أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصنيع وتحول الدولة إلى وسيط نهب














المزيد.....

2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصنيع وتحول الدولة إلى وسيط نهب


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن التحول من برجوازية وطنية إلى برجوازية ريعية مجرد انزياح في طبيعة النشاط الاقتصادي، بل كان انقلابًا طبقيًا شاملًا أعاد تشكيل بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع. فالتجربة التصنيعية في منتصف القرن العشرين، رغم محدوديتها وتبعيتها، أنتجت برجوازية صغيرة ومتوسطة لها مصلحة نسبية في توسيع السوق المحلية وخلق فرص عمل. تلك البرجوازية، التي قامت على أساس استثمار فائض القيمة المستخرج من العمل الزراعي والصناعي المحدود، كانت بحاجة إلى استقرار نسبي وقدرة على إعادة الإنتاج. لكنها اصطدمت بحدود التراكم المحلي وبضغط الرأسمال العالمي، فكان الاختيار إما التصعيد نحو استقلال اقتصادي حقيقي أو التحول نحو الريع كحل سهل وسريع.

الريع لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج اندماج عضوي بين النخب المحلية وسياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها مؤسسات بريتون وودز منذ الثمانينيات. تلك السياسات لم تفتح الأسواق فقط، بل أعادت هندسة الأولويات الاقتصادية لصالح قطاعات لا تحتاج إلى عمل منتج: العقار، الاستيراد، الوساطة المالية، الخدمات المرتبطة بالدولة. وهكذا انقلبت العلاقة بين الدولة والاقتصاد: فبدل أن تكون الدولة أداة لتنظيم السوق ودعم التراكم الوطني، تحولت إلى المصدر الأكبر للريع نفسه، عبر صفقات التخصيص، والتراخيص الاحتكارية، والعقود المباشرة دون مناقصات.

البرجوازية الوطنية التي وُئدت في مهدها لم تختفِ تمامًا، بل تحول جزء منها إلى طبقة وسطى متعلمة تبحث عن فرص في القطاع الخاص الضيق، بينما اندمج الجزء الآخر مع الدولة العسكرية والأمنية ليشكل البرجوازية الريعية الجديدة. هذه الأخيرة لا تعيش من الربح الرأسمالي بالمعنى التقليدي، بل من الحصة المضمونة في توزيع الريع العام. علاقتها بالعمل علاقة عدمية: فهي لا تحتاج إلى تنظيم العمل، ولا إلى رفع إنتاجيته، ولا إلى تدريب قوة عاملة. كل ما تحتاجه هو قدرتها على الاستمرار في التحكم بمفاتيح توزيع الثروة المستوردة أو المستخرجة بسهولة.

ما حدث في مصر بعد 2013 نموذج صارخ: جيش تحول إلى أكبر مقاول ورجل أعمال، يسيطر على قطاعات بأكملها ليس عبر الكفاءة الإنتاجية، بل عبر الحماية السياسية والتفوق القسري. الدولة هنا ليست راعية للاقتصاد، بل هي الاقتصاد نفسه، أو بالأحرى هي الغطاء السياسي لتحالف رأسمالي-عسكري-أمني يعيد إنتاج نفسه عبر إقصاء أي فاعل اقتصادي مستقل. تونس أيضًا، رغم اختلاف المسار السياسي، شهدت تحول النخب الحزبية والإدارية إلى بورجوازية صغيرة تتنافس على الريع الخارجي والداخلي دون مشروع إنتاجي حقيقي.

النتيجة المباشرة لهذا التحول هي تفكيك فكرة الطبقة العاملة كقوة اجتماعية متماسكة. ففي غياب قاعدة صناعية مستقرة، وفي ظل هشاشة القطاع الخاص المنتج، تتحول البروليتاريا إلى كتلة مشتتة: عامل يومي في ورشة صغيرة، سائق توصيل عبر تطبيق، بائع متجول، موظف مؤقت في مشروع حكومي ممول من مانح خارجي. هذا التشتت يخدم البرجوازية الريعية تمامًا، لأنه يحول دون تنظيم الطبقة العاملة ويجعل صراعها مجرد محاولات فردية للبقاء لا نضالًا جماعيًا من أجل تبديل علاقات الإنتاج.

لكن هذا التحول الطفيلي يحمل في ذاته تناقضًا قاتلًا: البرجوازية الريعية غير قادرة على تحقيق أي تنمية، لأن بقاءها يعتمد على استمرار تدفق الريع، والريع بطبيعته ناضب وغير مستدام. حين تجف منابع الريع (انخفاض أسعار النفط، تراجع التحويلات، أزمة سياحية، ضغط ديون خارجي)، ينهار الغطاء الاجتماعي الهش، وتظهر الدولة على حقيقتها: عصابة نهب منظمة لا تملك مشروعًا للمستقبل. هنا يصبح الصدام مع الجماهير المحبطة حتميًا، كما حدث في 2010-2011، وكما سيحدث مجددًا حين تنضج الشروط المادية.

لهذا السبب، فإن أي مشروع ثوري حقيقي لا يمكنه تجاهل هذه الطبيعة الطبقية للدولة والبرجوازية. النضال ليس ضد شخصيات معينة، ولا ضد حكومات عابرة، بل ضد كتلة تاريخية ريعية تعيد إنتاج نفسها عبر إفقار المجتمع وتفكيك قواه المنتجة. وكما كتب روزا لوكسمبورغ: "إما أن تنتصر الاشتراكية، أو نعود إلى الهمجية". الهمجية هنا ليست استعارة، بل هي الواقع اليومي لمن يعيشون تحت حكم الرأسمالية الريعية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي


المزيد.....




- لماذا نجح نظام العمل لأربعة أيام أسبوعياً في هولندا، وهل يمك ...
- أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد خطة ترامب لضم غرينلاند وتص ...
- انقطاع التدفئة عن 1600 مبنى في كييف مع تصاعد الضربات المتباد ...
- مؤتمر ميونخ للأمن.. 4 خلاصات ترسم ملامح عالم جديد
- واشنطن وطهران.. تقاطع مسارات التهديد العسكري ورهانات التفاوض ...
- تداعيات ملفات إبستين في فرنسا.. تحقيقات قضائية بتورط مواطنين ...
- الزعيم كيم يفتتح حيا سكنيا لعائلات الجنود القتلى في روسيا
- ما هو سم ضفدع السهام السامة الذي يُزعم أنه استخدم لقتل أليكس ...
- ماهي لاجون غارد المتهمة في مقتل شاب يميني في جنوب فرنسا؟
- أحدث مقترحات طهران قبل محادثات مع واشنطن


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصنيع وتحول الدولة إلى وسيط نهب