أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية















المزيد.....

10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس التهميش الجغرافي في السودان مسألة إهمال تنموي عرضي، بل هو بنية طبقية ممنهجة صُممت تاريخياً لتحويل الأطراف إلى خزانات للموارد البشرية والمادية في خدمة تراكم الثروة داخل المركز. تنتمي هذه التراتبية إلى جوهر منطق تكوّن الدولة السودانية نفسها بوصفها كياناً استعمارياً-رأسمالياً هجيناً. فمنذ الإدارة التركية-المصرية، مروراً بالاستعمار البريطاني، وصولاً إلى الدولة الوطنية الشكلية، ظلت الخرطوم مركزاً لاستخراج الفائض الاقتصادي من الأطراف، معيدةً إنتاج علاقة المستعمِر/المستعمَر داخل حدود الوطن الواحد.

تتجلّى هذه التراتبية عبر منظومة ثلاثية: اقتصادياً، تتحول المناطق الطرفية إلى مصدر للمواد الخام تُصدر عبر المركز إلى الأسواق العالمية، بينما تحرم من أي تنمية صناعية حقيقية. سياسياً، تُدار عبر وكلاء محليين (شيوخ قبائل، قادة ميليشيات، بيروقراطيون) وظيفتهم ضمان تدفق الموارد وقمع التمرد. عسكرياً، تتحول إلى ساحات لحروب بالوكالة يُجند شبابها للقتال في صراعات تخدم مصالح النخبة المركزية. هذه التراتبية هي الإطار المكاني الذي يعمل فيه اقتصاد الريع، وهي التربة التي يزدهر فيها الجهل المُنتَج كأداة للهيمنة.

يكشف تاريخ الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عن نمط متكرر: المركز يدفع بأبناء الأطراف للاقتتال فيما بينهم، بينما تحتفظ النخبة الخرطومية بسلطة التحكيم والوساطة والمتاجرة بالدماء. تخلق هذه الحروب بالوكالة حاجة دائمة لـ"وساطة" المركز، مما يعزز شرعيته الزائفة ويبرر بقاءه كحكم ضروري. التهميش هنا هو تهميش طبقي مُقنّع بالخطاب الإثني والقبلي، يخدم تحالفاً طبقياً محدداً: كبار الضباط المتحولين إلى رجال أعمال عبر شركاتهم الأمنية، البيروقراطية العليا المتحالفة مع مصالح خارجية، وشركاء تجاريين دوليين في قطاعي التعدين والزراعة المسيسة.

تمثل الميليشيات التي تتحكم اليوم في مناطق الأطراف الامتداد المنطقي لهذه البنية. فهي ليست قوى "تمرد" ضد المركز، بل هي أدوات محلية لتنفيذ سياساته بأساليب أكثر عنفاً وكفاءة. قادة هذه الميليشيات يتحولون إلى وكلاء جدد للسلطة المركزية، يجمعون بين وظيفة الجباية العسكرية وضبط المجتمعات المحلية. يصبح العنف الذي تمارسه ضد مجتمعاتها الأصلية أكثر قسوة من عنف المركز، لأن شرعيتها تعتمد على إثبات "فائدتها" للنظام القائم عبر القمع المفرط.

يُظهر تدفق النازحين من الأطراف إلى المركز تناقضاً صارخاً: المدن التي حرمت هذه المجتمعات من التنمية لعقود تتحول فجأة إلى ملاذ من الحرب التي أشعلتها نفس النخبة. لكن هذا الملاذ وهمي، فالنازحون يُحشرون في مخيمات العوز، ويُحرمون من العمل الكريم، ويُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية، مكملين بذلك حلقة الاستغلال التي بدأت في قراهم.

تعمل آلة الحرب على تعميق هذه التراتبية عبر تحويل التناقضات المحلية إلى خطوط تماس دائمة. هذا التفتيت هو الوجه الآخر لعملة اقتصاد الريع؛ فبينما ينهمك المركز في نهب الموارد، يشغل الأطراف بنزاعات تستهلك طاقتها الثورية وتجعلها عاجزة عن تشكيل تحالف طبقي عابر للمناطق. بدلاً من أن تتحد قبائل منطقة ما ضد نظام النهب المركزي، تُحرَّض على القتال فيما بينها حول موارد شحيحة. هذا التفتيت الاستراتيجي يحول الصراع الطبقي الجوهري إلى نزاعات هوياتية جانبية، مما يضمن استمرار هيمنة النخبة.

يكمن ادعاء "الحياد" الذي ترفعه بعض المجتمعات الطرفية في قلب هذا المأزق. فهو غالباً ما يكون استراتيجية بقاء في مواجهة اختيار مستحيل: إما الانضمام إلى ميليشيا تدعمها السلطة المركزية، أو البقاء كهدف سهل في جغرافيا الإبادة. الحياد الحقيقي مستحيل في نظام يحول كل شيء إلى سلعة في سوق الحرب، حيث يُباع الولاء السياسي مقابل الحد الأدنى من شروط البقاء البيولوجي.

تستخدم الشركات العابرة للحدود هذه التراتبية الجغرافية-الطبقية لتعظيم أرباحها. فمناجم الذهب في مناطق النزاع تُدار بعقود مباشرة مع الميليشيات المحلية، متجاوزة أي قوانين وطنية لحماية العمال أو البيئة. الأراضي الزراعية الخصبة تُسلّم لشركات أجنبية عبر وسطاء محليين، بينما يُطرد الفلاحون إلى مخيمات النزوح. هذا الاستعمار الجديد يعمل عبر وسطاء محليين، مما يعقد مقاومته ويحولها إلى صراعات داخلية تبدو وكأنها "نزاعات قبلية".

في قلب هذه المعادلة المعقدة، تظهر أشكال مقاومة محلية تحاول كسر الدائرة. تعاونيات زراعية ترفض التهجير، مجموعات نسوية تنظم إغاثة ذاتية تتجاوز الانقسامات، شباب يرفضون التجنيد وينظمون بدائل اقتصادية محلية. هذه المبادرات تمثل محاولة لكسر منطق المركز والأطراف، لكنها تتعرض لهجوم مزدوج: من المركز الذي يراها تهديداً، ومن الميليشيات المحلية التي تراها منافسة.

الحل الجذري لا يكمن في "اللامركزية" الشكلية، بل في إعادة توزيع جذرية للثروة والسلطة. هذا يتطلب كسر احتكار المركز للموارد والقرار، وضمان تمثيل حقيقي للأطراف، وإعادة توجيه الاستثمارات لصالح التنمية المتوازنة. النضال ضد التراتبية الجغرافية هو نضال طبقي، فالنخبة المركزية هي تحالف طبقي يستخدم الانتماء الجغرافي كأداة لتقسيم الطبقات الكادحة.

يكمن التحدي التاريخي في تحويل الغضب الجغرافي المتفجر إلى وعي طبقي موحد. هذا التحول ليس نظرياً بل عملياً: فهو يبدأ حين يدرك فلاح دارفور أن عدوه ليس "التاجر الخرطومي" بل نظام التسعير الذي يسيطر عليه تحالف التجار-العسكر، وحين يدرك عامل الخرطوم أن انهيار خدمات مدينته مرتبط بنهب موارد الأطراف لتمويل حروب النخبة. وحدة العمال في الخرطوم مع الفلاحين في دارفور، والمهمشين في كردفان مع سكان الأحياء الفقيرة في العاصمة، هي السلاح الوحيد القادر على كسر هذه الآلة.

هذه الآلية ليست فريدة؛ فقد وظفت الرأسمالية الاستعمارية الانقسامات الجغرافية في الكونغو والهند البريطانية لتحويل التنوع إلى تراتبية خدمت التراكم الأولي. اليوم في السودان، تعيد الرأسمالية الطفيلية إنتاج هذه الآليات بأدوات أكثر تعقيداً.

لذلك، المهمة الثورية هي تحويل الجغرافيا من ساحة قهر إلى مجال تحرر، عبر كسر الاحتكار المزدوج: احتكار المركز للثروة، واحتكار الميليشيات المحلية للعنف. وهذا يبدأ بتضامن طبقي يعيد تعريف الوطن ليس ككيان مركزي يفرض الهيمنة، بل كنسيج من العلاقات العادلة بين كل جغرافيا السودان.

كما كتب الجغرافي الماركسي البريطاني ديفيد هارفي: "اللامساواة الجغرافية ليست حادثة؛ إنها ضرورية لعمل الرأسمالية". التراتبية الجغرافية في السودان ليست قدراً طبيعياً بل هي نتاج خيارات سياسية واقتصادية تاريخية. تغييرها يتطلب ثورة في علاقات الإنتاج والسلطة، تبدأ باعتراف بجريمة التهميش وتنتهي ببناء نموذج تنموي عادل يشمل كل الجغرافيا السودانية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...


المزيد.....




- هل يكون هذا الرسم في إندونيسيا أقدم فن صخري في العالم؟
- منها تقنية التعرف إلى الوجوه.. هل استخدمت إيران أنظمة مراقبة ...
- -مش لحمايتي ولا لحماية النظام-.. السيسي عن الشرطة في عيدها: ...
- خبير عسكري لـCNN: هيكلة الجيش الأردني خطوة استراتيجية نحو تب ...
- -بوتين أصبح على استعداد للتضحية بإيران- – مقال في التلغراف
- على وقع الجولة الثانية من المفاوضات في الإمارات.. هجوم روسي ...
- عودة معتقلي -داعش-.. انقسام في ألمانيا حتى بين الوزراء!
- ما سبب مخاوف ألمانيا من فرار جهاديي -داعش- من سجون سوريا؟
- مصر.. إلغاء الإعفاء الجمركي على الهاتف- دعم للتصنيع أم عبء؟ ...
- ما دلالات قبول روسيا وأوكرانيا بالمشاركة في مفاوضات أبو ظبي ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية