عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 20:47
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
يبدأ التحرر الحقيقي من حرب السودان حين تنهار الفواصل المتخيلة التي فصلت المقاتلين عبر خطوط الانقسام السياسي والقبلي، ليس لأن أحداً أقنعهم بالعدول عن معتقداتهم بل لأن التجربة المادية نفسها تدفعهم لاكتشاف أنهم يشكلون كتلة اجتماعية واحدة تخضع لآليات الاستغلال ذاتها داخل نظام اقتصادي حوّل دماءهم إلى سلعة قابلة للتداول، وهو الاكتشاف الذي لا يمثل مجرد تغيير في الرأي بل تحولاً في الوعي يفضح أن التحرر الطبقي العابر للخطوط ليس تسوية سياسية وسطى بين أطراف متصارعة وإنما عملية تفكيك منهجية للهويات المصطنعة التي غذتها النخب المسلحة طوال عقود، وهذا التفكيك يمكن أن يجد في وسائل التواصل الاجتماعي أداة ثورية لم تكن متاحة للأجيال السابقة من الثوريين، حيث تتحول المنصات الرقمية من مجرد أدوات اتصال إلى ساحات نضال حقيقية تكسر احتكار النخبة للإعلام وتسمح للضحايا عبر كل الجهات أن يتحدثوا بصوتهم المباشر دون وسيط، وتصبح التمثيليات القصيرة التي تنتشر كالنار في الهشيم وسيلة لفضح التناقض بين خطابات القادة وممارساتهم النهبوية، والقصائد المغناة التي تنتقل من هاتف إلى آخر أداة للحفاظ على الذاكرة الجمعية للظلم المشترك، والروايات المصورة التي ترسم مسارات حياة متشابهة رغم اختلاف الألوان والرايات، مما يخلق لغة بصرية وسمعية جديدة تتجاوز الحواجز الجغرافية والثقافية وتؤسس لوعي طبقي رقمي يعيد تعريف الانتماء من الولاء للقبيلة أو الجهة إلى الالتزام بالطبقة والموقع الاجتماعي.
وتتأسس المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية على تعرية الوحدة الطبقية الكامنة خلف الزي العسكري المختلف والشعارات المتعارضة، فتنطلق حملات التوعية من داخل الثكنات والمعسكرات ذاتها كحوار داخلي ينبع من صلب التجربة اليومية، حيث يكتشف الجندي النظامي أن شعارات السيادة والدفاع عن الوطن لا تزيد عن كونها غطاءً أيديولوجياً لنهب منهجي تقوده نفس القيادة التي ترفع تلك الشعارات، وفي الجهة المقابلة يدرك المقاتل المليشياوي أن دماءه وتضحياته تتحول إلى رأسمال سياسي يضخ في شبكات الولاء والتبعية التي ينسجها زعماء الحرب، وهي العملية التي تصل ذروتها حين يربط المجند الذي يحرس مخازن القمح المنهوب بين الجوع الذي تعانيه قريته وبين سياسات النهب التي يحرسها بسلاحه، وحين يربط المقاتل المليشياوي بين الأرض التي يقتل دفاعاً عنها وبين حقيقة أن ملكيتها النهائية ستؤول إلى قائد لم تطأ قدماه ترابها ولم يعرف معاناة أبنائها، ويمكن لوسائل التواصل أن تضاعف من تأثير هذه الاكتشافات عبر نشر مقاطع فيديو تظهر العائلات التي تجوع في قرى الجنود بينما تتراكم الثروات في قصور القادة، وقصص مصورة تروي مسار الفلاح الذي أجبر على بيع أرضه ثم تجنيده في مليشيا تدعي الدفاع عن أرضه، وأغانٍ شعبية تحول الوقائع اليومية للاستغلال إلى إيقاعات تتردد في الأسواق والمقاهي وتخترق حتى جدران الثكنات العسكرية.
ولا يمكن لهذه العملية أن تبلغ مداها دون بناء قنوات تواصل عملية تخترق خطوط النار نفسها، مما يفرض تنظيم لقاءات سرية وحلقات حوار بين جنود سابقين من الجيش النظامي ومقاتلين سابقين من المليشيات تتبادل فيها الشهادات الحية التي تكشف كيف أن آليات السيطرة والاستغلال تتشابه في جوهرها البنيوي، وهنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أدوات للتحضير لهذه اللقاءات عبر مجموعات مغلقة يتشارك فيها المشاركون قصصهم قبل اللقاء المباشر، ونشر حلقات مسموعة يروي فيها مقاتلون سابقون من الجهتين تجارب متشابهة في الخداع والاستغلال دون الكشف عن هوياتهم المباشرة، وإنتاج مسلسلات إذاعية قصيرة تبث عبر تطبيقات المراسلة وتصور حياة مقاتلين من جهتين مختلفتين يكتشفان بالصدفة أنهما شقيقان فقد أحدهما الآخر في الصغر أو جاران عاشا في نفس الحي قبل أن تفرق بينهما خطوط الحرب، مما يخلق أرضية عاطفية ومعرفية تمهد للقاءات الواقعية وتجعلها أكثر عمقاً وفاعلية.
وتأتي المرحلة الثانية كامتداد طبيعي لهذا الوعي المشترك عبر بناء تنظيمات عابرة للانتماءات الضيقة، ولا يمكن لهذه التنظيمات أن تبقى محصورة في النخبة المثقفة أو القيادات السياسية بل يجب أن تمتد إلى القاعدة العريضة من المقاتلين السابقين والعمال والفلاحين، وهنا تظهر ثانية وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لا غنى عنها في التعبئة والتنظيم حيث تنشئ صفحات ومجموعات مخصصة للتعاونيات الإنتاجية المقترحة تشرح فكرتها بلغة بسيطة وتظهر نجاحاتها الأولية عبر مقاطع فيديو قصيرة، وتنظم حملات تمويل جماعي للمشاريع الصغيرة التي يقودها مقاتلون سابقون من مختلف الجهات، وتنشر نماذج من المجالس الشعبية المحلية التي تدير شؤونها دون سلطة السلاح، وتصبح هذه المنصات فضاءات افتراضية يتدرب فيها المشاركون على آليات العمل الجماعي والديمقراطي المباشر قبل تطبيقها على الأرض، كما تتحول إلى مكتبات مفتوحة تتشارك فيها الخبرات التقنية والإدارية اللازمة لإدارة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية الناشئة.
وتتحول هذه التنظيمات بالضرورة إلى فضاءات تعليمية حية تعيد بناء الوعي الطبقي عبر الممارسة اليومية، وتجد وسائل التواصل الاجتماعي هنا دوراً حاسماً في خلق مناهج تعليمية بديلة تتجاوز المناهج الرسمية التي تكرس الهويات المصطنعة، حيث تُنتج سلسلات كرتونية تعليمية للأطفال والكبار تشرح مفاهيم الملكية والاستغلال والطبقة بلغة بسيطة ورسوم جذابة، وتُنشر حلقات بودكاست أسبوعية يناقش فيها مثقفون وناشطون وعمال وفلاحون القضايا الاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن اللغة الأكاديمية المعقدة، وتُصمم ألعاب إلكترونية تفاعلية تضع اللاعب في موقع عامل أو فلاح أو مقاتل سابق وتطلب منه اتخاذ قرارات اقتصادية وسياسية تظهر عواقبها الطبقية، مما يخلق ثقافة مضادة تنتشر بشكل أفقي وتكسر احتكار الدولة والمؤسسات التقليدية للتعليم والتثقيف.
وتتطلب المرحلة الثالثة تفكيك اقتصاد الحرب ذاته عبر عملية تحويل جذرية لوسائل العنف إلى وسائل إنتاج اجتماعي، ويمكن لوسائل التواصل أيضا أن تلعب دوراً محورياً في توثيق هذه العملية ونشرها كنموذج يحتذى، حيث تنقل مباشرة لحظات تحويل مخازن الأسلحة إلى ورش صناعية أو مخازن زراعية، وتوثق تحويل المعسكرات العسكرية إلى مدارس ومعامل، وتتابع تحول المقاتلين السابقين إلى فاعلين إنتاجيين عبر قصص مصورة تسجل رحلتهم اليومية من ساحة الحرب إلى حقل الزراعة أو ورشة الصناعة، كما تنظم حملات ضغط شعبية عبر الهاشتاجات والمقاطع المرئية للمطالبة بمصادرة ثروات قادة الحرب وتحويلها إلى استثمارات منتجة، وتكشف عبر التحقيقات الاستقصائية الجماعية عن شبكات النهب والفساد ومسارات تهريب الثروات، مما يحول هذه المنصات من أدوات ترفيه وتواصل إلى أسلحة في معركة تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة بناء الاقتصاد المنتج.
ويجب أن ترافق هذه العملية التحويلية إعادة توزيع جذرية للثروة تستعيد الأراضي والموارد التي استحوذت عليها النخب المسلحة، ويمكن لوسائل التواصل هنا أن تكون أداة للمحاسبة الشعبية حيث تنشر قوائم بممتلكات قادة الحرب وثرواتهم المنهوبة وتوثق حالات استعادة الأراضي والمصانع من قبل العمال والفلاحين، وتنظم حملات مقاطعة للشركات والمشاريع التابعة للنخب المسلحة، وتخلق شبكات تضامن اقتصادي بين المناطق والقطاعات المختلفة لتجاوز احتكار التجارة والتوزيع، وتصبح هذه المنصات سجلاً حياً لعملية التحول الاقتصادي الذي قد يستغرق سنوات ولكن توثيقه الفوري ونشره الواسع يخلق زخماً شعبياً لا يمكن للنخب المسلحة تجاهله أو إخفاءه.
غير أن تعقيد هذه الاستراتيجية وتحدياتها تنبع من مواجهتها لنظام مرن يتمتع بآليات دفاع متطورة، وسوف تحاول النخب المسلحة احتواء وسائل التواصل أو تحييدها عبر تشكيل مجموعات مضادة تنشر الشائعات وتشعل الفتن وتعيد إنتاج الخطابات الهوياتية، وقد تلجأ إلى قطع الإنترنت أو مراقبة المحتوى أو ملاحقة الناشطين، مما يفرض على الحركة التحررية أن تطور أدوات اتصال بديلة وأساليب تشفير وحماية، وأن تخلق شبكات تواصل لامركزية تعتمد على التطبيقات المحلية والشبكات المجتمعية البديلة، وأن تستمر في إنتاج المحتوى الإبداعي الذي يعبر عن هموم الناس بلغتهم ويحافظ على ذاكرتهم الجمعية حتى في ظل ظروف القمع والرقابة.
وأخيراً فإن هذه الاستراتيجية الرقمية المتكاملة مع التنظيم الأرضي تتطلب فهماً جديداً لطبيعة الصراع في عصر الشبكات، حيث لم يعد يكفي تنظيم الخلايا السرية أو عقد الاجتماعات تحت الأرض بل يجب بناء مجتمعات افتراضية حية تقاوم ليس فقط بالكلمة بل بالصورة والصوت والفن والإبداع، مجتمعات تخلق ثقافتها الخاصة وأدواتها التعبيرية وذاكرتها الرقمية التي تصبح جزءاً لا يتجزأ من ترسانة المقاومة الشعبية، وهذا التحول الرقمي في النضال الطبقي ليس ترفاً ثقافياً بل ضرورة تاريخية في زمن أصبحت فيه السيطرة على العقول جزءاً أساسياً من السيطرة على الأجساد والثروات، وزمن أصبحت فيه القدرة على سرد القصة الجماعية بديلاً عن القدرة على حشد الجيوش، وزمن يمكن فيه لأغنية شعبية واحدة أن تخترق جدران الثكنات وتصل إلى قلوب المقاتلين بما لا تستطيع ألف خطبة سياسية أن تفعله.
"التحرر يبدأ عندما يتوقف المقهورون عن قتل بعضهم بعضاً ويوجهون بوصلة غضبهم نحو القوة التي جعلتهم أعداء."
فرانز فانون.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