أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عماد حسب الرسول الطيب - 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في الجنوب العالمي















المزيد.....

16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في الجنوب العالمي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 15:03
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


يتجاوز أثر الحرب الدائرة في السودان نطاقها الجغرافي المحدود، ليعري طبيعة العنف الميليشياوي بكونه أداة في يد الأنظمة العالمية التي تحول الجسد البشري إلى وسيلة للتراكم ضمن اقتصاد الرأسمالية الطرفية. إن ما يحدث ليس مجرد اضطراب محلي عابر، بل هو تجسيد فاقع لموقع السودان في تقسيم العمل الدولي، حيث تُدار الصراعات بالوكالة وتُحول أجساد الفقراء والنساء إلى مختبرات لأبشع أشكال السيطرة الطبقية. ومن هنا، لا تطرح التجربة السودانية دروساً قطرية فحسب، بل تمثل حجر زاوية لبناء أممية نسوية طبقية تنبع من صلب معاناة العاملات في الجنوب العالمي، وتتصدى بوضوح للتمركز الأوروبي المهيمن على الفكر النسوي واليساري التقليدي.

في تحليلنا للطابع الجنسي-الاقتصادي لهذا العنف، نجد أن التركيز على جسد المرأة في هذه الحرب لا يستهدف كيانها الفردي، بل يهاجم موقعها كمنتجة للحياة وقوة العمل. ويكشف هذا الواقع المادي أن العدو الحقيقي ليس مجرد بندقية ميليشياوية، بل هو شبكة معولمة من رأس المال المسلح تربط سماسرة السلاح في أوروبا بمراكز النفط في الخليج والمصارف الغربية التي تشرعن أموال النهب. إن هذا التشابك البنيوي يثبت أن التحرر لا يمكن اختزاله في إطار محلي، فما دام الطغاة يعتمدون على تحالفات إمبريالية، فإن مقاومة النساء ملزمة بتشييد تحالفات طبقية عابرة للحدود.

أما عن ضرورة الأممية النسوية الثورية، فهي تنبثق من وحدة آليات القمع في بلدان الجنوب، كإطار تنظيمي مادي يواجه الرأسمالية الإمبريالية العسكرية والسياسات النيوليبرالية. وتعتبر تعاونيات الإنتاج النسوي في مخيمات النزوح بدارفور وأحياء مثل "جبرة" تجسيداً عملياً لهذه الأممية المادية، فهي لا تكتفي بمقاومة اقتصاد الحرب، بل تخلق نقيضاً ملموساً للهيمنة الرأسمالية. ففي اللحظة التي تسيطر فيها النساء على إنتاج غذائهن وتوزيعه جماعياً، فإنهن يضعن اللبنات الأولى لتضامن دولي حقيقي يقطع الطريق على خطابات المنظمات الإنسانية النيوليبرالية المشبوهة.

وبالنظر إلى التحديات النظرية، تتقاطع مسارات النسوية الثورية في مواجهة ثنائية خانقة: التمركز الأوروبي في التنظير، ونخبوية اليسار الذي يهمش قضايا المرأة. تأتي التجربة السودانية لتقرر أن النظرية الثورية الحقّة هي التي تولد من رحم الممارسة اليومية للنساء، لا تلك التي تُستورد من أروقة الأكاديميات في الشمال العالمي. لقد تمكنت النساء في معسكرات اللجوء من صياغة مفاهيم جذرية للعدالة تتخطى الأطر القانونية الليبرالية، وتضع الحق في الحياة والغذاء والعمل الكريم في قلب الصراع الطبقي.

ومع كل ذلك، تبزغ أشكال المقاومة الأكثر راديكالية، حيث تُعاد صياغة الفعل السياسي من القاعدة عبر المطابخ الجماعية ولجان الرعاية والتعاونيات الإنتاجية. تمثل هذه الممارسات القاعدة المادية لأممية بديلة، تنتج معرفتها من التجربة الحية وتبني جسور التضامن عبر تبادل الخبرات النضالية لا النماذج الجاهزة. وتكتسب هذه المقاومة بُعداً أممياً أصيلاً برفضها الحاسم لخطابات "الإنقاذ" الغربية، سواء استترت خلف شعارات التدخل الإنساني أو برامج تمكين المرأة التي تخدم النظام القائم.

إن الجوهر المادي لهذه الأممية يستند إلى تشخيص دقيق للعدو المشترك: الرأسمالية الإمبريالية بوجوهها المتعددة، من الاحتلال الاستيطاني في فلسطين إلى اقتصاد السلب في السودان، ومن استنزاف الشركات في أمريكا اللاتينية إلى استغلال العمالة في الخليج. في كل هذه الجبهات، يظل جسد المرأة ساحة للنهب ووسيلة للتراكم، مما يخلق أرضية مادية صلبة لتضامن طبقي يتجاوز كافة الهويات الضيقة والمفتعلة.

