أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء















المزيد.....

5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 16:47
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


تتعثر كل الحلول التقليدية لحرب السودان لأنها تتعامل مع مظاهر الأزمة وتترك جذورها البنيوية سليمة. تتركز جهودها في معالجة الفروع الظاهرة بينما يظل الجذر الطبقي الذي يغذي الصراع بمنأى عن أي مساس، حيث لا تعالج هذه الحلول النظام الموحد الذي أنتج الأطراف المتقاتلة، بل تتعامل معها ككيانات منفصلة يمكن إصلاح كل منها على حدة. هذا المنطق الإصلاحي يعيد إنتاج الأزمة تحت شعارات جديدة، إذ أن الفساد البنيوي لا يمكن إصلاحه بترقيع مؤسساته، بل يحتاج إلى تفكيك العلاقات الاقتصادية التي تنتج العنف وتستفيد من استمراره. الإصلاح في ظل نظام قائم على النهب المنظم لا يعدو كونه عملية تجميلية تهدف إلى تهدئة الاحتقان الاجتماعي المؤقت، بينما تظل آلات الحرب تعمل في الخلفية، مستعدة للانقضاض مرة أخرى حين تهدأ العاصفة.

ينتج عن الإصلاح العسكري المنعزل عن تحول اقتصادي جذري طبقة جديدة من الضباط "المصلحين" الذين يتحولون مع الوقت إلى رجال أعمال حرب أكثر تطوراً. تتحول المؤسسة العسكرية من شكلها التقليدي إلى شركة أمنية مساهمة، حيث تتحول الرتب العسكرية إلى ألقاب إدارية والزي العسكري إلى بدلات رسمية، لكن تبقى الملكية الحقيقية لوسائل العنف في نفس الأيدي الطبقية. عملية إعادة الهيكلة هذه لا تلغي دور الجيش كأداة قمع طبقي، بل تعيد صياغته ليناسب متطلبات مرحلة جديدة من مراحل تراكم رأس المال الطفيلي. يصبح العنف سلعة متطورة تُباع وتُشترى في سوق الخدمات الأمنية، ويُعاد إنتاج التبعية الاقتصادية تحت غطاء "المهنية" و"الحياد".

يخلق حل المليشيات دون معالجة أسباب الفقر كتلة بشرية جديدة من المقاتلين السابقين الذين يتحولون إما إلى عصابات إجرامية منظمة، أو يعاد تجنيدهم في تشكيلات مسلحة جديدة. يصبح المقاتل الذي فقد أرضه وعمله، ثم فقد سلاحه ومصدر رزقه، أسيراً لخيارين: العودة إلى العنف أو الانخراط في اقتصاد الجريمة. هذا الواقع يعكس فشل النظرة التجزيئية التي تتعامل مع العنف كمشكلة أمنية منفصلة عن الفقر والتهميش. فالمقاتلون لم يختاروا الحرب بدافع أيديولوجي محض، بل اضطرروا إليها كملاذ أخير في مجتمع سلَبهم وسائل العيش الكريم. إخراجهم من ساحات القتال دون منحهم بدائل إنتاجية حقيقية يعيدهم حتماً إلى دائرة العنف، وإن بأشكال مختلفة.

تتحول المصالحة الوطنية التي تفتقر إلى العدالة الطبقية إلى سوق لتبادل المصالح بين النخب على حساب الجماهير، وتجري المفاوضات كصفقات لتوزيع المناصب وضمان الحصانات، بينما يبقى الضحايا الحقيقيون للحرب - الفلاحون المنزوعو الأرض، العمال المفصولون، المقاتلون الذين باعوا قوة عملهم العنيفة - خارج حسابات التسوية. المصالحة هنا تصبح عملية توافق بين مستفيدين من الحرب، تهدف إلى إضفاء الشرعية على مكاسبهم وفتح آفاق جديدة للتراكم تحت مظلة السلام. تُعاد تسمية قادة الحرب ليصبحوا سياسيين وتُحوَّل ثرواتهم المنهوبة إلى استثمارات "شرعية"، بينما يظل المجتمع منقسماً على نفسه، يحمل في أحشائه بذور صراع جديد.

تغفل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية أن اقتصاد الحرب نفسه هو العائق الرئيسي أمام أي تنمية حقيقية. تتحول العقود التنموية إلى قنوات جديدة لتحويل الأموال العامة إلى حسابات خاصة، حيث تستغل النخبة العسكرية-التجارية فرص إعادة الإعمار لتعويض خسائر الحرب وزيادة أرباحها. تتحول البنية التحتية المدمرة إلى فرصة استثمارية للنخبة نفسها التي أشعلت النار، في عملية دائرة مغلقة: التدمير ثم إعادة الإعمار بأيديهم، ثم الاستفادة من عوائد الإعمار لتمويل جولة تدمير جديدة. التنمية في هذا السياق لا تعني خلق اقتصاد منتج، بل تعني إعادة تدوير رأس المال الطفيلي في قنوات تبدو "مدنية" بينما تحافظ على نفس علاقات النهب.

تواجه برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تحدياً بنيوياً لأنها تتعامل مع المقاتلين كحالات فردية معزولة عن النظام الاقتصادي الذي أنتجهم، ويتحول العنف هنا إلى مهنة اضطرارية فرضها الإفقار والتهميش، مما يجعل إعادة الإدماج مستحيلة دون خلق بدائل إنتاجية حقيقية. تحاول هذه البرامج "إصلاح" الأفراد بينما تترك النظام الذي حولهم إلى مقاتلين سليماً. يعود المقاتل السابق إلى مجتمع لم يتغير، مجتمع لا يزال يرفضه اقتصادياً واجتماعياً، فيجد نفسه مضطراً إما للهجرة إلى هامش جديد، أو العودة إلى السلاح كمصدر وحيد للكرامة المزيفة والبقاء.

تقع الحلول الانتخابية والدستورية في فخ الاعتقاد بأن الأزمة تكمن في غياب الديمقراطية الشكلية، بينما تكمن في هيمنة نظام اقتصادي يحول الديمقراطية إلى مسرح للتنافس على الغنائم. تجري الانتخابات تحت سيطرة رجال الأعمال الحربيين على الاقتصاد والإعلام، ويصبح الدستور أداة لتكريس امتيازات النخبة المسلحة. تتحول العملية الديمقراطية إلى طقس دوري لتجديد شرعية النظام، حيث تُستبدل وجوه عسكرية بوجوه مدنية تدير نفس السياسات الاقتصادية، وتحافظ على نفس التحالفات الطبقية. يصبح التصويت مجرد خيار بين ألوان مختلفة من نفس الاستغلال.

تتعامل المبادرات الإقليمية والدولية مع الحرب كصراع مصالح بين أطراف قابلة للتسوية، متجاهلة أن استمرار الصراع يمثل شرطاً لاستقرار نظام التراكم الحربي، فتتحول الوساطة الدولية إلى أداة لإعادة ترتيب النخب المحلية داخل منظومة الهيمنة العالمية، حيث تستخدم المساعدات الاقتصادية كوسيلة للضغط والتحكم. تُدار المفاوضات بعيداً عن الجماهير، وتُختزل القضايا الجوهرية في صفقات توزيع السلطة، بينما تبقى بنية الاقتصاد السياسي للحرب قائمة. يصبح السلام المنتَج دولياً هشاً لأنه لم يمس أسباب الحرب الحقيقية، بل رتب أوضاعها بشكل مؤقت لصالح القوى الإقليمية والدولية.

يجب أن ينطلق أي حل حقيقي من إدراك حقيقة أساسية: لا يمكن إصلاح أجزاء نظام معطوب لأن النظام في كليته هو المشكلة. تبقى محاولات إصلاح الجيش دون تغيير الاقتصاد، أو حل المليشيات دون معالجة الفقر، أو عقد المصالحة دون تحقيق العدالة الطبقية، مجرد إعادة إنتاج للنظام بأشكال جديدة. كل جزء من هذا النظام مرتبط عضوياً بالجزء الآخر، وكل "إصلاح" جزئي يخلق تشوهات جديدة تزيد من تعقيد الأزمة. التفكيك الحقيقي يتطلب النظرة الشمولية التي ترى النظام ككل مترابط، وتفهم أن الحرب ليست حادثاً طارئاً بل بنية قائمة بذاتها.

يتطلب التفكيك الفعلي لنظام التراكم الحربي استراتيجية متكاملة تشمل ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد الاقتصادي عبر مصادرة ثروات قادة الحرب وإعادة توزيعها على المنتجين الحقيقيين، البعد السياسي عبر تفكيك مؤسسات العنف وتحويلها إلى أدوات خدمة مدنية، البعد الاجتماعي عبر بناء تنظيمات طبقية تعبر عن المصالح المشتركة للعمال والفلاحين عبر كل الانتماءات الضيقة. هذه الأبعاد لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تشكل حلقات متصلة في عملية تحول واحدة. المصادرة الاقتصادية دون تحول سياسي تخلق فراغاً يملؤه عنف جديد، والتحول السياسي دون بناء تنظيمات اجتماعية قوية ينتج ديمقراطية هشة قابلة للانقلاب.

يجب أن يكون هذا التحول شاملاً وجذرياً، لأن النظام الطفيلي الذي أنتج الحرب يتمتع بقدرة عالية على التكيف مع التغييرات الشكلية، حيث تستطيع النخبة المسلحة استخدام أي فترة انتقالية لإعادة تنظيم نفسها وتطوير آليات أكثر تطوراً للسيطرة. تمتلك هذه النخبة مرونة كبيرة في تحويل ثرواتها من شكل إلى آخر، وفي إعادة إنتاج ولاءاتها تحت أغطية جديدة. لذلك فإن أي تحول تدريجي أو تسوية نصفية ستنتهي باستيعابها من قبل النظام وتحويلها إلى أدوات لتجديد شبابه.

يكمن التحدي الثوري الحقيقي في تحويل الطاقة المدمرة التي تنتجها الحرب إلى طاقة بناءة للتحول الاجتماعي. يمكن للمقاتلين السابقين الذين أتقنوا فنون الحرب أن يتعلموا فنون الإنتاج، ويمكن إعادة تشكيل التنظيمات العسكرية التي مارست القمع إلى تنظيمات إنتاجية، ويمكن تحويل الموارد المهدرة في الحرب إلى استثمارات تنموية. هذه ليست عملية تقنية بحتة، بل تحول نوعي في العلاقات الاجتماعية والسياسية. إنها تعني تحرير الطاقات البشرية من قيود الاقتصاد الحربي، وإعادة توجيهها نحو بناء مجتمع قائم على الإنتاج والتعاون بدلاً من النهب والاستغلال.

يجب أن تنطلق عملية التفكيك من القاعدة الاجتماعية وليس من قمة النظام، من تنظيم الجماهير وليس من مفاوضات النخب، من الصراع الطبقي وليس من المصالحة الطبقية. يثبت التاريخ أن النخب المسلحة لا تتخلى طوعاً عن امتيازاتها، وأن التغيير الحقيقي يأتي فقط عبر الضغط الثوري المنظم. التنظيم الذاتي للجماهير هو السلاح الوحيد القادر على مواجهة آلة الحرب، لأنه يعيد بناء السلطة من الأسفل، ويكسر احتكار النخبة للقوة والثروة. في هذا التنظيم وحده تتولد القوة الكافية لتفكيك النظام القديم وبناء جديد مكانه.

"إن العنف الذي يولد من القهر لا يُهزم إلا بإزالة شروط القهر ذاتها".
فرانز فانون.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...


المزيد.....




- رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام
- ما الذي يجري في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟ مراسل CNN يشر ...
- وُجدت جثتها داخل حقيبة سفر.. جريمة مروّعة تهزّ مصر وتكشف فش ...
- أسطول عالمي جديد: 100 قارب وآلاف الناشطين يبحرون لكسر حصار غ ...
- أخبار اليوم: إجلاء أكثر من 140 ألف شخص تحسبا للفيضانات في ال ...
- هل يشتعل القرن الإفريقي في خضم التنافس الإماراتي السعودي؟
- لماذا نُقلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من إسطنبول إلى مسق ...
- نتنياهو يحذر من -تعاظم- قوة الجيش المصري
- تقرير: نتنياهو طلب مراقبة ومنع تعاظم قوة الجيش المصري
- إيران.. تعيين علي شمخاني أمينا لمجلس الدفاع


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء