أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج الاستبداد العربي















المزيد.....

15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج الاستبداد العربي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 17:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن فهم ديناميكيات الربيع العربي ومآلاته بمعزل عن البعد الإقليمي والدولي للصراع. فالانتفاضات الشعبية لم تكن مواجهة محض بين جماهير محلية وأنظمة مستبدة، بل تداخلت فيها مصالح إقليمية ودولية معقدة أعادت تشكيل مسار الأحداث وحددت نطاق التغيير الممكن. في صلب هذه الديناميكية تقف علاقة التبعية التي تربط الأنظمة العربية بالرأسمال العالمي، والدور الذي تلعبه القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها دول الخليج، في إعادة إنتاج الاستبداد العربي وحماية النموذج الريعي من الانهيار.

تحتل دول الخليج موقعاً مركزياً في بنية التبعية العربية. فهي، من جهة، جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي العالمي باعتبارها المنتج الرئيسي للنفط والمستثمر الكبير في الأسواق العالمية. ومن جهة أخرى، تمارس هيمنة إقليمية واضحة على الدول العربية الأخرى عبر أدوات متعددة: المساعدات المالية، الاستثمارات، التحويلات، النفوذ السياسي، وأحياناً التدخل العسكري المباشر. هذه الهيمنة الخليجية ليست مجرد تعبير عن ثروة نفطية، بل هي مشروع سياسي منظم يهدف إلى حماية النموذج الريعي-الاستبدادي في المنطقة، ومنع أي تحول ديمقراطي حقيقي قد يهدد استقرار هذا النموذج.

العلاقة مع الغرب تشكل العمود الفقري لهذه البنية. فالأنظمة العربية، خليجية وغير خليجية، مرتبطة بعضوية بالرأسمال الغربي عبر شبكة معقدة من المصالح: تصدير النفط، استيراد السلاح، استثمار الفوائض المالية، توطين الشركات الغربية، والتحالفات الأمنية والعسكرية. هذه العلاقة تمنح الأنظمة العربية غطاءً دولياً يحميها من الضغوط الداخلية والخارجية، وتضمن استمرار تدفق الريع والسلاح والدعم السياسي. في المقابل، تحصل القوى الغربية على مورد طاقوي استراتيجي، وأسواق لصناعاتها العسكرية، وقواعد عسكرية، وتحالفات أمنية في منطقة حساسة.

عند اندلاع الانتفاضات العربية في 2010-2011، تحرك هذا التحالف بسرعة لاحتواء الموجة الثورية وتوجيهها في مسارات لا تهدد المصالح الأساسية. لم يكن الموقف الغربي موحداً، بل تباين حسب طبيعة كل بلد ومصالح كل قوة. في تونس ومصر، حيث كانت المصالح الغربية أقل تركيزاً، سمحت واشنطن وحلفاؤها بسقوط الأنظمة القديمة، مع العمل على توجيه "الانتقال الديمقراطي" في إطار يحافظ على الهيكل الاقتصادي القائم والعلاقات مع الغرب. في ليبيا، تحول الموقف الغربي إلى تدخل عسكري مباشر تحت غطاء "حماية المدنيين"، لكن النتيجة كانت تدمير الدولة وتفكيكها. في سوريا، حالت المصالح الروسية-الإيرانية دون سقوط النظام، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة. في البحرين، تدخلت قوات درع الجزيرة الخليجية لسحق الانتفاضة وحماية النظام الملكي.

دول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات، لعبت دوراً حاسماً في دعم الثورة المضادة. قدمت الدعم المالي والسياسي للأنظمة العسكرية في مصر بعد انقلاب 2013، ودعمت القوى المضادة للثورة في تونس، وتدخلت عسكرياً في البحرين واليمن، وموّلت قوى سياسية وإعلامية في مختلف الدول العربية تعمل على ترويج خطاب مناهض للثورات. هذا الدور لم يكن مجرد دفاع عن "الاستقرار"، بل كان دفاعاً عن نموذج سياسي-اقتصادي معين: نموذج الحكم الريعي-الاستبدادي الذي تقوم عليه هذه الدول نفسها. فسقوط الأنظمة العربية الأخرى، وتحولها إلى ديمقراطيات حقيقية، كان سيشكل تهديداً وجودياً لهذه الأنظمة الخليجية، لأنها كانت ستظهر كـ"استثناء" غير قابل للاستمرار في المنطقة.

التدخل الخليجي في مصر بعد 2013 هو النموذج الأوضح لهذه الآلية. فبعد انقلاب السيسي، قدمت السعودية والإمارات والكويت دعماً مالياً هائلاً تجاوز العشرين مليار دولار، في صورة ودائع ومنح ومساعدات نفطية. هذا الدعم كان حاسماً في تمكين النظام الجديد من تجاوز أزمته الاقتصادية الأولى، وشراء ولاء بعض القوى الاجتماعية، وتمويل حملته القمعية. كما لعب الإعلام الخليجي دوراً رئيسياً في تلميع صورة السيسي وتقديمه كقائد ضروري لمواجهة "الإرهاب" واستعادة "الاستقرار". هذا التحالف بين القاهرة والرياض وأبوظبي أعاد تشكيل موازين القوى الإقليمية، ووجه ضربة قوية لبقايا الثورات العربية.

في اليمن، تحول التدخل الخليجي إلى حرب شاملة. ففي 2015، شنت السعودية والإمارات حرباً على الحوثيين المدعومين من إيران، بهدف استعادة الرئيس هادي الموالي للتحالف. هذه الحرب، التي استمرت لسنوات، دمرت اليمن بالكامل، وحولته إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. لكنها أيضاً كشفت عن الوجه الوحشي للهيمنة الخليجية: استعداد لاستخدام القوة المفرطة لحماية المصالح، وعدم اكتراث بالخسائر البشرية، واستخدام الجوع والحصار كسلاح في الصراع. اليمن ليس استثناءً، بل هو التطرف المنطقي لنموذج الهيمنة الخليجية.

في سوريا، تداخلت المصالح الإقليمية والدولية بشكل أكثر تعقيداً. دعمت دول خليجية (السعودية وقطر) المعارضة السورية في مراحلها الأولى، بهدف إسقاط النظام الموالي لإيران. لكن مع تصاعد التدخل الروسي والإيراني، وتحول المعارضة إلى فصائل متصارعة، تراجع الدعم الخليجي، وتركت سوريا لمصيرها. النتيجة: انتصار النظام بدمار هائل وتشريد ملايين السوريين، وتحول البلاد إلى ساحة نفوذ إيراني-روسي. سوريا تظهر حدود الهيمنة الخليجية حين تتصادم مع قوى دولية كبرى، لكنها تظهر أيضاً كيف أن الصراعات الإقليمية تحول دولاً بأكملها إلى ضحايا.

تونس، رغم أنها لم تشهد تدخلاً عسكرياً خليجياً مباشراً، لم تفلت من هذا السياق. فالدعم الخليجي (القطري خصوصاً) لبعض القوى الإسلامية، والدعم السعودي-الإماراتي لقوى علمانية وأمنية، ساهم في تعميق الاستقطاب السياسي وإضعاف التجربة الديمقراطية. كما أن الضغوط الاقتصادية الممارسة على تونس، من خلال شروط القروض الدولية وتراجع الاستثمارات الخليجية، ساهمت في تفاقم أزمتها الاقتصادية وإضعاف قدرتها على الصمود في وجه الضغوط. تونس تظهر كيف يمكن للهيمنة الإقليمية أن تعمل بأدوات ناعمة (تمويل، إعلام، دعم سياسي) قبل أن تلجأ للأدوات الخشنة.

ما تقدمه هذه التجارب هو صورة واضحة عن طبيعة النظام الإقليمي العربي. هذا النظام ليس مجرد مجموعة دول مستقلة، بل هو بنية هرمية تخضع لهيمنة دول الخليج النفطية، والمرتبطة عضوياً بالرأسمال الغربي، والقائمة على إعادة إنتاج النموذج الريعي-الاستبدادي. أي تهديد لهذا النموذج في أي بلد عربي يُقرأ كتهديد للنظام بأكمله، وتتحرك آليات الدفاع الجماعي (سياسياً، مالياً، إعلامياً، عسكرياً) لاحتوائه. الربيع العربي كان التهديد الأكبر لهذه البنية منذ عقود، ولذلك واجه هذا التحالف الواسع من القوى المحلية والإقليمية والدولية.

التحليل الماركسي لهذه البنية يركز على أساسها الطبقي. فما يوحد هذه الأنظمة ليس مجرد "قيم عربية" أو "مصالح استراتيجية"، بل هو المصلحة الطبقية المشتركة للنخب الحاكمة والبرجوازيات الريعية في الحفاظ على نموذج تراكم قائم على الريع والتبعية والقمع. هذا النموذج يربط مصير هذه النخب بمصير الرأسمال العالمي، ويجعلها في نفس الوقت معادية لأي تحول ديمقراطي حقيقي قد يمس أسس هذا التحالف. لذلك، فإن أي مشروع تحرري عربي لا يمكن أن ينجح دون كسر هذه البنية الإقليمية، ودون بناء تحالفات عابرة للحدود بين القوى الشعبية في مختلف الدول العربية.

كتب فرانز فانون عن ضرورة تجاوز القومية البرجوازية الضيقة نحو وعي قاري وأممي. في السياق العربي، يعني هذا تجاوز التجزئة التي تفرضها الأنظمة والحدود، وبناء وعي مشترك بطبيعة العدو الطبقي المشترك، سواء كان محلياً (الدولة البونابرتية والبرجوازية الريعية) أو إقليمياً (الهيمنة الخليجية) أو دولياً (الإمبريالية الغربية). هذا الوعي الأممي هو شرط ضروري لأي استراتيجية ثورية قادرة على مواجهة هذا التحالف الواسع.

كما كتب فانون في "معذبو الأرض": "إن الاستقلال الوطني الحقيقي لا يتحقق بطرد المستعمر فقط، بل ببناء مجتمع جديد يلغي علاقات التبعية جذرياً". في سياقنا الراهن، يعني هذا أن التحرر من الاستبداد المحلي يجب أن يقترن بالتحرر من الهيمنة الإقليمية والتبعية الدولية. مهمة معقدة، لكنها ليست مستحيلة، وهي المهمة التاريخية المطروحة على أجيال الثوار العرب القادمة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة


المزيد.....




- بين المغادرين والقادمين.. شاهد ما يفعله أثرياء العالم وسط اض ...
- كيف علق وزير الدفاع الأمريكي على حادث تحطم طائرة تزود بالوقو ...
- ماذا نعرف عن هجوم -معبد إسرائيل- في ميشيغان ومُنفّذه؟
- ماذا ستفقد إيران إذا ما سيطرت الولايات المتحدة على جزيرة خرج ...
- لبنان الى اين؟
- الرئيس ماكرون يؤكد أن موقف فرنسا بشأن حرب الشرق الأوسط -دفاع ...
- مصر.. حالة من الغضب بعد رفع أسعار الوقود
- انفجارات في القدس وصفارات الإنذار تدوي في تل أبيب وعسقلان وأ ...
- كوريا الجنوبية: المجزرة المنسية في جزيرة جيجو
- هذه القطع المقلدة قد تقتل أطفالك.. احذر فخ التوفير


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج الاستبداد العربي