أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي














المزيد.....

حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


1. الدولة الاستعمارية-الرأسمالية كجهاز لإنتاج الجهل

حرب السودان الراهنة ليست حدثاً معزولاً بل تعبيراً حاداً عن تناقضات بنيوية تآكلت عبر تاريخ الدولة الحديثة. ينبع الصراع المسلح من التناقض الرئيسي بين جهاز دولة صُمم لخدمة كتلة طبقية مهيمنة وبين جماهير العمال والفلاحين والرعاة والمهمشين الذين جرى استبعادهم من الثروة والسلطة والمعرفة.

لم تكن الدولة السودانية يوماً أداة محايدة لتنظيم الصالح العام. لقد تشكلت كجهاز طبقي يكرس علاقات إنتاج مشوهة، حيث يتم تنظيم عملية نهب فائض القيمة المنتَج من الكادحين وإعادة توزيعه لصالح تحالف ضيق يضم كبار الضباط والبيروقراطيين والبرجوازية الوسيطة التابعة المتحالفة مع السوق العالمية، إضافة إلى شيوخ القبائل المتحولين إلى وسطاء استغلاليين.

تظهر فشل الاتفاقيات السابقة في تحقيق سلام دائم أن هذه الاتفاقيات كانت تسعى لترميم جهاز الدولة القائم لا لهدمه وإعادة بنائه على أسس طبقية جديدة. لقد عملت كأدوات في البنية الفوقية السياسية لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة نفسها تحت شعارات المصالحة والوحدة الوطنية. السلام الحقيقي لا يولد من مفاوضات معزولة عن حركة الجماهير، بل هو نتاج تغيير جذري في علاقات القوة الطبقية.

تحول الجهل في هذا السياق من نتيجة ثانوية إلى أداة مركزية في ترسيخ الهيمنة. يُدار التعليم بوصفه مصنعاً لإنتاج الوعي الزائف، بينما يُحوّل الإعلام إلى جهاز ضخ دائم لأيديولوجيا تقدم الدولة ككيان فوق-طبقي. تدمير النظام التعليمي يكشف عن منطق طبقى صارم: إنتاج كوادر بيروقراطية وعسكرية تلبي احتياجات الطبقة المسيطرة، وتلقين الأغلبية الساحقة معرفة مشوهة تكرس الخنوع.

التخلف هنا ليس مجرد تأخر اقتصادي، بل هو الشكل الاجتماعي-الثقافي الذي تتخذه علاقات الإنتاج التابعة للإمبريالية. يعني حرمان الغالبية العظمى من القدرة على فهم الآليات المادية التي تسرق ثمار عملها، وتحويلها إلى مجرد أدوات في آلة إنتاج فائض القيمة.

الحرب الحالية هي صراع داخل الكتلة المهيمنة نفسها على حصة أكبر من الغنيمة، فيما يبقى الشعب السوداني وقوداً للصراع وضحيته الأساسية. ما يسمى "انهيار الدولة" هو في الواقع انكشاف لوهمها، فالدولة التي تعجز عن حماية حياة الناس وعن ضمان إعادة إنتاج المجتمع ليست دولة انهارت، بل دولة لم تبنَ إلا كواجهة لهيمنة طبقية.

يُطرح وهم "الحلول السريعة" من قبل الدوائر الإمبريالية والإقليمية وحلفائهم المحليين من البرجوازية الصغيرة الإصلاحية كجزء من الأيديولوجيا المهيمنة التي تهدف لنزع الطابع الطبقي عن الصراع. إنهم يروجون "الحوار" بين طرفي الحرب كما لو كانا كيانين سياسيين محايدين، لا جهازين عسكريين يمثلان مصالح طبقية متشابكة.

السؤال الحاسم إذن ليس كيف نوقف الحرب، بل كيف نحول هذا الانفجار العنيف إلى طاقة ثورية موجهة لهدم النظام الطبقي القائم. يتطلب ذلك بناء وعي طبقي منظم، وتحويل المعاناة إلى ممارسة ثورية تهدف إلى تحطيم آلة الدولة القديمة وبناء سلطة جديدة تمثل مصالح الطبقات الكادحة.

يكشف تحليل الحرب كعرض عن ضرورة رفض القراءات المثالية التي تبحث عن "الشرير" في شخصية أو جماعة. المطلوب هو تفكيك تاريخ تكون الدولة السودانية ككيان استعماري-رأسمالي هجين، وفهم كيف أنتجت علاقات الإنتاج شكلاً محدداً من الدولة ولّد تناقضاته الداخلية.

الحرب، في جانبها الأيديولوجي، هي معركة على العقل والذاكرة. تحرق المدارس وتنهب المكتبات لأن السيطرة على الوعي شرط للسيطرة على المجتمع. المقاومة الحقيقية تكمن في خوض معركة موازية على جبهة الوعي: بناء تعليم شعبي موازٍ، وخلق قنوات إعلامية تعاونية تفضح آليات الاستغلال.

كما كتب أنطونيو غرامشي، فإن الهيمنة لا تُمارس بالقمع فقط، بل وبالإقناع عبر احتكار إنتاج المعرفة. معركة السودان اليوم هي، في أحد وجوهها الحاسمة، معركة لانتزاع هذا الاحتكار من يد الطبقة المسيطرة. النصر العسكري لن يكون حاسماً إلا إذا رافقه انتصار في معركة الوعي، حيث تتحول الجماهير من موضوع للتاريخ إلى فاعل واع يصنعه.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...
- 10. الآفاق الطبقية ومعنى الانتصار — من الإصلاح إلى التغيير ا ...
- 9. دينامية الشارع كرافعة تاريخية — صناعة الزمن الثوري
- ٨. معارك السياسات الملموسة: اختبار الصراع الطبقي في ال ...
- 7. التناقض داخل التحالف التقدمي: بين إدارة النظام وتفكيكه


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي