أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة















المزيد.....

11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 04:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تشكل الحرب السودانية نهاية التاريخ، بل هي لحظة انكشاف حادة لمسار فاشل امتد لعقود. إنها الجرح النازف الذي يكشف عن العظام المكسورة لهيكل اجتماعي لم يُبنَ يوماً لخدمة شعب، بل لخدمة تحالف طفيلي من البيروقراطية العسكرية والبرجوازية الكومبرادورية. هذا التحالف، الذي تربى في أحضان الاستعمار ثم ورث دولته الشكلية، لم يكن قادراً ولا راغباً في بناء دولة وطنية حقيقية، لأن مصلحته كانت تقتضي إبقاء السودان سوقاً للنهب وساحة لحروب الآخرين.

كشفت هذه السلسلة كيف أن الحرب ليست حدثاً معزولاً، بل هي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإخفاق المؤسسي. من الدولة التي وُلدت مشوهة في أحضان الاستعمار، إلى الاقتصاد الريعي الذي حوّل الثروة إلى أداة قمع، إلى النظام التعليمي المُصمّم لإنتاج الطاعة لا التفكير، إلى المجتمع المُفكَّك والمجهَّز للاقتتال - كل هذه العناصر تشكل نظاماً متكاملاً أعاد إنتاج نفسه لعقود، حتى انفجر أخيراً في وجه من صنعوه.

لكن هذا الانفجار، رغم بشاعته، يحمل في طياته إمكانية التحول. فالنظام القديم لم يعد قادراً على حكم حتى بالطريقة الفاشلة التي اعتاد عليها. والمجتمع، رغم تشتته، لم يعد يقبل العيش بالطريقة المهينة التي فُرضت عليه لعقود. هذا هو التناقض الذي تحدثت عنه المادية الجدلية: لحظة الأزمة الثورية تنضج حين لا يعود القديم قادراً على الاستمرار، ولا الجديد قد ولد بعد.

المشكلة أن الولادة الجديدة في السودان تواجه عوائق بنيوية هائلة. فأولاً، لا تزال القوى الاجتماعية القادرة على قيادة التحول - الطبقة العاملة المنظمة، الفلاحون المستقلون، المثقفون العضويون - ضعيفة ومشتتة بعد عقود من القمع والتجهيل. وثانياً، الاقتصاد المنهوب لم يترك إلا ركاماً يصعب البناء عليه. وثالثاً، الذاكرة الجماعية التي تُشكّل الهوية الوطنية تعرضت لتشويه منهجي. ورابعاً، القوى الإقليمية والدولية تفضل سوداناً ضعيفاً منقسماً يمكن استغلال موارده بسهولة.

في هذا السياق، تظهر ثلاث سيناريوهات مستقبلية محتملة:

السيناريو الأول: إعادة إنتاج النظام القديم بأشكال جديدة
وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. حيث تتفق النخب المتقاتلة على تقاسم السلطة والثروة من جديد، مع إجراء بعض الإصلاحات الشكلية. يعود الجنرالات إلى ثكناتهم بعد ضمان حصتهم في اقتصاد النهب، وتعود البرجوازية الكومبرادورية إلى متاجرتها، ويُترك الشعب مع وعود زائفة ومؤسسات هشة. هذا السيناريو يعني أن الحرب ستعود بعد سنوات، لأن الأسباب البنيوية التي أنتجتها ستظل قائمة.

السيناريو الثاني: التفتيت الدائم والتشظي الإقليمي
حيث تتحول الميليشيات المتحكمة في مناطق مختلفة إلى سلطات محلية دائمة، مع ضعف شديد للحكومة المركزية. يصبح السودان شكلاً من "الدولة الفاشلة" التي تُدار من خلال تحالفات متغيرة بين أمراء الحرب والوسطاء الاقتصاديين. هذا النموذج يخدم المصالح الخارجية التي تفضل التعامل مع كيانات صغيرة ضعيفة، لكنه يعني ديمومة المعاناة للشعب السوداني.

السيناريو الثالث: التحول الثوري والبناء الجذري
وهو الأصعب تحقيقه لكنه الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة. يتطلب بناء تحالف طبقي واسع من العمال والفلاحين والمهمشين والشباب والنساء، قادر على تقديم بديل حقيقي. بديل يبدأ بإعادة توزيع الثروة والسلطة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية، وخلق اقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد النهب، وإصلاح جذري للنظام التعليمي والثقافي.

شروط تحقيق هذا السيناريو صعبة لكنها ليست مستحيلة:

1. بناء الوعي الطبقي الموحد: تحويل الغضب المتفشي إلى فهم لطبيعة النظام الطبقي، وكسر الحواجز المصطنعة بين مكونات الشعب السوداني.
2. التنظيم المستقل: خلق هياكل تنظيمية ديمقراطية تمثل المصالح الحقيقية للجماهير، بعيدة عن النخب التقليدية وأجندات القوى الخارجية.
3. البرنامج الاقتصادي البديل: تقديم رؤية اقتصادية واضحة تعيد توجيه الموارد لخدمة التنمية الحقيقية، وتوفر بدائل ملموسة عن اقتصاد الحرب.
4. الذاكرة التاريخية النقدية: استعادة التاريخ الحقيقي للنضالات الشعبية في السودان، وكشف زيف السرديات الرسمية التي خدمت النظام القديم.
5. التضامن الإقليمي والدولي التقدمي: بناء تحالفات مع قوى التغيير في المنطقة والعالم، بدلاً من الاعتماد على القوى الإمبريالية التقليدية.

المعرفة التي قدمتها هذه السلسلة ليست هدفاً في ذاتها، بل هي سلاح في هذه المعركة. ففهم جذور الأزمة هو الخطوة الأولى نحو حلها. ومعرفة آلية عمل النظام القديم تمكن من تفكيكه. وإدراك تاريخ الصراع الطبقي في السودان يعطي القوة الأخلاقية والسياسية للاستمرار في النضال.

السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي. إما أن يستمر في دوامة العنف والتخلف، أو يختار طريق التحول الجذري. الخيار الأول يعني مزيداً من المعاناة للأجيال القادمة. الخيار الثاني يتطلب شجاعة المواجهة وصبر البناء وجرأة التخيل.

كما كتب المنظر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي: "الأزمة تكمن في أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد". السودان يعيش هذه اللحظة بالضبط. الموت البطيء للقديم مؤلم، وولادة الجديد مخيفة. لكن بين الألم والخوف، توجد إمكانية التغيير.

النضال المستمر ليس شعاراً بل ضرورة. إنه نضال من أجل إعادة تعريف معنى الوطن، ليس كأرض تتنازع عليها الميليشيات، بل كمشروع تحرري جماعي. نضال من أجل إعادة تعريف معنى المواطنة، ليس كولاء أعمى لسلطة، بل كمسؤولية نحو بناء مجتمع عادل. نضال من أجل إعادة تعريف معنى التقدم، ليس كتقليد أعمى للغرب، بل كتحقيق لطموحات الشعب السوداني في الحرية والكرامة والعيش الكريم.

الحرب ستنتهي يوماً ما، لكن السؤال هو: أي سودان سيولد من تحت الركام؟ سودان يعيد إنتاج نفس العلاقات الطبقية الفاسدة، أم سودان جديد يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ويبني على أنقاض الماضي مستقبلاً مختلفاً؟

الإجابة ليست في أيدي الجنرالات أو السياسيين التقليديين أو المبعوثين الدوليين. الإجابة في أيدي الشعب السوداني، حين يقرر أن يكسر الحلقة المفرغة، وأن يبدأ، ولو من الصفر، في بناء وطن يستحقه.

النضال مستمر،،

خاتمة

"إن تاريخ المجتمعات حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية". هذه الكلمات التي كتبها ماركس وإنغلز قبل أكثر من قرن ونصف، تجد في السودان اليوم تعبيرها الأكثر مأساوية. الحرب ليست صراعاً بين خير وشر، ولا بين تقدم وتخلف، بل هي صراع طبقي عنيف على الثروة والسلطة.

لكن التاريخ لا ينتهي عند هذه الحقيقة المرة. فالصراع الطبقي، رغم بشاعته، يحمل في داخله إمكانية التحرر. إمكانية أن يتحول المقهورون من موضوع للتاريخ إلى فاعلين فيه. إمكانية أن تتحول المعاناة من قدر محتوم إلى حافز للتغيير.

السودان الذي دفع ثمن هذا الصراع دماً ودموعاً لعقود، يستحق أكثر من أن يكون ساحة لحروب الآخرين. يستحق أن يكون وطناً لشعب حر، في دولة عادلة، في مجتمع كريم.

هذه ليست أحلاماً مستحيلة، بل هي أهداف نضال ممكن. نضال يبدأ بالوعي، وينمو بالتنظيم، وينتصر بالإرادة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...


المزيد.....




- روبيو يحذر العراق من حكومة -تسيطر عليها إيران-
- غرق سفينة تقل 342 راكبا في الفلبين ومصرع عدد منهم
- غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، والجيش الإسرائيلي يعلن استهد ...
- قتيلان ومصابون جراء 14 غارة إسرائيلية على شرق وجنوب لبنان
- أوباما يدق -جرس إنذار- بسبب أحداث مينيابوليس
- كتائب حزب الله العراق تدعو -المجاهدين- للاستعداد لحرب شاملة ...
- أكثر من 600 ألف منزل من دون كهرباء.. عاصفة ثلجية تكسو الولاي ...
- خطة دفاع إيران متعددة الأبعاد
- خوفا من انتقام إيراني.. إسرائيل تتأهب على جميع الجبهات
- فيديو متداول لـ-نشر الحرس الثوري الإيراني مشاهد لحاملة طائرا ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة