أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية (1956-2019)














المزيد.....

3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية (1956-2019)


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 17:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مع رفع العلم الوطني عام 1956، دخل السودان مرحلة الاستقلال الشكلي حاملاً إرثاً استعمارياً لم يُمس. النخب التي تسلمت السلطة لم تكن تمتلك مشروعاً وطنياً للتحرر الاقتصادي والاجتماعي، بل كانت تشكل جزءاً من البنية الطبقية التي خلقها الاستعمار. كانت مهمتها الأساسية ليست تفكيك جهاز الدولة الاستعماري، بل إدارته لصالح مصالحها الضيقة مع الحفاظ على ارتباطها العضوي بالمراكز الإمبريالية.

لم تكن الطبقة السياسية التي حكمت السودان بعد الاستقلال برجوازية وطنية بالمفهوم الكلاسيكي، بل كانت برجوازية كومبرادورية تقوم بدور الوسيط بين الاقتصاد العالمي والمجتمع المحلي. مصالحها كانت مرتبطة باستمرار تدفق المواد الخام السودانية إلى الأسواق العالمية، وليس بتطوير صناعة محلية أو زراعة غذائية. هذا الموقع الوسطي جعلها معادية لأي تحول جذري يهدد علاقاتها مع الشركاء الخارجيين.

الجهاز البيروقراطي الذي ورثته الدولة المستقلة كان أداة مصممة للسيطرة لا للخدمة. تحول الموظفون الكبار إلى طبقة مستقلة مصالحها مرتبطة باستمرار النظام لا بتطوير المجتمع. لم تكن البيروقراطية أداة محايدة تنفذ سياسات الدولة، بل كانت قوة اجتماعية تمتلك مصالح طبقية خاصة، تعمل على تحويل المناصب العامة إلى مصادر للثراء والامتيازات.

أما المؤسسة العسكرية فقد تحولت إلى أقوى فاعل في المعادلة الطبقية. لم يكن الجيش مجرد مؤسسة دفاعية، بل تحول إلى مركز للسلطة الاقتصادية والسياسية. سيطر العسكريون على المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتحولت الرتب العسكرية إلى رأس مال سياسي يمكن تحويله إلى ثروة مادية. هذا التحول جعل الجيش الحكم الفعلي في الصراعات بين الفصائل المدنية المختلفة.

تفاعلت هذه المكونات الطبقية الثلاثة - البرجوازية الكومبرادورية، البيروقراطية العليا، القيادة العسكرية - لتشكل كتلة مهيمنة متحالفة رغم تنافسها الداخلي. كان تحالفها قائماً على قاعدة مشتركة: الحفاظ على علاقات الإنتاج التابعة، وإعادة إنتاج نظام الاستغلال، ومنع بروز أي قوة اجتماعية بديلة.

دور هذه الكتلة المهيمنة لم يكن تنموياً بل ريَعياً. اعتمدت على تصدير المواد الخام (القطن، الصمغ العربي، ثم النفط لاحقاً) دون استثمار العائدات في تطوير قوى إنتاجية حقيقية. استخدمت العوائد الريعية لتمويل أجهزة القمع وشراء الولاءات، بينما أهملت التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية الإنتاجية.

سياسة "التهميش المنظم" التي مورست ضد مناطق عديدة لم تكن نتيجة إهمال، بل كانت استراتيجية طبقية متعمدة. هدفها كان تحويل هذه المناطق إلى مخازن لقوة العمل الرخيصة وموارد طبيعية، مع حرمانها من أي تنمية حقيقية. هذه السياسة خلقت احتياطياً من الفقر والبؤس يمكن استغلاله كوقود لأي صراع داخلي.

تحولت الدولة إلى "غنيمة" تتنافس عليها الفصائل المختلفة داخل الكتلة الحاكمة. كل انقلاب عسكري كان يعبر عن محاولة فصيل معين للسيطرة على هذه الغنيمة، لا عن رؤية سياسية مختلفة. كانت الحروب الأهلية المتتالية تعبيراً عن هذا التنافس على الموارد والسلطة بين أجنحة النخبة الحاكمة.

السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة - سواء الليبرالية أو "الاشتراكية" - كانت أشكالاً مختلفة لنفس الجوهر: خدمة مصالح الكتلة الحاكمة. حتى التجربة "الاشتراكية" في عهد النميري لم تكن سوى رأسمالية دولة تخدم مصالح البيروقراطية الحاكمة، حيث تحول القطاع العام إلى وسيلة للسيطرة على الاقتصاد وليس لتوزيع الثروة.

الأيديولوجيا الإسلامية التي تبنتها بعض الحكومات لم تكن سوى غطاء لمصالح طبقية. استُخدم الدين لتبرير السياسات الاقتصادية القاسية، ولتقسيم المجتمع، ولإضفاء الشرعية على نظام استغلالي. تحول الخطاب الديني إلى أداة في الصراع الطبقي، يستخدم لإخضاع الفقراء وترهيبهم باسم الدين.

التعليم في ظل هذه النخب تحول إلى أداة لإعادة إنتاج النظام الطبقي. المدارس والجامعات صُممت لإنتاج النخبة الجديدة التي ستواصل السيطرة، ولتخريج أغلبية لا تمتلك الوعي النقدي اللازم لفهم آليات استغلالها. نظام التعليم أصبح مصنعاً للطاعة، لا للتحرر.

عندما اندلعت الحرب الحالية، لم تكن سوى الفصل الأخير في مسرحية بدأت مع الاستقلال الشكلي. الصراع بين الجيش والدعم السريع هو صراع بين فصيلين من نفس الكتلة الطبقية على حصة أكبر من الغنيمة الوطنية. كلاهما يمثل مصالح شرائح من البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية.

ما يسمى "الانتقال الديمقراطي" كان محاولة لتجميل النظام دون تغيير بنيته الطبقية. حاولت القوى المدنية إصلاح ما لا يمكن إصلاحه: جهاز دولة مصمم أصلاً للقهر والاستغلال. فشلت هذه المحاولات لأنها لم تمس أسس السلطة الطبقية.

اليوم، السودان أمام خيارين: إما الاستمرار في إعادة إنتاج نفس النخب بوجوه جديدة، أو كسر هذه الحلقة المفرغة عبر تحول جذري في موازين القوى الطبقية. النخب القديمة أثبتت عجزها عن قيادة مشروع وطني حقيقي، لأن مصالحها مرتبطة عضويًا باستمرار التبعية والتخلف.

الحل لا يأتي من داخل هذه النخب، بل من خارجها: من تحالف القوى الاجتماعية التي تدفع ثمن فشل النظام - العمال، الفلاحون، الشباب العاطلون، النساء المهمشات، سكان الأطراف المغيبون. فقط عبر تنظيم هذه القوى في مشروع تحرري حقيقي يمكن كسر دائرة الإخفاق.

كما كتب المفكر الماركسي المصري سمير أمين: "التخلف ليس مرحلة سابقة على التقدم، بل هو نتاج التقدم ذاته في المركز الإمبريالي". النخب السودانية كانت أداة في هذه المعادلة، وساهمت في إعادة إنتاج التخلف كشرط لبقائها في السلطة. تحرير السودان يبدأ بتحريره من هذه النخب ومن النظام الطبقي الذي تمثله.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...
- 10. الآفاق الطبقية ومعنى الانتصار — من الإصلاح إلى التغيير ا ...
- 9. دينامية الشارع كرافعة تاريخية — صناعة الزمن الثوري


المزيد.....




- تقرير: هكذا ستضرب أميركا إيران -إذا لزم الأمر-
- إدارة جائزة نوبل ترد بعد اقتراح الفائزة بمنحها إلى ترامب
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزة غرينلاند-
- أي شخصية من المعارضة الإيرانية لها حظوظ في الريادة؟
- ألف يوم من الحرب في السودان.. ولا حل في الأفق
- ما خلفية دعوة واشنطن رعاياها في فنزويلا إلى المغادرة على الف ...
- تظاهرات في الولايات المتحدة رفضا لتجاوزات وكالة الهجرة
- نبض أوروبا: بوادر شرخ بين سلطات غرينلاند والدانمارك
- مالذي يُميز 1000 يوم من الحرب في السودان؟
- الشجاعة لا تقاس بالحجم: غزال صغير يتفوق على وحيد قرن


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية (1956-2019)