أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية















المزيد.....

5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 18:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ نشأتها، حوّلت الدولة السودانية التعليم من حق اجتماعي إلى آلية للضبط الطبقي. لم يكن انهيار النظام التعليمي نتيجة إهمال أو عجز إداري، بل كان سياسة واعية تهدف إلى إبقاء الأغلبية في حالة جهل وظيفي، حيث تعرف ما يكفي لتعمل في اقتصاد الريع، ولا تعرف ما يكفي لتسأل عن سبب تبعيتها أو تحتج على استغلالها. تحولت المدرسة من أداة للتحرر إلى مصنع لإنتاج الطاعة، ومن فضاء لبناء الوعي الجماعي إلى أداة لتكريس التجزئة الطبقية والجغرافية.

صمم الاستعمار البريطاني المصري منذ عشرينيات القرن الماضي نظاماً تعليمياً ثنائياً يخدم منطق الهيمنة. خلق مدارس للنخبة لتخريج بيروقراطيين وإداريين يخدمون الإدارة الاستعمارية، وترك الأغلبية في الأمية أو في تعليم بدائي لا يؤهلها إلا للعمل اليدوي. كانت هذه البذرة الطبقية الأولى للنظام التعليمي السوداني: هرم معرفي يعكس هرم السلطة، حيث لا يسعى التعليم إلى خلق مواطنين متساوين، بل إلى إنتاج طبقات اجتماعية متمايزة تخدم آلة الاستعمار.

بعد الاستقلال عام 1956، لم يتم تفكيك هذه البنية الاستعمارية، بل أعيد تدويرها. احتلت النخبة الوطنية مواقع المستعمر دون أن تغير المنطق التعليمي الكامن. تحولت المدارس الثانوية التي أخرجت قادة الحركة الوطنية إلى ماكينات لإعادة إنتاج النخبة الحاكمة الجديدة. لم يعد التعليم وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل أداة لترسيخ الامتيازات الطبقية وتكريس الانقسام بين من يسيطرون على المعرفة ومن يُحرمون منها.

كرست الدولة بعد الاستقلال التمييز الجغرافي في توزيع الموارد التعليمية. توجهت الاستثمارات إلى المدن المركزية، بينما تركت الأقاليم والأطراف بلا مدارس مؤهلة أو جامعات حقيقية. أصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج الجغرافيا الطبقية: من يولد في الهامش يُحكم عليه بالجهل أو الهجرة القسرية إلى سوق العمل الهش في المدن، ومن يولد في المركز يُمنح فرصة الالتحاق بدوائر السلطة والثروة. كان هذا التفاوت الجغرافي تعبيراً عن رؤية طبقية واضحة: المركز يُنتج الحكام والبيروقراطيين، والهامش يُنتج الجنود والعمال والخدم.

مع صعود الأنظمة العسكرية، تحول التعليم من جهاز طبقي إلى أداة أيديولوجية. أفرغت المناهج من التفكير النقدي وحشيت بسرديات الطاعة والولاء والدين المُسيّس والوطنية الزائفة. أعيد تعريف المدرسة كمكان للتلقين لا للفهم، وللحفظ لا للإبداع. الطالب المثالي لم يعد من يفكر ويناقش، بل من يحفظ ويطيع. أنتجت هذه السياسة أجيالاً تملك شهادات بلا وعي، ومعلومات بلا قدرة على الربط أو المساءلة، مما خلق قاعدة اجتماعية سهلة التوجيه والسيطرة.

ضربت سياسات الخصخصة التي تلت ذلك جوهر التعليم العمومي. انسحبت الدولة تدريجياً من تمويل المدارس والجامعات، تاركة الأسر الفقيرة تواجه مؤسسات منهارة بلا معلمين مؤهلين ولا بنى تحتية. في المقابل، انتشرت المدارس الخاصة كبوابات طبقية جديدة، حيث تحول النجاح الدراسي من نتاج الجهد الفردي إلى نتاج القدرة المالية. تحول التعليم من أداة للحراك الاجتماعي إلى آلية لإغلاق الطبقات على نفسها، حيث تورث الامتيازات التعليمية كما تورث الثروة.

أنتج هذا النظام المشوه جيشاً ضخماً من الشباب المتعلم شكلياً والعاطل فعلياً. شباب تخرجوا من مدارس لا تعلمهم مهارات الحياة، ومن جامعات لا تؤهلهم لسوق العمل، في بلد لا يوفر فرصاً حقيقية للشباب. هذا الفراغ الفكري والعملي شكل التربة الخصبة للتجنيد في الميليشيات والجماعات المسلحة. لم تكن الميليشيا نقيض المدرسة، بل امتداداً لمنطقها: كلاهما نتاج سياسة تجريد الإنسان من المعرفة الحرة وتحويله إلى أداة في آلة الطاعة أو العنف. الشاب الذي لم تمنحه المدرسة أدوات التفكير ولا الدولة فرص العمل، يجد في السلاح معنى زائفاً ومصدر رزق وهوية.

حين انفجرت حرب أبريل 2023، انكشف الأثر العميق لهذا الخراب التعليمي. لم يكن المجتمع عاجزاً فقط عن منع الحرب، بل عاجزاً عن فهم أبعادها الطبقية والهيكلية. غابت اللغة التحليلية التي تشرح المصالح الاقتصادية والبنى الاجتماعية، وحلت محلها خطابات الكراهية والاصطفاف العصبوي. الجهل الذي صُنع على مدى عقود تحول إلى بيئة حاضنة للدمار، لأن من لا يملك أدوات التحليل لا يرى في الحرب إلا قدراً محتوماً أو مؤامرة خارجية، لا نتيجة نظام اجتماعي مختل وعلاقات إنتاج مشوهة.

اليوم، تتحول ساحات التعليم إلى ميادين حرب أيديولوجية. الميليشيات التي تسيطر على مناطق معينة تفرض مناهجها الخاصة، وتعمد إلى إعادة كتابة التاريخ لخدمة روايتها وترسيخ انقساماتها. في المقابل، تنبثق مبادرات التعليم الموازي في المخيمات والأحياء كشكل من أشكال المقاومة الشعبية. معلمون متطوعون يعلمون الأطفال تحت الأشجار، شباب ينظمون حلقات تعليمية في المنازل، جهود مجتمعية لإعادة فتح الفصول الدراسية في المناطق المحررة. هذه ليست مجرد محاولات لتعويض غياب الدولة، بل هي ممارسات للتحرر تهدف إلى الحفاظ على الإنسانية والمعرفة في زمن الدمار.

المعركة على التعليم هي معركة على مستقبل السودان. فمن يتحكم في عقول الأطفال اليوم يتحكم في مصير البلاد غداً. لكن الفوز بهذه المعركة لا يأتي بإصلاحات تقنية أو تعديلات مناهج، بل يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة التعليم ذاته: من تعليم يخدم النخبة الحاكمة ويرسخ التبعية، إلى تعليم يحرر الجماهير ويمكنها من فهم واقعها وتغييره. تعليم يعيد ربط السوداني بأرضه وتاريخه، ويمنحه الأدوات لفهم أسباب فقره وحروبه، ويخلق فيه الثقة بإمكانية التغيير.

التعليم الحقيقي يجب أن يكون سلاحاً في يد الشعب، لا في يد من يسيطرون عليه. وهو نضال لا يقل أهمية عن النضال السياسي، لأنه يخلق الشروط الذهنية والثقافية لأي تحول جذري. كما قال المفكر البرازيلي باولو فريري: "التعليم لا يحيد: إما أنه يُستعمل كأداة لإدماج الأجيال الشابة في منطق النظام القائم وتشكيلها وفقاً له، أو يصير ممارسة الحرية، وسيلة بواسطتها يتعامل الرجال والنساء مع الواقع ويكتشفون كيف يشاركون في تحويل عالمهم."

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...


المزيد.....




- ترامب: دفاع غرينلاند زلاجتان تجرهما كلاب بمواجهة غواصات روسي ...
- قطر ترد على تقارير حول مغادرة بعض الأفراد قاعدة العديد
- قطر: الدوحة تؤكد مغادرة أفراد من قاعدة العُديد الأمريكية بسب ...
- احتجاجات إيران.. هل ينجح -صقور- الإدارة الأمريكية في فرض الح ...
- -عن الذاكرة والشهادة-: مبادرة فنية في قلب باريس للتضامن مع ض ...
- غرينلاند: ماكرون يحذر من المساس بسيادة دولة حليفة وترامب يعت ...
- حكومة دمشق ترسل تعزيزات عسكرية لشرق حلب بعد مطالبة القوات ال ...
- معاريف: ديمونة تقرر فتح الملاجئ العامة تحسبا لهجوم إيراني
- إيران مباشر.. تواصل الاحتجاجات وتوتر بالمنطقة وسط تهديدات أم ...
- 10 محطات خلال 200 عام من تاريخ صحيفة لوفيغارو الفرنسية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية