أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية في المجتمعات الريعية - 1. الرأسمالية الريعية تحطم التشكيلة الاجتماعية العربية














المزيد.....

في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية في المجتمعات الريعية - 1. الرأسمالية الريعية تحطم التشكيلة الاجتماعية العربية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 19:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشكلت بذور ما عُرف بالربيع العربي خارج ميادين التظاهر، إذ ترسخت داخل عقود الامتياز النفطي، ووثائق الخصخصة، وغرف اتخاذ القرار التي أعادت تعريف الدولة كوسيط منظّم للنهب. تلك السيرورة دشّنت بنية اجتماعية قوامها اقتلاع القيمة من العمل المنتج وتحويلها إلى ريع محتكر. لذلك لم يكن الانفجار اللاحق سوى مآل مادي لتراكم تناقض بين رأسمال طفيلي يتضخم وقوى إنتاج تُخنق بسياسات الإفقار الممنهج.

وَراء الغطاء السياسي الذي حمل تسمية "الربيع العربي"، عملت البرجوازية الريعية على حجب التناقض الجوهري داخل المجتمع. إذ مع بلوغ الرأسمالية التابعة سقفها التاريخي، وتفكيكها لشروط إعادة الإنتاج الاجتماعي، انتقل التمزق الاقتصادي إلى مستوى أزمة في البنية الفوقية. فغدا عجز جهاز الدولة عن استيعاب ما أفرزته القاعدة المادية الشرارة التي أطلقت موجة الانفجار.

تُمثّل عملية فصل العمل عن القيمة الركيزة الأساسية لنمط الإنتاج الريعي، لأن الثروة فيه لا تُشتق من فائض القيمة الناتج عن العمل المنتج، بل تنبع من التحكم في تدفقات الريع الخارجي وإعادة تدويرها عبر احتكارات محلية مغلقة. ومن هنا تتكون برجوازية وسيطة تستمد وجودها من الدولة والعمولات بدلاً من الاستثمار الإنتاجي. بينما يؤدي احتكار التداول بدل توليد القيمة إلى إجهاض نشوء برجوازية وطنية قادرة على قيادة تراكم صناعي، ويقضي بالتالي على أي مسار يخلق طبقة عاملة مستقرة ومندمجة في دورة الإنتاج.

فِي هذا السياق، تتحول الدولة إلى جهاز طبقي يختص بتوزيع الريع وشراء الولاءات الاجتماعية. إذ تغدو أجهزة القمع والإدارة أدوات مباشرة لصيانة شبكة النهب. ويتحول ما سُمي بالإصلاح النيوليبرالي إلى عملية مصادرة منظمة للملكية العامة لصالح تحالف رأسمال-دولة. هكذا يصبح الفساد القاعدة التي تحكم عملية التراكم نفسها لا استثناءً عنها. ولذلك تنفجر كل أزمة اقتصادية في هيئة أزمة سياسية، لأن الدولة تمثل مركز التراكم الريعي لا وسيطًا محايدًا بين القوى الاجتماعية.

الشباب يشكّلون الضحية الأكثر مباشرة لهذا النمط من التراكم المشوّه، حيث تفتح البطالة البنيوية والهشاشة الاقتصادية والقطاع غير الرسمي أبواب الإقصاء من دورة الإنتاج. فالرأسمالية الريعية لا تحتاج إلى قوة عمل واسعة ومنظمة، بل تتطلب أجهزة قمع تدير فائضًا بشريًا خارج منطق التراكم. فتتشكل بروليتاريا مشوّهة بلا استقرار ولا أفق اجتماعي، تُحافَظ حياتها عند الحد الأدنى عبر اقتصاد هامشي، وتُضبط حركتها عبر عنف الدولة. فيتحول التمرد إلى شرط وجود اجتماعي شبه وحيد.

وَعندما وقع الانهيار النيوليبرالي عام 2008، تحوّل إلى صاعق فجّر هذا التناقض الكامن. فقد أدى تقلص تدفقات الريع وارتفاع تكاليف المعيشة إلى انهيار قدرة الدولة على شراء السلم الاجتماعي الهش. وتسارعت وتيرة الإفقار إلى مستوى يهدد البقاء المادي المباشر. فتحول الفائض البشري إلى مادة قابلة للاشتعال، لأن التناقض بين العمل المعطل والرأسمال الريعي بلغ درجة يستحيل احتواؤها بإصلاحات سطحية. لذلك اندلعت الانتفاضات باعتبارها رفضًا ماديًا لنمط إنتاج يعوق المجتمع عن إعادة إنتاج نفسه، لا مجرد مطالبة سياسية شكلية بالديمقراطية.

