أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية بديلة














المزيد.....

8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية بديلة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 20:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


خرجت الملايين إلى الساحات العربية، هتفت واحتلت وواجهت الرصاص وأسقطت رؤوس الأنظمة، لكنها عند المنعطفات الحاسمة اكتشفت أنها بلا قيادة قادرة على تحويل هذا الزخم إلى سلطة بديلة. لم يكن الخلل في شجاعة الجماهير ولا في استعدادها للتضحية، بل في غياب التنظيم الطبقي الذي يحول الغضب العفوي إلى قوة سياسية مستدامة. لقد أنجبت الساحات أشكالًا من "التمثيل" الرمزي للجماهير، من شخصيات إعلامية ووجوه صاعدة وأحزاب وليدة، لكنها أخفقت في بناء "تنظيم" فعلي يستطيع إدارة الصراع الطويل وتشييد مؤسسات بديلة.

الفرق بين التمثيل والتنظيم يشبه الفرق بين الواجهة والبنية التحتية. فالتمثيل يمنح الجماهير صوتًا مسموعًا، أما التنظيم فيمنحها قدرة متواصلة على الفعل. التمثيل قابل للاحتواء وإعادة التوظيف من قبل النخب، بينما يحمي التنظيم الإرادة الشعبية من المصادرة. التمثيل يتوهج في اللحظات الانتفاضية الساخنة، لكنه يخبو حين يبرد الصراع، في حين أن التنظيم وحده يضمن استمرارية النضال عبر تقلبات المعركة الطبقية.

في مصر وتونس تجسد هذا العجز بوضوح. فبعد سقوط مبارك تنافست قوى متعددة على تمثيل الثورة من دون أن تمتلك بنية جماهيرية تتجاوز قواعدها التقليدية. كان الإخوان الأكثر تنظيمًا، غير أن تنظيمهم اتسم بهرمية جامدة لم تعكس ديناميكية الميادين. أما اليسار فحضر بقوة رمزية لكنه ظل مشتتًا بين أحزاب صغيرة وقيادات متنافرة، في حين اعتمد الليبراليون على كاريزما أفرادهم وحضورهم الإعلامي. والنتيجة ثورة بلا هيئة قيادية موحدة، وبلا مجالس شعبية في الأحياء والمصانع، وبلا شبكة تنظيمية قادرة على مواجهة الدولة العميقة.

أما في تونس فكان المشهد أكثر تعقيدًا. وجود اتحاد شغل قوي ونقابات مستقلة منح الحراك سندًا مهمًا، لكن هذا الاتحاد ظل مقيدًا ببنيته البيروقراطية وإرثه التفاوضي مع السلطة. صحيح أنه أسهم في حماية المسار السياسي من الانهيار، إلا أنه لم ينجح في تحويل الطاقة الثورية إلى مشروع تنظيمي جديد يفرض تغييرًا جذريًا في علاقات الإنتاج. الأحزاب التي برزت بعد الثورة بقيت نخبوية، تعتمد على قياداتها وحضورها الإعلامي أكثر مما تستند إلى قواعد شعبية منظمة.

غياب التنظيم الطبقي فتح الباب أمام ثلاث آليات للثورة المضادة. أولها الاختطاف السياسي، حيث استولت نخب قديمة وجديدة على مواقع القرار باسم تمثيل الجماهير ثم استخدمتها لتفريغ المطالب من مضمونها الجذري. وثانيها تفتيت الساحات، إذ انحرفت الطاقة الجماهيرية إلى صراعات بين القوى المتنافسة بدل أن تُوجَّه نحو العدو الطبقي المشترك. وثالثها إنهاك الجماهير، فإطالة أمد الصراع بلا مكاسب ملموسة أدت إلى تراجع الحماسة وعودة اليأس، مما مهد لرجوع الأنظمة القديمة تحت شعارات "الاستقرار" و"مكافحة الفوضى".

التجربة التاريخية تؤكد أن التنظيم الطبقي لا يولد تلقائيًا من لحظة الانتفاض. فهو يُبنى عبر عمل يومي شاق: تنظيم عمالي في مواقع الإنتاج، وتنظيم شعبي في الأحياء، وتكوين كوادر قادرة على القيادة الجماعية، وصياغة خطاب يربط المطالب المعيشية بالأفق الاستراتيجي. الساحات خلقت لحظة نادرة من الوحدة والوعي، لكنها لم تُراكم هذه البنية التنظيمية. لذلك، عندما انحسر المد الجماهيري، وجدت الجماهير نفسها مكشوفة أمام جهاز دولة منظم ومتماسك.

هذا الدرس يتصل مباشرة بالتراث الماركسي في مسألة التنظيم. فقد شدد لينين في "ما العمل؟" على ضرورة بناء حزب طليعي يقود الجماهير بوصفه منظمًا لإرادتها لا بديلاً عنها. واعتبر غرامشي الحزب "الأمير الحديث" القادر على تأسيس هيمنة مضادة وكتلة تاريخية جديدة. كما طوّر ماو مفهوم "خط الجماهير" لضمان العلاقة العضوية بين القيادة والقاعدة. هذه المبادئ تجسدت في ثورات نجحت في تحويل الانتفاض إلى سلطة بديلة، وغابت أو ضعفت في تجارب أخرى أخفقت رغم عظمتها.

غير أن استحضار هذه الدروس لا يعني استنساخ صيغ الماضي. فالشروط الراهنة تفرض أشكالًا تنظيمية مبتكرة تستجيب لتشتت الطبقة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي والرقمي، ولانتشار الأيديولوجيا النيوليبرالية، ولتعقيد الدولة البونابرتية الحديثة وتشابكاتها الدولية. التنظيم المطلوب ينبغي أن يكون مرنًا ليستوعب تنوع ميادين النضال، وصلبًا في مواجهة القمع، وديمقراطيًا بما يضمن مشاركة القواعد في صنع القرار.

وتبرز اليوم بوادر واعدة في أشكال متعددة من العمل الجماعي. لجان شعبية في الأحياء تعزز التضامن وتدير خدمات أساسية، تنظيمات عمالية جديدة تخترق قطاعات غير رسمية وتناضل من أجل حقوق العاملين في المنصات الرقمية، حركات شبابية تربط بين النضال البيئي والطبقي، وتنسيقات نسوية تصل بين تحرير المرأة والتحرر الاجتماعي الأشمل. ورغم محدودية هذه المبادرات، فإنها تحمل بذور بنية تنظيمية أوسع.

المهمة الراهنة، نظريًا وعمليًا، تكمن في جمع هذه التجارب الجزئية ضمن رؤية تنظيمية متكاملة. رؤية تصون عفوية الجماهير وإبداعها، وفي الوقت ذاته تبني أدوات قيادة جماعية قادرة على التخطيط الاستراتيجي. رؤية تتجنب بيروقراطية الماضي ومركزيته المفرطة وانفصاله عن القواعد، لكنها لا تتخلى عن ضرورة التنظيم خوفًا من تكرار تلك الأخطاء.

وكما كتبت روزا لوكسمبورغ: "الجماهير هي التي تصنع التاريخ، لكنها تصنعه في صراع دائم بين العفوية والتنظيم". لقد أظهر الربيع العربي قوة العفوية بكل طاقتها، لكنه عجز عن إنتاج التنظيم الذي يحميها ويحولها إلى مشروع بناء دائم. سد هذه الفجوة هو شرط الانتقال من لحظة الانتفاض إلى أفق السلطة البديلة، ومن الغضب إلى التحرر الشامل.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية


المزيد.....




- ناقلو أثاث يعترضون خاطف طفلة بعمر عامين وينقذونها بشكل بطولي ...
- مصر.. علاء مبارك يعلق على زيارة تركي آل الشيخ لفاروق حسني في ...
- حادث كرداسة: سيارة عليها علم إسرائيل تدهس مارة بمصر والقبض ع ...
- مؤكدًا دور واشنطن في العملية.. المبعوث الأميركي إلى سوريا يث ...
- تصاعد المواجهات على الحدود بين باكستان وأفغانستان يضع المدني ...
- مساع سعودية وقطرية لمنع -حرب مفتوحة- بين أفغانستان وباكستان ...
- إسرائيل: المحكمة العليا تجمد قرار منع 37 منظمة غير حكومية من ...
- في ارتفاع غير مسبوق: 41.5 مليار دولار تحويلات المصريين بالخا ...
- كيف تعزز حكومة مودي العلاقات الهندية الإسرائيلية في ظل تقارب ...
- كينيا: الأفاعـي القاتلة


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية بديلة