعادة توزيع الثروة؟ كيف يمكن تنظيم الاقتصاد؟ كيف يمكن بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية؟ كيف يمكن مواجهة التبعية للرأسمال العالمي؟ هذه الأسئلة ظلت بلا إجابة واضحة، مما ترك الساحة مفتوحة للقوى الأخرى لملء الفراغ ببرامجها الخاصة. الإسلاميون قدموا برنامجاً غامضاً حول "الاقتصاد الإسلامي" الذي تبين أنه لا يختلف كثيراً عن النموذج النيوليبرالي. الليبراليون قدموا برنامجاً واضحاً لكنه كان برنامج النخب لا برنامج الجماهير. اليسار التقليدي كان عاجزاً عن تقديم برنامج جذري يمس علاقات الملكية ويخيف النخب، واكتفى بشعارات عامة لم تترجم إلى سياسات ملموسة.

هذه الأزمات الثلاث، أزمة التمثيل وأزمة التنظيم وأزمة البرنامج، شكلت معاً فراغاً سياسياً واجتماعياً عميقاً في قلب الانتفاضات. هذا الفراغ هو ما استغله أعداء الثورة لاستعادة زمام المبادرة. في مصر، استغل العسكر هذا الفراغ لتقديم أنفسهم كضامن للاستقرار، وإعادة إنتاج نموذج السلطة القديم بأدوات أكثر عنفاً. في تونس، استغلته النخب السياسية الجديدة لتمرير مشروعها النيوليبرالي تحت غطاء "الانتقال الديمقراطي"، مما أدى إلى إحباط شعبي متزايد وعودة الحديث عن فشل الديمقراطية. في سوريا واليمن وليبيا، استغلته القوى الإقليمية والدولية لتحويل الصراعات إلى حروب بالوكالة، مزقت المجتمعات وفتتت ما تبقى من وحدة الثوار.

لكن قراءة هذه الأزمة لا يمكن أن تتوقف عند حدود النقد السلبي للثورة، بل يجب أن تذهب إلى استخلاص الدروس التي يمكن أن تبني عليها أي نهضة ثورية مقبلة. الدرس الأول هو أن الثورة لا يمكن أن تكتفي بالشارع. الشارع ضروري لإسقاط الأنظمة وخلق الزخم، لكنه لا يمكن أن يحل محل التنظيمات السياسية والنقابية القادرة على بناء البديل وإدارة الصراع الطويل. الدرس الثاني هو أن التمثيل لا يمكن أن يظل رمزياً. الجماهير التي تصنع الثورة تحتاج إلى ممثلين حقيقيين يعبرون عن مصالحها الطبقية، وليس إلى نخب جديدة تكرر نفس أخطاء النخب القديمة. الدرس الثالث هو أن البرنامج لا يمكن أن يظل غامضاً. الثورة تحتاج إلى رؤية واضحة للبديل، تحدد خطوطه العريضة وتترجم إلى مطالب مرحلية يمكن النضال من أجلها، وتقدم إجابات عملية على أسئلة الناس اليومية.

هذه الدروس لا تعني أن الانتفاضات العربية كانت فاشلة أو بلا معنى. بالعكس، كانت لحظة تاريخية عظيمة كشفت عن إمكانيات هائلة للتحرر، وعن شجاعة استثنائية للجماهير، وعن هشاشة الأنظمة التي كانت تبدو منيعة. لكنها كانت أيضاً لحظة تعلم قاسية، كشفت عن حدود العفوية وأهمية التنظيم، وعن مخاطر ترك الفراغ السياسي دون مشروع طبقي واضح. الثورات القادمة، إن أتت، لن تكون تكراراً لما سبق، بل ستكون ابنة هذه الدروس، وستحمل في جيناتها تجربة الأجيال التي ناضلت من أجل الحرية والكرامة في ميادين الربيع العربي.

يكتب كارل ماركس في "الثامن عشر من برومير": "إن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه كيفما شاءوا، ولا في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف واجهوها مباشرة ورثوها عن الماضي". هذا الدرس القديم يظل حاضراً في كل لحظة ثورية. صنع التاريخ لا يعني إلغاء التراكمات السابقة، بل استيعابها وتجاوزها. الثورات العربية القادمة ستجد أمامها تراثاً معقداً: تراث الهزائم والدروس، وتراث الآلام والآمال. مهمتنا اليوم هي المساهمة في تحويل هذا التراث من عبء يثقل الكاهل إلى ذخيرة تدفع إلى الأمام. وهذا يتطلب العودة إلى أسئلة التنظيم والبرنامج والتمثيل التي ظلت معلقة منذ انحسار الموجة الثورية الأولى، وبناء أدوات نظرية وعملية جديدة قادرة على تحويل طاقات الغضب والتمرد التي لا تزال كامنة في المجتمع إلى قوة واعية منظمة قادرة على تغييره من جذوره.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...


المزيد.....




- هجمات إيران على دول الخليج الأحد في اليوم الـ30 للحرب.. إليك ...
- بعد هجمات الحوثيين.. الجيش الإسرائيلي: مستعدون لحرب -متعددة ...
- الماء الساخن صباحاً لخسارة الوزن.. حقيقة أم خرافة؟
- الاجتماع الرباعي في باكستان.. مبادرة مرتقبة لخفض التصعيد بحر ...
- في 7 أسئلة.. كيف هندست باكستان -قناتها الخلفية- لنزع فتيل ال ...
- تغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النظام الدولي: إطاران لفهم أ ...
- -برشامة- في لجنة الامتحان.. فوضى الضحك تحت ضغط الثانوية العا ...
- أم تفاجأت باستشهاد اثنين من أبنائها عند عودتها للمنزل بغزة
- -ارحموا أسرى غزة-.. مخاوف العائلات من تصويت الكنيست على قانو ...
- واشنطن تعزز حشدها في قاعدة فيرفورد بقاذفتي بي 52


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العربي