أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع العربي














المزيد.....

7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع العربي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 21:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين خرجت الجماهير إلى الساحات العربية في 2010-2011، لم تكن تحمل بيانات نظرية أو برامج حزبية جاهزة. كانت تحمل شعارات تبدو بسيطة: "عيش، حرية، كرامة إنسانية"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "يسقط حكم العسكر". هذه الشعارات، في ظاهرها العفوي، أخفت في باطنها وعيًا طبقيًا عميقًا، وعيًا لم يصل بعد إلى مرتبة التنظيم لكنه التقط بدقة طبيعة النظام كـ"نهاب" جماعي. فكلمة "الفساد" التي ترددت في كل الخطابات لم تكن تعني مجرد سرقة أموال عامة، بل كانت تشير إلى نمط كامل من العلاقات الاجتماعية يقوم على نقل الثروة من الجماهير المنتجة (أو المفقرّة) إلى نخبة طفيلية. كان الخطاب الشعبي أكثر دقة من التحليلات الأكاديمية: "الفساد" هو اسم العلاقة الطبقية في المجتمعات الريعية.

ما أطلق عليه الإعلام "مطالب ديمقراطية" كان في جوهره رفضًا لعلاقة نهب متكاملة. حين يهتف شباب تونس "التشغيل حق، يا دولة اللصوص"، فإنه يربط بين البطالة وسرقة الدولة للثروة. حين يهتف شباب مصر "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، فإنه يصوغ معادلة سياسية-اقتصادية متكاملة: لا حرية بدون عيش، ولا عيش بدون عدالة، ولا عدالة بدون حرية. هذا الربط بين المطالب هو ما أعطى الانتفاضات عمقها الثوري، وهو ما جعلها تخيف النخب الحاكمة والمانحين الدوليين معًا.

الاقتصاد السياسي الخفي لهذه الشعارات يمكن تفكيكه عبر ثلاث حلقات مترابطة. الحلقة الأولى: رفض الريع كأساس للشرعية. حين هاجمت الجماهير رموز النظام، كانت تهاجم فكرة أن الحكم يمكن أن يستمر عبر توزيع الريع لا عبر إنتاج القيمة. الخروج على النظام كان خروجًا على عقد اجتماعي وهمي: "نحن نوزع عليكم فتات الريع مقابل سكوتكم عن حقكم في تقرير المصير". رفض هذا العقد كان لحظة وعي حادة: أدركت الجماهير أن ما تحصل عليه من النظام (دعم، وظائف وهمية، خدمات متدنية) لا يساوي شيئًا مقابل ما يسحبه منها النظام (كرامة، مستقبل، وجود اجتماعي).

الحلقة الثانية: كشف الطبيعة الطبقية للدولة. شعار "يسقط النظام" لم يكن مجرد هجوم على رئيس، بل كان هجومًا على كتلة تاريخية كاملة: رجال أعمال المراكز النافذة، ضباط الأمن والجيش المتحولين إلى رأسماليين، البيروقراطيين الفاسدين، النخب الإعلامية المرتبطة بالنظام. الساحات أنتجت وعيًا جماعيًا بأن "النظام" ليس شخصًا ولا عائلة، بل هو شبكة مصالح متكاملة تعيد إنتاج نفسها عبر السيطرة على الدولة والثروة معًا. هذا الوعي هو ما جعل الهجوم على الرؤوس غير كافٍ، وفرض ضرورة الهجوم على البنية.

الحلقة الثالثة: المطالبة باستعادة الثروة المنهوبة. كل الانتفاضات العربية حملت مطالب بالقصاص من رموز الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. هذا المطلب، في عمقه، هو مطلب بإعادة توزيع جذرية للثروة. ليس مجرد محاكمة أشخاص، بل تفكيك الآليات التي سمحت بتراكم ثروات هائلة في يد أقلية بينما تعيش الأغلبية على الفتات. صحيح أن هذه المطالب ترجمت أحيانًا بشكل قانوني محدود (قوانين استرداد الأموال، هيئات مكافحة الفساد)، لكنها كانت تشير إلى ما هو أعمق: ضرورة إعادة هيكلة علاقات الملكية ذاتها.

لكن هذه الشعارات الثورية اصطدمت بغياب التنظيم والقدرة على التحول إلى برنامج سياسي-اقتصادي واضح. ظلت في مستوى الرفض الأخلاقي للنظام، دون أن ترتقي إلى مستوى بناء بديل ملموس. هذا الفتح ترك الساحات مكشوفة أمام قوى الثورة المضادة التي استغلت الغموض لتعيد تعريف المطالب الشعبية بصيغة محايدة سياسيًا: "الدولة المدنية"، "الانتقال الديمقراطي"، "محاربة الفساد" كشعارات يمكن تفريغها من محتواها الطبقي وإعادة توظيفها لصالح إعادة إنتاج النخب القديمة بوجوه جديدة.

في مصر، استطاع تحالف العسكر ورأس المال القديم أن يلتقط شعارات الثورة ويعيد توجيهها. "عدالة اجتماعية" تحولت إلى برامج مساعدات عينية، "محاربة الفساد" تحولت إلى حملات انتقائية ضد خصوم سياسيين، "الديمقراطية" تحولت إلى صناديق اقتراع شكلية تفرغ الانتخابات من معناها. في تونس، استطاعت النخب الحزبية الجديدة أن تتبنى الخطاب الثوري بينما كانت تعيد إنتاج نفس العلاقات الاقتصادية القديمة عبر الشراكات مع صندوق النقد والمانحين الدوليين.

هذا الفشل في تحويل الشعارات الثورية إلى برنامج طبقي واضح يعود، في جذوره، إلى ضعف التنظيم السياسي للطبقات المسحوقة. الساحات أنتجت وعيًا متقدمًا لكنها لم تنتج أدوات تنظيمية قادرة على ترجمة هذا الوعي إلى قوة مادية. الغضب تحول إلى زخم، والزخم تحول إلى مكاسب سياسية مؤقتة، لكن المكاسب السياسية لم تتحول إلى تغيير في علاقات الإنتاج لأن القوى القادرة على فرض هذا التغيير كانت غائبة أو مشتتة.

لذلك، فإن الدرس المركزي للمرحلة القادمة هو ضرورة تجاوز شعارات الرفض الأخلاقي نحو برنامج إيجابي واضح. برنامج لا يكتفي بمحاربة الفساد، بل يحدد آليات استعادة الثروة العامة ونزع ملكية البرجوازية الريعية. برنامج لا يكتفي بالمطالبة بالديمقراطية الإجرائية، بل يبني أشكالًا جديدة للديمقراطية المباشرة تقوم على مشاركة المنتجين في إدارة الاقتصاد. برنامج لا يكتفي برفض النهب، بل يبني بديلًا إنتاجيًا قائمًا على أولوية العمل على الريع، وحاجة المجتمع على ربح القلة.

كما كتب كارل ماركس في "نقد برنامج غوتا": "لكل حسب مساهمته" هو مبدأ المجتمع الانتقالي، لكن الهدف الأسمى هو "من كل حسب قدرته، لكل حسب حاجته". بين اللحظة الراهنة وذلك الهدف، تقف مهمة بناء برنامج مرحلي واضح يستجيب لمطالب الجماهير بلغة المصالح الطبقية، ويترجم شعارات الساحات إلى أدوات تغيير جذري في علاقات الإنتاج. هذه هي مهمة النظرية الثورية اليوم: تحويل الغضب الأخلاقي إلى برنامج سياسي-اقتصادي ملموس.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح


المزيد.....




- ترامب يهاجم إلهان عمر ورشيدة طليب: يجب إعادتهما من حيث جاءتا ...
- مودي يزور إسرائيل ويخطب أمام الكنيست: -الهند تقف إلى جانب إس ...
- أردوغان لم يسحب دعواه ضد الإعلامي الألماني بومرمان
- في المملكة المتحدة.. ولادة أول طفل من رحم متبرعة متوفية
- القانون الألماني ينتصر لمواطن شبّه ميرتس ببينوكيو -الكذاب-
- لجنة حماية الصحافيين: مقتل 129 إعلاميا في 2025 ثلثاهم بنيران ...
- سببان لاستهداف ايران :النووي والصواريخ
- ماذا تخفي التحركات الجوية الأمريكية في إسرائيل وقبالة سواحله ...
- -أنت قاتل- و-كاذب-.. إلهان عمر ترد بغضب على ترمب خلال خطاب ح ...
- طبول الحرب تقرع في بيروت.. رسائل -الدمار الشامل- وتأهب الصوا ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع العربي