عملياً، تتجسد هذه الروح الأممية في بناء شبكات نضال تصل السودان بفلسطين والكونغو وهايتي، حيث تتوحد أدوات القمع وإن اختلفت وجوهها. تقدم التجربة السودانية هنا تعريفاً ثورياً لمفهوم "الدولية"، فبدلاً من المحافل الدبلوماسية الجوفاء، تطرح نموذجاً للتضامن الكفاحي عبر نقل الخبرات التنظيمية وبناء آليات الحماية الشعبية والتعاونيات المستقلة عن سلطة رأس المال.

تبرز أهمية هذا التنظيم الأممي اليوم أكثر من أي وقت مضى لمواجهة العولمة النيوليبرالية التي توحد الرأسماليين وتفتت صفوف الشغيلة. فبينما تعبر الأسلحة ورؤوس الأموال الحدود دون عائق، تُحاصر أجساد النساء وتُقايض بين الميليشيات والشركات العابرة للقارات. إن الرد الوحيد على هذه العولمة الفوقية هو بناء "عولمة من الأسفل"، تربط نضالات النساء العمالية والفلاحية عبر القارات مع التمسك بالخصوصية الثورية لكل سياق محلي.

لقد خلقت التناقضات الصارخة للرأسمالية العالمية بذور هذه الأممية الجديدة؛ فاستغلال النساء في سلاسل التوريد العالمية، وتهجيرهن بالحروب الإمبريالية، يربط مصائرهن في وحدة حال موضوعية. وتؤكد الدروس القادمة من السودان أن تحرر النساء لا ينفصل عن التحرر الوطني والطبقي الشامل، وأن معركة القضاء على الاستغلال تقتضي حتماً قطيعة تامة مع المنظومة العالمية السائدة.

خاتمة السلسلة:

تمثل دراسة "جسد الحرب – تشريح طبقي للعنف الميليشياوي في السودان" محاولة منهجية لفهم الحرب كإفراز بنيوي للتناقضات الرأسمالية الطفيلية، وليس كحدث معزول. لقد أثبت التحليل أن الحرب هي آلية للتراكم عبر السلب، حيث يتموضع جسد المرأة كمركز لهذا الصراع وموقع لإنتاج القيمة والحياة في آن واحد.

تترابط خيوط هذا التحليل عبر ثلاثة مستويات: المستوى المادي للاستغلال، ومستوى البنى الفوقية الأيديولوجية التي تبرره، ومستوى المقاومة القاعدية التي تبدعها النساء. ومن هذه المقاومة وحدها، تنبثق برامج التحرر الحقيقية بعيداً عن الأوهام المثالية التي يروج لها الخارج.

إن ما يجري في السودان هو تكثيف دراماتيكي لأزمات الجنوب العالمي؛ من تآكل الدولة الوطنية إلى أزمات التراكم في الظروف شبه الاستعمارية. ومع ذلك، يظل الأمل معقوداً على قدرة المقهورين على التنظيم الذاتي وبناء البديل من قلب الأزمة.

يظل النضال المستمر في السودان برهاناً على أن الجماهير هي صانعة التاريخ، حتى في أكثر الظروف قسوة. إن النساء السودانيات، بإصرارهن على بناء عالم جديد من وسط الرماد، يرسمن ملامح الانعتاق الإنساني الشامل.

وكما كتبت روزا لوكسمبورغ: "البديل هو الاشتراكية أو البربرية". وفي السودان اليوم، يتجسد هذا الخيار بكل وضوح: إما الاستسلام لاقتصاد الموت، أو الانتصار لاقتصاد الحياة عبر تنظيم المنتجين والمنتجات.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...
- 10. الآفاق الطبقية ومعنى الانتصار — من الإصلاح إلى التغيير ا ...
- 9. دينامية الشارع كرافعة تاريخية — صناعة الزمن الثوري
- ٨. معارك السياسات الملموسة: اختبار الصراع الطبقي في ال ...
- 7. التناقض داخل التحالف التقدمي: بين إدارة النظام وتفكيكه
- 6. الشارع العمالي مقابل برجوازية العقار - معركة الحيازة والو ...


المزيد.....




- اغتصاب جماعي وقتل.. شهادات مروعة لضحايا الدعم السريع بالسودا ...
- من المرأة التي وقفت خلف الملثم؟
- قصة حياة رجوان كفروني.. عن أمومتها التي سلبت باختطاف دانيال ...
- قلق أممي إزاء التصعيد في السودان.. وتقارير تؤكد احتجاز مئات ...
- لابيد يهاجم نتنياهو في الكنيست: الجنوب يشتعل وجرائم الاغتصاب ...
- فعالية شموع حاشدة تكريمًا للنساء اللواتي قُتلن
- الشاي أم القهوة.. أيهما أكثر فائدة للمرأة بعد انقطاع الطمث؟ ...
- فرنسا: بدء محاكمة مدرب رقص متهم باغتصاب 14 امرأة
- 30 امرأة قُتلن في تونس خلال 2025.
- قوات الدعم السريع تحتجز 600 امرأة في معتقلات بجنوب دارفور


المزيد.....

- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عماد حسب الرسول الطيب - 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في الجنوب العالمي