أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخارج والداخل














المزيد.....

6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخارج والداخل


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 16:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن فهم الدولة العربية المعاصرة بمعزل عن موقعها في نظام التراكم العالمي. فالدولة هنا ليست كيانًا مغلقًا يمارس سيادة مطلقة على أراضيه، بل هي "دولة بوابة" (Gateway State) تعمل كحلقة وصل بين تدفقات رأس المال العالمي والسوق المحلية. وظيفتها الأساسية ليست حماية الاقتصاد الوطني أو تطوير قوى الإنتاج الداخلية، بل تسهيل حركة رأس المال العابر للحدود، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وضمان تدفق الريع الخارجي، سواء كان نفطًا أو تحويلات أو مساعدات أو سياحة. هذه الوظيفة الجديدة تعيد تعريف السيادة ذاتها: الدولة تحافظ على شكلها السياسي مقابل تفريغ محتواها الاقتصادي لصالح شبكات التراكم العالمية.

العولمة النيوليبرالية لم تفرض نفسها على العالم العربي عبر القوة المباشرة فقط، بل عبر بناء تحالف عضوي بين النخب المحلية ورأس المال العالمي. هذا التحالف له مصلحة مشتركة في إبقاء الاقتصاد منفتحًا على التدفقات الخارجية، ومقفلًا في وجه أي مشروع تنمية وطنية مستقل. فالدولة البوابة لا تريد صناعة محلية قوية قد تنافس المستوردات، ولا تريد طبقة عاملة منظمة قد تطالب بأجور أعلى، ولا تريد رأسمالية منتجة قد تستغني عن الوساطة. كل ما تريده هو بقاء قنوات الريع مفتوحة، وقدرتها على تحصيل عمولتها من كل صفقة تمر عبرها.

المنظمات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي) لعبت دورًا محوريًا في تشكيل هذه الدولة البوابة. شروط الإقراض والتكييف الهيكلي لم تكن مجرد توصيات فنية، بل كانت إعادة هندسة كاملة للدولة: خصخصة القطاع العام، تحرير التجارة، تعويم العملات، إلغاء الدعم، فتح الأسواق أمام المستوردات. هذه السياسات قدمت على أنها "إصلاحات اقتصادية" ضرورية، لكنها في جوهرها كانت عملية تفكيك لأي قدرة وطنية على الإنتاج المستقل، وتحويل الاقتصاد إلى ملحق تابع للأسواق العالمية.

في المقابل، استفادت النخب المحلية من هذه السياسات بشكل مضاعف. فمن جهة، حصلت على عمولات من صفقات الخصخصة والاستثمار الأجنبي. ومن جهة أخرى، أصبحت وكلاء حصريين للشركات العالمية في الأسواق المحلية. هذا الموقع المزدوج (وسيط بين العالمي والمحلي) هو مصدر قوتها وثروتها. لذلك تدافع هذه النخب بشراسة عن سياسات الانفتاح والتحرير، ليس لأنها تؤمن بفعاليتها الاقتصادية، بل لأنها تشكل أساس وجودها الطبقي ذاته.

الريع الخارجي بأشكاله المتعددة هو شريان الحياة لهذه الدولة البوابة. النفط في الخليج والجزائر والعراق وليبيا، تحويلات العمالة في مصر والأردن ولبنان، المساعدات والمنح في كل الدول تقريبًا، السياحة في تونس والمغرب ومصر، الاستثمارات العقارية في الإمارات ومصر. هذه التدفقات لا تحتاج إلى عمل منتج محلي، ولا تخلق روابط أمامية أو خلفية مع الاقتصاد الوطني، بل تبقى فوائض منفصلة تُستهلك في استيراد السلع الكمالية والاستثمار العقاري والمضاربات المالية. الدولة البوابة تعيش على هذه التدفقات، وعندما تجف، تنهار قدرتها على توزيع الريع وشراء الولاء، وتدخل في أزمة عميقة كما حدث في 2010-2011.

هذه البنية تفسر التناقض الظاهري في موقف القوى الإمبريالية من الثورات العربية. فالغرب يعلن دعمه للديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه يتعامل ببراغماتية كاملة مع الأنظمة المستبدة طالما استمرت في ضمان تدفق الريع وحماية المصالح الغربية. حين هددت الانتفاضات استقرار الدولة البوابة، تحول الدعم الغربي من الأنظمة القديمة إلى قوى الثورة المضادة، ثم عاد بسرعة إلى أحضان الأنظمة العسكرية-الأمنية الجديدة التي أثبتت قدرتها على إدارة النهب بكفاءة أكبر. ليس هناك تناقض هنا، بل استمرارية في الهدف: الحفاظ على الدولة البوابة مهما كان شكلها السياسي.

لبنان يقدم النموذج الأكثر كارثية لهذه العلاقة. دولة بوابة بامتياز، تعيش على تحويلات المغتربين والمساعدات الخارجية والودائع المصرفية الجاذبة للفوائد المرتفعة. مصرف لبنان المركزي والبنوك التجارية شكلوا العمود الفقري لهذه الدولة، حيث يجمعون الأموال من الخارج ويعيدون توظيفها في دين عام مرتفع العائد ووهم استقرار العملة. وعندما انهارت الثقة وهربت الودائع، انهارت الدولة كلها، لأنها لم تكن تملك أي قاعدة إنتاجية حقيقية تعوّضها. ما حدث في لبنان بعد 2019 هو صورة مصغرة لما ينتظر كل الدول العربية إذا استمرت في نموذج الدولة البوابة دون بناء قدرات إنتاجية ذاتية.

هذه البنية تفرض تحديات استراتيجية على أي مشروع تحرري. فالنضال ضد الاستبداد المحلي لا يكفي إذا لم يقترن بنضال ضد موقع التبعية في النظام الرأسمالي العالمي. الدولة البوابة لا يمكن إصلاحها، بل يجب تفكيكها وبناء دولة جديدة قائمة على أولوية الإنتاج المحلي، وحماية السوق الداخلية، والتخطيط الديمقراطي للاقتصاد. كتب فرانز فانون في "معذبو الأرض": "إن التحرر الوطني الحقيقي لا يتحقق بطرد المستعمر فقط، بل ببناء مجتمع جديد يلغي علاقات التبعية جذريًا"، في زمن العولمة، يعني هذا كسر احتكار النخب الوسيطة للعلاقة مع الخارج، وبناء قدرة وطنية على تحديد أولويات التراكم وفقًا لمصالح الأغلبية المسحوقة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية


المزيد.....




- مسلسل -اتنين غيرنا- عن ضغوطات الشهرة والوحدة والافتقار إلى ا ...
- باسم -ممفيس-.. البرلمان المصري يناقش مشروع قانون يمنح العاصم ...
- رمضان في فلسطين: -العين بصيرة واليد قصيرة-
- -معركة تلو الأخرى- يهيمن على جوائز بافتا
- الجيش الأمريكي يخلي قاعدة في شمال شرق سوريا ويعتزم الانسحاب ...
- من بروكسل إلى الجبهة الأوكرانية طائرات مسيّرة في الخفاء
- إيران: جولة ثالثة من المحادثات في جنيف على وقع تهديدات واشنط ...
- نيويورك: حالة طوارئ وإغلاق المواصلات بالكامل
- مستوطنون يحرقون مسجدا في نابلس ويقطعون شجر زيتون في رام الله ...
- متى يهاجم ترمب إيران؟ أربعة سيناريوهات ممكنة


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخارج والداخل