أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية المليشياوية














المزيد.....

8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية المليشياوية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 18:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشكل الحرب السودانية الراهنة التعبير المكثف عن أزمة نمط الإنتاج التابع الذي عجزت البرجوازية الطفيلية عن تجاوزه منذ الاستقلال الشكلي. لم يعد العنف مجرد أداة سياسية، بل تحول إلى وسيلة للتراكم الأولي في يد أمراء الحرب والميليشيات، حيث تتم إعادة هيكلة علاقات الملكية والإنتاج تحت نيران المدافع. ما يسمى "بالفراغ المؤسسي" أو غياب الدولة هو في جوهره إعادة تنظيم قسرية للسوق لخدمة قوى السلاح، محولة الاقتصاد إلى ساحة لنهب منظم تحت شعارات الحرب.

لم تترك الحرب فراغاً اقتصادياً، بل أنشأت سوقاً موازية يحكمها منطق جديد: العنف كقيمة تبادلية. تحولت السلع الأساسية من دقيق ودواء إلى أدوات ابتزاز طبقي، حيث يرتبط سعر البقاء بقدرة الفرد على دفع "إتاوة" للطبقة المسلحة المهيمنة. أصبح التشوه السوقي هو الآلية الأساسية لتراكم رأس المال المليشياوي الذي يزدهر في غياب الرقابة المركزية، محولاً الحاجات الإنسانية إلى سلع في سوق سوداء هي الوحيدة المتاحة في ظل الرأسمالية المتوحشة.

المجالس الأهلية والتشكيلات القبلية التي برزت في الحرب تمثل ارتداداً ضرورياً للبنية الفوقية لتعويض انهيار أجهزة الدولة القمعية. لا تعكس هذه التشكيلات عودة للأصالة بقدر ما تعكس توظيفاً لنمط الإنتاج ما قبل الرأسمالي لخدمة غايات رأسمالية معاصرة. غالباً ما تتحول هذه السلطات المحلية إلى أدوات لجباية الفائض من المنتجين الصغار والنازحين، مكرسة استلاباً مزدوجاً للجماهير التي تجد نفسها مضطرة لمقايضة ولائها السياسي والقبلي مقابل الحد الأدنى من شروط البقاء المادي.

يشكل ظهور التعليم والصحة الموازيين شكلاً متقدماً من اغتراب الإنسان السوداني عن حقوقه الأساسية. تتحول الخدمات العامة من التزامات اجتماعية للدولة إلى سلع تخضع للمبادرة الفردية أو "الإحسان" المشروط أيديولوجياً وطبقياً. هذا التشظي في الخدمات يعيد إنتاج تقسيم العمل على أسس جغرافية وعرقية، مما يجهض إمكانية تبلور وعي طبقي وطني موحد، ويحصر نضال الجماهير في صراع يومي من أجل "البيولوجيا" لا من أجل التحرر السياسي والاجتماعي الشامل.

تمثل شبكات التهريب والصرافة الموازية النسخة المتوحشة من التراكم الرأسمالي في ظل الحرب. حيث تحولت خطوط القتال إلى حدود جمركية غير مرئية تفرض رسوماً على حركة السلع والأفراد، محولة الجغرافيا إلى مصدر للإثراء الطبقي. هذه الشبكات لا تخدم فقط اقتصاد الحرب، بل تعيد تشكيل البنى التجارية التقليدية لصالح وسطاء الحرب الذين يحولون المخاطر الأمنية إلى أرباح مالية.

تكشف الممارسات القضائية الموازية عن تحول القانون إلى سلعة تخضع للقوة المسلحة. فالميليشيات تحكم مناطقها بقوانينها الخاصة، والمجالس الأهلية تفصل في النزاعات بعرفها المتحول، والجماعات المسلحة تفرض أحكاماً عسكرية على المدنيين. هذا التعدد في مراكز القضاء يعكس تعدد مراكز السلاح، ويفقد القانون معناه الوحيد كضامن للحقوق، محولاً العدالة إلى مساومة طبقية صريحة.

هنا تظهر أشكال التضامن الاجتماعي كتناقض حي. شبكات توزيع الغذاء التي تنظمها النساء، مجموعات حماية الأحياء التي يشكلها الشباب، مبادرات الإيواء التي تنبثق من القواعد الشعبية - كلها تشير إلى إمكانية تنظيم بديل. غير أن هذا التنظيم يبقى هشاً ومحاصَراً، إذ يتحول غالباً إلى وسيلة للبقاء الفردي والجماعي دون أن يتحول إلى قوة سياسية قادرة على تحدي النظام الطبقي القائم.

تشكل الزراعة المعاشية والاقتصاد المنزلي الرد التاريخي للفلاحين والعمال على انهيار السوق الرأسمالي. حيث يعود المنتجون إلى أشكال الإنتاج المباشر لسد حاجاتهم الأساسية، متجاوزين آليات السوق المسلح. لكن هذا التراجع لا يمثل حلاً بل يعكس درجة الانهيار التي وصلت إليها علاقات الإنتاج، حيث يصبح العزل الاقتصادي شرطاً للبقاء البيولوجي.

تؤكد المادية الجدلية أن الأزمة الثورية تنضج حين لا تعود الطبقة الحاكمة قادرة على الحكم بالشكل القديم، وحين لا تعود الطبقات المحكومة تقبل العيش بالطريقة القديمة. السودان اليوم يعيش هذا التناقض في أبشع صوره العنيفة، حيث تتحول الحرب من صراع على السلطة إلى آلية لإعادة إنتاج التخلف والتجزئة الطبقية.

إن الخلاص لا يكمن في ترميم "دولة النخبة" التي أورثت الحرب، بل في تحويل غريزة البقاء لدى الجماهير إلى تنظيم سياسي ثوري. تنظيم يسترد أدوات الإنتاج من يد الميليشيات والبرجوازية الطفيلية، ويبني سلطة الشعب العامل على أنقاض الدولة الطبقية. هذا التحول يتطلب أكثر من مبادرات إغاثة، بل يحتاج إلى بناء وعي طبقي يربط بين معاناة اليوم وإمكانية التحرر الغد.

تكشف الحياة بلا دولة في السودان حقيقة مريرة: المجتمع قادر على البقاء بدون الدولة البرجوازية، لكنه يدفع ثمن هذا البقاء تفككاً وتجزئة طبقية. التحدي الثوري هو تحويل طاقة البقاء هذه إلى طاقة للبناء، وتحويل الهياكل المؤقتة إلى مؤسسات ديمقراطية شعبية، وتحويل التضامن اليومي إلى برنامج سياسي يضع نهاية لسلطة السلاح وبداية لسلطة المنتجين.

كما كتب كارل ماركس: "إن الدولة هي لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للطبقة البرجوازية بأسرها". الحرب السودانية ليست سوى تصفية حسابات داخل هذه اللجنة على جثة الشعب. المهمة التاريخية الآن هي تفكيك هذه اللجنة وإقامة سلطة جديدة تمثل مصالح الطبقات الكادحة، سلطة تحول الاقتصاد من ساحة نهب إلى أداة تحرر، والمجتمع من ساحة حرب إلى فضاء للتضامن الطبقي.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...


المزيد.....




- العثور على جثة فتاة محاطة بكلاب برية على شاطىء سياحي في أستر ...
- بعد مرور أسبوعين من قضائه كامل عقوبته .. جنايات بدر تأمر بحب ...
- أذربيجان تحيي ذكرى ضحايا القمع السوفيتي في 20 يناير 1990
- ملياردير من الدائرة الضيقة.. كيف مهّد رونالد لودر طريق ترامب ...
- ألمانيا: مخاوف من تجسس الصين عبر السيارات الكهربائية
- وزير الإعلام اليمني: السجون التي كشفناها خارج سلطة القانون
- دمشق تعلن وقفا لإطلاق النار 4 أيام مع الأكراد عقب تفاهم جديد ...
- كيف دفعت اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى تهميش الدبلو ...
- دليل التوفير المنزلي: حيل بسيطة لتقليص نفقات الغسيل بنسبة 50 ...
- إضافات تفسد المذاق والفائدة: كيف تجعل قهوتك صحية دون أن تخسر ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية المليشياوية