أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور














المزيد.....

9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 15:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس الشباب والأطفال الذين يولدون ويشبّون في حرب السودان مجرد ضحايا لمأساة إنسانية، بل هم نتاج مادي مُصمَّم بدقة. إنهم الثمرة المريرة لنظام إنتاجي استثنائي، نظام حوَّل العنف إلى عملة، والجهل إلى أداة تسويق، والجسد الإنساني إلى سلعة قابلة للاستهلاك السريع. هذا الجيل الذي يتحول أطفاله إلى مقاتلين، وشبابه إلى وقود للمعارك، وفتياته إلى غنائم حرب، لا يمثل كارثة أخلاقية فحسب، بل يمثل أيضاً نجاحاً عملياً لآلة اقتصادية غريبة: آلة تنتج الموت كوسيلة للعيش، وتصنع الجهل كشرط للربح.

يبدأ هذا التشويه من مواقع الإنتاج ذاتها. في مناجم الذهب العشوائية التي تسيطر عليها الميليشيات، يصبح الأطفال عمالاً مثاليين لأن جهلهم يمنعهم من فهم خطر الزئبق والسيانيد. وفي نقاط التفتيش المنتشرة كالسرطان، يتحول الأميون إلى حراس لا يحتاجون إلى قراءة القوانين، بل فقط إلى تلقين الأوامر. هذه ليست مصادفات، بل هي هندسة دقيقة: اقتصاد الحرب يحتاج إلى عمال لا يسألون، وإلى مستهلكين لا يفكرون، وإلى مقاتلين لا يتذكرون.

يعمل هذا النظام على تحطيم مؤسسات التنشئة الاجتماعية وإعادة بنائها على مقاسه. فالعائلة التي كانت ملاذاً للأبناء تتحول إلى سوق مبادلة، حيث تبيع الأم طفلها للميليشيا مقابل كيس دقيق، ويحول الأب ابنته إلى سلعة زواج مبكر كاستثمار يائس في زمن الانهيار. المدرسة لم تعد مكاناً للتعلم بل ساحة لتجنيد القيمين، الحي الذي كان مجتمعاً يتحول إلى سوق سوداء مصغرة، يديره قادة عصابات يجمعون بين التهريب والتجنيد وفرض الإتاوات.

الجهل هنا ليس مجرد غياب للمعارف، بل هو أداة إنتاج. فالشاب الذي لا يعرف تاريخ إضرابات عمال السكة حديد، أو نضال فلاحي مشروع الجزيرة، أو مقاومة النساء في دارفور، يصبح قابلاً لأي خطاب طائفي أو عنصري. الفتاة التي لم تتعلم عن حقوقها تصبح فريسة سهلة لأي عنف. الطفل الذي لم يقرأ عن كرامة الإنسان يقبل بأن يكون سلعة. هذا الجهل المُنتَج بعناية هو ما يضمن استمرار النظام، لأنه يحول المعاناة من حافز للتغيير إلى قدر محتوم.

وراء هذه الآلة يقف تحالف طبقي واضح المعالم. ضباط الجيش الذين تحولوا إلى رجال أعمال عبر شركات أمنية خاصة. ملاك مناجم الذهب المرتبطين بشبكات التصدير في دبي وإسطنبول. وسطاء الشركات الدولية الذين يمولون الميليشيات مقابل عقود النفط والمعادن. هؤلاء لا يحتاجون إلى مواطنين واعين، بل إلى "قطع غيار" بشرية قابلة للاستبدال: مقاتلون يموتون لخلق ندرة ترفع الأسعار، عمال لا يطالبون بحقوق لأنهم لا يعرفونها، مستهلكون يشترون السلع المسروقة لأنها الوحيدة المتاحة.

يكشف التاريخ أن إنتاج "أجيال ضائعة" هو تقنية سيطرة قديمة جديدة. فالأطفال الذين استخرجوا الماس في سيراليون بقطع أطرافهم، والذين عملوا في مناجم الكولتان في الكونغو لصناعة الهواتف الذكية، والذين جندتهم العصابات في أمريكا الوسطى بديلاً عن الدولة، جميعهم يمثلون نماذج لإعادة صياغة الإنسان لخدمة اقتصاد العنف. السودان يقدم نسخته الخاصة من هذه المأساة، مع فارق جوهري: هنا تتحول الدولة نفسها إلى مديرة لهذه العملية، حيث تتحول مؤسساتها الرسمية إلى واجهة لاقتصاد حرب منظم.

في قلب هذا الدمار، تظهر محاولات المقاومة. مدارس تحت الأشجار في المخيمات، مكتبات مؤقتة في الأحياء المدمرة، عيادات شعبية تديرها متطوعات. لكن هذه المحاولات تبقى هشة ما لم تتحول إلى جزء من استراتيجية أكبر. فالمدرسة لا تكفي إن لم تكن جزءاً من تعاونية إنتاجية تغذي الحي. المكتبة لا تفيد إن لم تكن مركزاً لتنظيم النازحين حول مطالب ملموسة. العيادة لا تشفي إن لم تخلق شبكات تضامن تعيد تعريف الصحة كحق جماعي لا كسلعة.

المعركة الحقيقية تدور حول تحويل "المقاتل-السلعة" إلى "منتج-واعٍ". وهذا التحول يبدأ باستعادة أدوات الإنتاج من يد الميليشيات. تعاونيات زراعية تنافس شبكات التهريب، ورش تصنيع بسيطة تنتج ما يحتاجه الناس، تنظيمات سكنية تدير الموارد المحلية. في هذا السياق، تصبح استعادة الذاكرة التاريخية ضرورة عملية: حين يعرف الشاب أن جده شارك في إضراب عمال النقل عام 1947، أو أن جارته نظمت مقاومة ضد مشروع زراعي استعماري، يبدأ بربط معاناته بصراع طبقي طويل، لا بقدر طائفي.

هذا الجيل الضائع يحمل في معاناته بذور رفضه. فالألم اليومي الذي يعيشه، الظلم الذي يراه، الذل الذي يتجرعه، كلها يمكن أن تتحول من طاقة مدمرة إلى طاقة تحررية. لكن هذا التحول لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى تنظيم يربط بين المعاناة الفردية والصراع الجماعي، وبين الغضب العفوي والعمل المنظم.

الأجيال الضائعة في السودان هي الدليل الحي على فشل نظام بأكمله. نظام ضحّى بمستقبل بلد من أجل مصالح فئة ضيقة. نظام حوَّل الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن قيمة إلى سعر. لكن هذه الأجيال قد تكون أيضاً بذرة التغيير، لأنها تعرف من الداخل وحشية النظام الذي أنتجها، ولأنها تختبر يومياً استحالة العيش تحت ظله.

الخروج من هذا الجحيم لا يكون بالشعارات ولا بالدموع، بل ببناء بديل مادي ملموس. بدءاً من استعادة الأرض من الميليشيات، مروراً ببناء مدارس تعلّم التفكير لا الطاعة، وصولاً إلى خلق اقتصاد يخدم الناس لا الناهبين. هذا الطريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد لتحويل طاقة الدمار إلى طاقة بناء، ولتحويل الجيل الضائع إلى جيل مقاوم.

كما كتب المفكر الماركسي المصري سمير أمين: "التخلف ليس مرحلة بل هو علاقة". الأجيال الضائعة في السودان هي التعبير الأكثر حيوية عن هذه العلاقة المريضة بين الرأسمالية الطفيلية والدمار الاجتماعي. قطع هذه العلاقة يحتاج إلى أكثر من إصلاحات، بل إلى ثورة في طريقة تنظيم المجتمع وإنتاج الثروة وتوزيعها. ثورة تبدأ باستعادة الإنسان من سوق الحرب، وتنتهي ببناء عالم يستحق العيش فيه.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...


المزيد.....




- هجوم كلب شرس في دورشستر يخلّف صدمة نفسية وإصابات خطيرة
- يُلقّب بـ-الهامس في أذن ترامب-.. من هو مارك روته الأمين العا ...
- أول تعليق لترامب بعد انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي في دافوس
- مسؤول فلسطيني: معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاه ...
- بريطانيا تقرر إعادة جزر تشاغوس، وترامب يعترض
- الرئيس الإسرائيلي: مستقبل إيران -لا يمكن أن يكون إلا بتغيير ...
- إطلاق دينامية جديدة لحزب التقدم والإشتراكية بالفداء مرس السل ...
- من السخرية إلى الحملات التسويقية.. الطلبيات تنهال على نظارات ...
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
- مجلس السلام: ماهي آليات عمله وماهي مهامه؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور