أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة العميقة إنتاج نفسها















المزيد.....

9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة العميقة إنتاج نفسها


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكتف الثورة المضادة في العالم العربي باستعادة مواقع السلطة عبر الانقلابات العسكرية والتزوير الانتخابي، بل طوّرت أدوات جديدة للسيطرة تستجيب لتحولات العصر الرقمي. يمكن تسمية هذه الظاهرة بـ"البونابرتية الرقمية": شكل معاصر من الدولة البونابرتية لا يكتفي باحتكار العنف المادي، بل يضيف إليه احتكارًا للبنية الرقمية، وتحكمًا في تدفقات المعلومات، وقدرة على إنتاج الوعي الزائف على نطاق غير مسبوق. هذه البونابرتية الجديدة أعادت إنتاج الدولة العميقة نفسها، لكن بأدوات أكثر تطورًا وقدرة على اختراق الحياة اليومية.

الانتفاضات العربية كانت أول ثورات في التاريخ تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للتنظيم والتعبئة. فيسبوك وتويتر ويوتيوب لم تكن مجرد منصات للتواصل، بل تحولت إلى ساحات افتراضية موازية للساحات الحقيقية، ساهمت في كسر احتكار الدولة للإعلام، وسمحت بتدفق المعلومات بشكل أفقي خارج سيطرة الأجهزة الأمنية. هذا الاستخدام الثوري للتكنولوجيا هو ما جعل الربيع العربي يحظى باهتمام عالمي، وهو ما دفع الكثيرين إلى التبشير بـ"ثورات فيسبوك" التي ستغير وجه المنطقة.

لكن النبوءات التفاؤلية سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا. فالدولة العميقة تعلمت بسرعة كيف تستخدم نفس الأدوات الرقمية لصالحها. تحولت منصات التواصل من فضاءات تحرر إلى ساحات معركة مفتوحة، حيث تتداخل المعلومات المضللة والدعاية المنظمة والتجسس الإلكتروني والاختراقات الأمنية. الدولة لم تعد تكتفي بقمع المظاهرات في الشوارع، بل طورت قدرات على قمع الخطاب في الفضاء الرقمي، عبر تشريعات مقيدة، ومراقبة موسعة، وحملات منظمة للتشويه والتضليل.

البونابرتية الرقمية تقوم على ثلاث آليات رئيسية. الآلية الأولى: احتكار البنية التحتية الرقمية. الدولة تسيطر على شركات الاتصالات، تراقب حركة البيانات، تمتلك القدرة على قطع الإنترنت عند الحاجة، وتفرض سيطرتها على المنصات المحلية. في مصر وسوريا وتونس وغيرها، شهدنا قطعًا متعمدًا للإنترنت في لحظات حرجة، بهدف شل قدرة المحتجين على التنظيم والتواصل. هذا الاحتكار للبنية التحتية يعطي الدولة أداة ضغط هائلة، تمكنها من التحكم في إيقاع الحراك الاجتماعي.

الآلية الثانية: إنتاج المعلومات المضللة وتنظيم حملات التشويه. أنشأت أجهزة الأمن في العديد من الدول العربية "جيوشًا إلكترونية" من الموظفين والمأجورين، مهمتها نشر الأكاذيب والشائعات، وتشويه صورة النشطاء والمعارضين، وخلق حالة من البلبلة والارتباك في الفضاء الرقمي. هذه الحملات لا تستهدف فقط توجيه الرأي العام، بل تهدف أساسًا إلى تقويض الثقة في أي معلومة، وإنتاج حالة من السخرية واللامبالاة تجعل الناس غير قادرين على التمييز بين الحقيقة والكذب. وكما تقول مقولة مشهورة في علم النفس السياسي: "الكذبة ليست هدفها أن تُصدق، بل أن تخلق حالة من الشك تجعل الحقيقة تبدو كذبة أيضًا".

الآلية الثالثة: التجسس والاختراق والملاحقة القانونية. استخدمت الأجهزة الأمنية برامج تجسس متطورة لاختراق هواتف النشطاء والصحافيين والمعارضين، ومراقبة تحركاتهم واتصالاتهم. هذه المعلومات تستخدم لابتزاز الناشطين، أو توجيه تهم جنائية لهم، أو تصفيتهم جسديًا في بعض الحالات. القوانين الجديدة للجرائم الإلكترونية في العديد من الدول العربية حولت الفضاء الرقمي إلى منطقة خطر دائم، حيث يمكن متابعة أي مستخدم بتهمة "نشر أخبار كاذبة" أو "إثارة الفتنة" أو "الانضمام إلى جماعة إرهابية".

ما يميز البونابرتية الرقمية عن الأشكال التقليدية للرقابة هو طابعها الاستباقي والشمولي. الدولة لم تعد تنتظر حتى يحدث الاحتجاج لتفكر في قمعه، بل تراقب الفضاء الرقمي باستمرار لتوقع حدوث الاحتجاجات قبل وقوعها، وتحدد قادتها المحتملين، وتتدخل لتفكيك شبكات التنظيم الناشئة. هذا التحول من القمع التفاعلي إلى القمع الاستباقي هو جوهر الدولة الأمنية الرقمية.

في مصر، بعد 2013، تطور نموذج متكامل للبونابرتية الرقمية. قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام، قانون مكافحة الإرهاب، كلها قوانين أعطت الدولة غطاءً قانونيًا للسيطرة على الفضاء الرقمي. بالتزامن مع ذلك، توسعت أجهزة المراقبة الإلكترونية، وظهرت "اللجان الإلكترونية" التابعة للأمن التي تدير حملات منظمة لدعم النظام وهجوم المعارضين. الإنترنت في مصر لم يعد فضاءً للتواصل الحر، بل أصبح منطقة معركة غير متكافئة، حيث الفرد أعزل أمام آلة دعاية متكاملة.

في تونس، ورغم المسار الديمقراطي النسبي، شهدنا أيضًا تطورًا في آليات الرقابة الرقمية. قوانين مكافحة الإرهاب استخدمت أحيانًا لملاحقة ناشطين على مواقع التواصل، وحملات التشويه الإلكتروني أصبحت أداة مستخدمة من قبل قوى سياسية مختلفة. الدولة التونسية، رغم ضعفها النسبي، بدأت تبني قدرات رقابية تهدد مكاسب الثورة في فضاء كانت تعتبره مفتوحًا.

في سوريا، وصلت البونابرتية الرقمية إلى أقصى درجاتها الوحشية. نظام الأسد لم يكتف بقطع الإنترنت بشكل متكرر، بل طوّر قدرات متقدمة في المراقبة والاختراق، واستخدم منصات التواصل لنشر دعايته وملاحقة المعارضين حتى خارج سوريا. الجيش الإلكتروني السوري أصبح نموذجًا تحتذي به أنظمة أخرى، حيث جمع بين القرصنة الإلكترونية والحرب النفسية وحملات التضليل المنظمة.

هذه التطورات تفرض تحديات جديدة على أي مشروع ثوري. فالنضال اليوم لا يمكن أن يكتفي بمواجهة الدولة في الشارع، بل يجب أن يمتد إلى مواجهتها في الفضاء الرقمي أيضًا. هذا يتطلب بناء أدوات رقمية مضادة: منصات تواصل مستقلة، تقنيات تشفير لحماية الاتصالات، شبكات تضامن إلكتروني، قدرات على كشف المعلومات المضللة وتفنيدها. التنظيم الثوري الجديد يجب أن يكون قادرًا على العمل في بيئة رقمية معادية، وأن يحول الفضاء الإلكتروني من ساحة قمع إلى ساحة نضال.

لكن لا ينبغي المبالغة في الدور المستقل للتكنولوجيا. البونابرتية الرقمية تظل، في النهاية، تعبيرًا عن علاقات قوى طبقية. قوتها تأتي من قوة الدولة والطبقة الحاكمة، وضعفها مرتبط بضعفها. لذلك، فإن النضال ضدها لا يمكن اختزاله إلى نضال تقني، بل هو جزء من النضال الشامل ضد الدولة البونابرتية والبرجوازية الريعية. الأدوات الرقمية وحدها لا تصنع ثورة، ولا تقهر دولة. لكن غيابها، في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا، يمكن أن يكون عامل حاسم في الهزيمة.

كما كتب فرانز فانون: "كل جيل، عليه أن يكتشف مهمته، فإما أن ينجزها وإما أن يخونها.". مهمة جيل الربيع العربي لم تكن فقط إسقاط الديكتاتوريات، بل بناء بديل شامل يستجيب لتعقيدات العصر. في هذا البديل، يجب أن يكون للبعد الرقمي مكانه، ليس كبديل عن التنظيم الميداني، بل كجزء لا يتجزأ منه. فكراهية الثورة المضادة للفضاء الرقمي الحر دليل على أهميته، لكنها أيضًا دليل على محدوديته إن بقي منفصلاً عن حركة الجماهير في الشارع والإنتاج.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...


المزيد.....




- كيف سترد الإمارات على الهجمات الإيرانية؟ ريم الهاشمي توضح لـ ...
- خريطة بالدول التي استهدفتها إيران بعد الهجمات الأمريكية الإس ...
- بانتظار اختيار خليفة لخامنئي.. مجلس مؤقت يقود إيران: ماذا نع ...
- تقرير إسرائيلي: ما سيُكشف عن اغتيال خامنئي سيصدم الجميع
- أبرز ردود الفعل الدولية على اغتيال خامنئي
- وزراء خارجية دول الخليج يجتمعون الأحد عبر الفيديو لمناقشة ال ...
- بلجيكا تحتجز ناقلة نفط يشتبه بأنها من -أسطول الظل الروسي-
- العراق يعلن الحداد ثلاثة أيام على خامنئي
- ما الذي تحقق باغتيال المرشد علي خامنئي؟
- قانون ساحة البراق.. أداة تشريعية لتكريس سيطرة الاحتلال على ا ...


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة العميقة إنتاج نفسها