أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأمننة الشاملة














المزيد.....

4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأمننة الشاملة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن الدولة العربية المعاصرة في أي مرحلة كياناً محايداً يدير التناقضات، بل كانت دوماً التجسيد المادي لتحالف طبقي ريعي يحتكر أدوات الإنتاج والعنف معاً. غير أن هذا التحالف لم يبقَ على حاله؛ إذ مرّ بتحولات بنيوية عميقة نقلته من صيغة "دولة التحديث" البيروقراطية في منتصف القرن العشرين، التي حملت مشروعاً تنموياً قائماً على رأسمالية الدولة بهدف استيعاب الجماهير واحتوائها، إلى صيغة "دولة الأمننة الشاملة" التي لم تعد تملك سوى إنتاج القمع وإدارة الانهيار. وفي هذا المسار يبرز مفهوم "البونابرتية" كما صاغه كارل ماركس في "الثامن عشر من برومير"، حيث تتضخم السلطة التنفيذية لتعلو فوق المجتمع مستفيدة من إنهاك الطبقات وتوازنها السلبي، فتوزع الريع والقهر معاً، وتستمد شرعية زائفة من ادعاء حماية الدولة من الفوضى التي صنعتها سياساتها ذاتها.

قامت دولة التحديث، في صيغها الناصرية والبعثية والبورقيبية، على عقد اجتماعي شعبوي: خدمات عامة ووظائف وتعليم مقابل تحييد الفاعلية السياسية المستقلة للجماهير. استند هذا العقد إلى فائض ريعي، نفطي أو قائم على المعونات، لا إلى قاعدة إنتاجية وطنية متماسكة، ما جعلها دولة توزيعية بامتياز. ومع تفكك هذا النموذج تحت ضغط أزمة الديون وسياسات التكييف الهيكلي النيوليبرالية، تآكلت قدرة الدولة على شراء الولاء الاجتماعي، فانكشف جوهرها القمعي العاري. لم تعد معنية بإقناع الجماهير، بل أصبح همها الأساسي إخضاعها.

تتحدد البونابرتية الجديدة في السياق العربي الراهن عبر ثلاث سمات طبقية حاسمة. أولاً: الاستقلال الظاهري للجهاز التنفيذي، حيث يقدم رأس السلطة نفسه حكماً "فوق طبقي" يحمي التوازن من الإرهاب أو التقسيم، بينما يصون في الواقع مصالح البرجوازية الطفيلية وكبار البيروقراطيين. ثانياً: عسكرة الرأسمال، إذ لم يعد الجيش مجرد مؤسسة دفاعية، بل تحول إلى رأسمالي كلي يمتلك المصانع والشركات والأراضي، وينافس القطاعين الخاص والعام في فائض القيمة مستنداً إلى سلطته السيادية لإقصاء المنافسين. ثالثاً: تحويل القضايا الاجتماعية إلى ملفات أمنية؛ فالبطالة وأزمة السكن لم تعودا مسائل تخطيط اقتصادي، بل صارتا تهديدات أمنية تستدعي الردع وتوسيع السجون وتعميق المراقبة.

يمثل النموذج المصري بعد 2013 المختبر الأوضح لهذه البنية؛ فقد جرى ابتلاع المجال العام لصالح تحالف عسكري-أمني-استخباري يدير الدولة كملكية خاصة. المؤسسات الدستورية والبرلمانية تحولت إلى واجهات شكلية تمنح غطاءً لقرارات الجهاز التنفيذي، بينما غدا الاقتصاد مجال نفوذ مباشر للأجهزة السيادية. الدولة هنا لا تنظم مجتمعاً بقدر ما تدير معسكراً واسعاً منضبطاً طبقياً ومكانياً: مجمعات مغلقة للنخبة المحمية، وأحياء هامشية للفقراء تخضع لرقابة مستمرة.

أما في تونس، فقد اتخذت الأمننة مساراً قانونياً التفافياً؛ إذ أعيد تفعيل الترسانة القمعية تحت شعارات مثل حالة الطوارئ والحرب على الإرهاب، لتكتشف قطاعات من النخب الليبرالية أن الاتكاء على الأجهزة الأمنية أكثر ضماناً لمصالحها من الرهان على تعبئة الجماهير. وفي الحالات الأكثر دموية، كما في سوريا وليبيا واليمن، تفككت البونابرتية المركزية إلى بونابرتيات ميليشياوية مجزأة، حيث تعيد كل سلطة محلية إنتاج منطق الريع والقمع ضمن نطاق ضيق، محولة السياسة إلى صراع مسلح ذي أبعاد طبقية وإثنية متداخلة.

يفسر هذا الإطار عجز انتفاضات 2011 عن إحداث قطيعة جذرية؛ فقد انصب الهجوم على الرأس السياسي دون المساس بجهاز الدولة العسكري-الأمني الراسخ. وحين تراجع الزخم الشعبي، استعاد الجسد الصلب للدولة تماسكه، مستبدلاً بعض الوجوه ليعيد إنتاج البنية ذاتها بصورة أكثر انغلاقاً وعنفاً. إن الدولة البونابرتية الجديدة تمثل رد فعل الطبقة الحاكمة على خوفها من السقوط، ومحاولة لتأبيد علاقات الاستغلال عبر القوة المباشرة.

وتنبثق من ذلك مهمة تاريخية واضحة أمام البروليتاريا والمهمشين: ليس إصلاح هذا الجهاز أو المطالبة بديمقراطية إجرائية ضمن حدوده، بل تحطيم هذه الماكينة الطبقية كما أكد فلاديمير لينين في "الدولة والثورة". فلا يمكن تشييد مجتمع الحرية عبر أدوات القمع البونابرتية؛ إذ إن الدولة الأمنية العربية لا تحرس الوطن بقدر ما تحرس امتيازات النخبة الريعية من غضب المفقرين. وأي مشروع تحرري حقيقي يبدأ بكسر احتكار الدولة للعنف والثروة، وإحلال سلطة المجالس الشعبية والمنتجين كبديل تاريخي يفتح أفقاً مغايراً.

"إن الدولة ليست إلا آلة لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى، وهذا يصدق على الجمهورية الديمقراطية بقدر ما يصدق على الملكية."
فريدريك إنجلز.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...


المزيد.....




- السعودية.. عبدالرحمن أبومالح ينفي وجود خلافات: أغادر -ثمانية ...
- فيديو منسوب لـ-اشتباك حرس الرئيس المصري خلال قمة إفريقية في ...
- تقارير تتحدث عن زيارات -سرية- لرئيسَي -الشاباك- و-الموساد- ا ...
- قرصنة على سواحل الصومال: بحارة مصريون يستغيثون لتحريرهم بعد ...
- الوكالة الأوروبية للصحة تنفي وجود مؤشرات بشأن تحور سلالة الأ ...
- الولايات المتحدة - الصين : مواجهة العملاقين لقيادة العالم
- أسطول الصمود يبحر غدًا من تركيا نحو غزة
- قمة ترمب وشي.. من الحرب التجارية إلى صفقات الاضطرار
- سارمات.. شيطان موسكو -الأقوى في العالم- يكسر قيود التسلح الن ...
- إطلاق نار وفوضى داخل مجلس الشيوخ الفلبيني


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأمننة الشاملة