أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فائض العمل وفائض القهر














المزيد.....

3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فائض العمل وفائض القهر


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 18:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست البطالة في التشكيلات الاجتماعية العربية خللاً تقنياً عابراً في "سوق العمل" يمكن ترميمه بحزم إصلاحية نيوليبرالية أو دورات "ريادة أعمال" واهمة؛ إنها بطالة بنيوية منسوجة في صلب نمط الإنتاج الريعي التابع. فالرأسمالية الريعية، بطبيعتها الطفيلية، لا تحتاج إلى قاعدة إنتاجية واسعة، بل تعتمد على استخراج الريع (نفطي، عقاري، أو معونات) وتحويله إلى استهلاك ترفي للنخبة، مما يخلق "جيش احتياط" دائم من العاطلين. هذا الجيش لا يعيش خارج النظام، بل يُدفع قسراً نحو القطاع غير الرسمي الهش، ليعمل كأداة ضغط لخفض الأجور وإلغاء أي حماية قانونية أو نقابية متبقية.

يشكّل شباب المدن العربية المادة الخام لهذا الاستغلال. فبعد أن كان التعليم "مصعداً طبقياً" في حقبة دولة الاستقلال، تحول اليوم إلى مصيدة طبقية؛ حيث تُنتج الجامعات كفاءات لا يجد نمط الإنتاج المشوه مكاناً لاستيعابها. هؤلاء الشباب لم يعودوا مجرد "فائض قوة عمل"، بل تحولوا إلى "فائض وجود"؛ يعيشون حياة معلقة في ردهات الانتظار الطويلة، حيث يغدو الاستقلال المادي، السكن، وتأسيس أسرة أحلاماً طوباوية. هذا "الانتظار" ليس حالة نفسية، بل هو اغتراب مادي واجتماعي يفرضه النظام لضمان تبعية الفرد للأسرة أو للدولة الرعوية المتهالكة.

ثم جاءت "الرقمية" لتعيد إنتاج علاقات الإنتاج القديمة بواجهة تكنولوجية براقة. إن ما يسمى "اقتصاد المنصات" (Gig Economy) هو في جوهره عودة للعمل بالقطعة (Piece-work) الذي حلله ماركس في القرن التاسع عشر، لكنه اليوم مدعوم بالخوارزميات. عامل التوصيل (الطيار) أو السائق عبر التطبيقات هو بروليتاري رقمي بامتياز: يمتلك وسيلة إنتاجه (دراجة أو سيارة) شكلياً، لكنه يخضع كلياً لسيطرة خوارزمية صمّاء تحدد أجره ومساره وتقيمه. هذه الرقمنة تمثل أقصى درجات تفكك الطبقة العاملة؛ إذ تعزل العامل عن زملائه، وتمنع تشكّل وعي طبقي جمعي، وتحول العمل إلى سلعة لحظية تُباع بلا عقود أو تأمينات، محولةً "المرونة" إلى هشاشة مطلقة وقهر تقني.

في الجهة المقابلة لهذا التناقض المادي، يبرز "فائض القهر" كآلية إدارة يومية لهذا الفائض البشري. فحين تفشل الدولة في إدماج الشباب عبر العمل المنتج، لا يتبقى لها سوى القمع كأداة وحيدة للضبط الاجتماعي. يعيش شباب الأحياء الهامشية في الحواضر العربية (القاهرة، الدار البيضاء، عمان) تحت رقابة أمنية مجهرية؛ حيث يُدار الفقر عبر تجريمه. القهر هنا ليس استثنائياً، بل هو "تقنية حكم" يومية تهدف لضبط الكتلة البشرية الهائلة ومنع تحول غضبها المادي إلى فعل سياسي منظم.

وتتجلى العلاقة الجدلية هنا بوضوح: كلما اتسعت فجوة البطالة البنيوية (فائض العمل)، تمددت بالضرورة أجهزة المراقبة والملاحقة (فائض القهر). فالنموذج الأمني العربي الجديد لا يحمي "المجتمع"، بل يحمي "جيوب الرخاء الطبقي" من أمواج المهمشين. وتتحول المدن إلى معازل طبقية: أحياء محصنة ومسورة (Gated Communities) للنخبة الرأسمالية، مقابل أحياء عشوائية تخضع لمداهمات دورية ورقابة أمنية خانقة، مما يحول الجغرافيا الحضرية إلى ساحة صراع طبقي صامت.

لقد كشفت الانتفاضات العربية أن هذا الفائض البشري، المُدار بالقهر والإهمال، يمتلك طاقة تفجيرية هائلة، لكنها طاقة تفتقر إلى البوصلة التنظيمية. خرج الشباب لأن وجودهم المادي صار مستحيلاً، لكن الغضب العفوي، مهما بلغت قوته، لا يمكنه تحطيم جهاز دولة منظم ومدعوم إمبريالياً ما لم يتحول إلى "قوة تاريخية" واعية. إن الدرس المركزي هو أن "الرقمية" والوسائط التواصلية يمكن أن تحشد للتظاهر، لكنها لا تبني تنظيماً طبقياً قادراً على إدارة الصراع الطويل وإحلال سلطة البديل.

إن الانتقال من "الانتفاضة" إلى "الثورة الاجتماعية" يمر حتماً عبر تحويل البروليتاريا الرقمية والمهمشين من "طبقة في ذاتها" (موضوع للاستغلال) إلى "طبقة لذاتها" (فاعل واعٍ ومنظم). وكما علمنا غرامشي، فإن الجماهير تصنع التاريخ، لكنها لا تصنعه في فراغ. إن المهمة التاريخية الراهنة هي بناء الأدوات النقابية والسياسية الجديدة التي تخترق عزلة "الخوارزمية" وتوحد شتات المهمشين في جبهة طبقية واحدة قادرة على انتزاع وسائل الإنتاج وتفكيك بنية القهر والريع.

"إن الأزمة تتمثل في أن القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد؛ وفي هذا البرزخ تظهر جملة من الأعراض المرضية."
أنطونيو غرامشي.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...


المزيد.....




- ملفات مخفية عن المشرعين.. نائب ديمقراطية تكشف عن تجربتها أثن ...
- -الجيش الأمريكي يعزز وجوده في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ-.. مصا ...
- اختتام المفاوضات النووية في جنيف.. وإيران تغلق مضيق هرمز جزئ ...
- رحيل روبرت دوفال، وسيط -العرّاب- في العرض الذي لا يمكن رفضه ...
- روبوتات صينية متقدّمة شبيهة بالبشر تقدّم عروضًا في مهرجان ال ...
- زياد ابحيص: إسرائيل ستفرض شروطها بالقوة لتسجيل الأراضي الفلس ...
- لماذا لجأت روسيا إلى -سم الضفادع- للقضاء على المعارض ألكسي ن ...
- تصنيف أراض في الضفة الغربية -أملاك دولة- إسرائيلية.. غطاء لس ...
- سابقة عالمية.. علاج جنيني ينقذ طفلاً من ورم وعائي
- التوسع الاستيطاني يكبد القطاع الزراعي بالضفة الغربية خسائر ب ...


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فائض العمل وفائض القهر