الهجوم الشعبي على منظومة النهب لم ينجح في بلوغ علاقات الإنتاج التي تولّدها، إذ أدى فصل البرجوازية الصغيرة والليبرالية السياسية بين الصراع السياسي والبرنامج الاقتصادي الجذري إلى إبقاء رأسمال الريع محصّنًا داخل جهاز الدولة. ذلك الفصل مكّن الثورة المضادة من استعادة المبادرة وإعادة ترتيب هيمنة النظام، ليس بالقمع العسكري فحسب، بل عبر إعادة تدوير خطاب الإصلاح النيوليبرالي تحت لافتة "الانتقال الديمقراطي".

إذ تتحول الأيديولوجيا الليبرالية والدينية إلى أدوات فعالة لتجريد الصراع من مضمونه الطبقي، لأن تحويله إلى صراع أخلاقي أو هوياتي يعكس عجز البرجوازية الريعية عن تقديم حل مادي لأزمة الإفقار. وبهذا يُستبدل الصراع حول فائض القيمة بصراعات رمزية تنتج وعيًا زائفًا يحمي نمط الإنتاج من انكشاف تناقضاته أمام خصومه الطبقيين.

مَسار دول مثل مصر وتونس والسودان يبرهن على حقيقة بنيوية مفادها أن أي استقرار سياسي لا يستهدف تفكيك الرأسمالية الريعية يعيد إنتاج الأزمة بصورة أشد عنفًا، لأن علاقات الإنتاج تبقى دون تغيير. وقد أشار كارل ماركس إلى أن "كل أشكال الدولة تقوم على أساس العلاقات المادية للإنتاج". لذلك فإن أي انتقال سياسي داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية ذاتها لا يلد سوى أنماط القهر نفسها بأقنعة مختلفة. فتغدو الدولة البونابرتية الجديدة نتيجة طبيعية لمحاولة إدارة تناقضات الرأسمالية الريعية بأدوات أكثر بطشًا.

المهمة التاريخية التي تفرض نفسها اليوم تتمثل في كسر التحالف بين الدولة والبرجوازية الريعية، وهي مهمة لا تتحقق عبر صناديق الاقتراع أو الإصلاحات الدستورية الشكلية. بل عبر تنظيم البروليتاريا المشوهة، أي العاطلين وعمّال القطاع غير الرسمي والشباب المحاصر، وتحويلها إلى قوة واعية تستهدف قاعدة النهب ذاتها. فالصراع الحقيقي ليس مع حكومات بعينها، بل مع نمط إنتاج يعيد إنتاج البطالة والفقر والعنف بوصفها شروطًا ضرورية لاستمراره.

وَكما ورد في كتاب "الصراع الطبقي في فرنسا"، فإن الثورات تمثل قاطرة التاريخ. غير أن تجربة الربيع العربي كشفت أن القاطرة إذا لم ترتبط بمسار واضح يقود إلى السيطرة على وسائل الإنتاج وإعادة بناء الدولة كأداة بيد الطبقات المسحوقة، فإنها قد تنحرف أو تُدفع إلى الخلف بقوة أعنف. ولذلك يصبح بناء هذا المسار التاريخي المهمة المركزية الراهنة.

"ليست الأزمة في هذا أو ذاك من أشكال الدولة، بل في المجتمع الذي ينتج هذه الأشكال."
كارل ماركس.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...


المزيد.....




- تأجيل حفل للمغني الأردني -الأخرس- بعد انفجار دمشق
- فون دير لاين تكشف مبادرات دعم كبرى من الاتحاد الأوروبي في زي ...
- -خوري هيوا-: من هي المجموعة الكردية الجديدة التي تقف وراء هج ...
- فريق الأكروبات الجوي الفرنسي يحلق فوق نيويورك في ذكرى استقلا ...
- رؤى جديدة عن نمرود
- تقرير رسمي: الجيش الأمريكي يواجه مشكلات تؤخر تطوير أولى منظو ...
- تفاهم مصري تركي على الاستفادة من الممرات المائية
- الخارجية الروسية: استدعاء سفير السويد في موسكو بعد هجوم بمسي ...
- نفتالي بينيت يهاجم نتنياهو
- الناتو: أوروبا عوضت نقص القوات بعد تراجع المساهمة الأمريكية ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية في المجتمعات الريعية - 1. الرأسمالية الريعية تحطم التشكيلة الاجتماعية العربية